عامر بوعزة يكتب : لطفي المرايحي

امرأة من الطبقة الراقية تعيش حياة مستقرّة ومُرفّهة، ترتبط بعلاقة عاطفية مع عشيق شاب دون دافع آخر غير الرغبة في تبديد الملل.
فجأة تظهر في حياتها امرأة غريبة تلاحقها وتبتزها مهدّدة إياها بفضح خيانتها لزوجها. هكذا تصبح حياة «إيرينا فاغنر» جحيما لا يطاق بسبب الخوف، فتفكيرها المستمر في ما يمكن أن يحدث لو انكشف أمرها أصبح هاجسا مدمّرا ومصدر توتّر ورعب قاداها إلى الانهيار.
لم يتّجه «ستيفان زفايغ» مباشرة في روايته القصيرة «الخوف» -التي كان «روسلليني» من أشهر من حولوها إلى السينما- نحو المنحى الأخلاقي الحافّ بفكرة الخيانة الزوجية في حدّ ذاتها، حيث تبدو حياة إيرينا «انغريد برغمان» مكتملة على نحو مثالي، ولا شيء يبرّر ما تفعله، لكنه جعل التوتّر النفسي الذي اندلع في أعماقها منذ لحظة لقائها المرأة الغريبة محور الرواية الأساسي، ليقول لنا بوضوح: إن الخوف من العقوبة أقسى من العقوبة ذاتها!

 

يعتقد الكثيرون من أبناء شعبنا «العظيم» واهمين أنه يمكن تفادي أي اصطدام مع السلطة، ويخترعون لذلك ذرائع شتّى تبدأ من «لا أفهم في السياسة»، وتصل إلى «اخطى راسي واضرب»، فيصنفون لتبرير الخوف قاموسا كاملا في الجُبن والخضوع والطاعة العمياء.
يستخدم الشخص هذه الذرائع ليقنع نفسه بأنه «مرتاح الضمير»، ثم تتحوّل شيئا فشيئا إلى أسلوب حياة عندما ينتقل من الإحساس بالرّضى عن النفس إلى الشماتة في الآخرين!
لقد عاقب «ألبرت فاغنر» المحامي الناجح زوجته الخائنة «إيرينا» بالخوف وحده، عندما جعل من ثالوث التأنيب والتوتر والرعب عقوبة نفسية قاسية، ولو تأملت واقعنا اليوم لرأيت أن الأمور تدار بالطريقة ذاتها وبكفاءة عالية، فالسلطة تعاقب الجميع بالخوف…!
وكما تدرك إيرينا أن خوفها ليس إلا انعكاسا لذنبها الداخلي، يدرك شعبنا أنه من السهل تحويل أي مواطن في أي لحظة إلى مشروع «سجين»، يكفي أن تنتقد خيارات السلطة، كي تعاقبك على حبّة مشمش أخذتها من حقل الجيران عندما كنت صغيرا، من هنا جاءت القاعدة القانونية الجديدة: «كان ما عمل شيء تو يروح» والتي تعتبر كل مواطن متهما إلى أن تثبت براءته، غالبا بعد فوات الأوان!
إنه لمن الصعوبة بمكان أن تتقبّل نبأ الحكم بالسجن على الدكتور لطفي المرايحي إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة -لو حصلت-، لكن الأصعب من ذلك أن تتفهّم حالة الشلل الدماغي التي أصابت شعبا لا يدرك أن حريته أصبحت أرخص من ورقة يانصيب، وأنه حين يسجن غدا في حبة مشمش لن ينتبه إليه أحد!
نحن خائفون، رغم أن علاقتنا بالسلطة ليست مثل علاقة إيرينا فاغنر بزوجها، فالعقد الاجتماعي الذي أبرمناه معها بالانتخابات لا يشبه في شيء عقد النكاح، والمشاركة في الشأن العام ليست خيانة.
https://www.upr.tn/single-team.php?id_team=17
استسلمنا للخوف، ولما تفعله بنا السلطة، نحن شعب يحكمه الخوف والطمع، ولذلك نتوزع بين الصمت والتملق، بين التظاهر باللامبالاة وافتعال الأمل، بين التطبيع مع البؤس والاعتقاد في أن التغيير ينبغي أن يأتي من فوق! أية مفارقة هي عندما نعاين أن العقيدتين اللتين بنى عليهما التونسي تصوره لفكرة «الثورة» اضمحلتا بشكل يبدو لا رجعة فيه: «ضد الظلم والطغيان من بنزرت لبن قردان»، و«لا خوف بعد اليوم»!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى