مركب بلا ربّان


مثلما كان متوقعا زار رئيس الجمهورية المناطق المنكوبة بسبب الفيضانات، وتفقّد أحوال الرعية وشاطرهم أحزانهم وواساهم. كان ذلك متوقّعا جدا، فهناك كارثة، وهناك خسائرُ مادية وضحايا، هناك إشاعات وصور مفبركة بالذكاء الصناعي، وأمواج تعلو وتنخفض بشكل لم يُـرَ له مثيلٌ في المتوسّط من قبل، هناك سيول جارفة، ودروس مُعلّقة، وهناك «عبد الرزاق الرحال» الذي أخذ مكان «السبوعي» في التلفزيون ليشرح الفرق بين «المناخ» بضمّ الميم وبفتحها. لم يكن ينقص هذا المشهد «الكافكاوي» إلاّ زيارة غير معلنة للسيد الرئيس!
لقد ارتبطت جل زيارات الرئيس الميدانية وغير المعلنة بمختلف مظاهر الخراب والتخريب يتعقبها أينما كانت ليريها لنا دليلا على ما فعلوه بنا (هم ومن غيرهم؟!)، ثم تظل بعد مغادرته المكان على حالها. حتى حفلات التدشين القليلة جرت خفية عن العيون وتحت جنح الظلام، والسيول الجارفة الآن تعري كثيرا من مظاهر الخراب وسوء التخطيط واهتراء البنية الأساسية وتدهور المرافق العمومية، وتقدم لكل معارض البراهين الدالة على عجز السلطة وسوء إدارتها للدولة من ثم كان ضروريا أن يقترن التحرك الرئاسي بقرارات عاجلة وفورية من أي نوع!
لكن الرئيس زار المناطق المتضررة وقدّم واجب العزاء لعائلات الضحايا، ولم يصدر حتى الساعة ما يفيد بأن السلطة التنفيذية اتخذت بأمر منه قرارا ما، وهو ما يحدث لأول مرة في بلادنا، فالقرارات العاجلة والاستثنائية تبثّ الطمأنينة بين الناس وتشدّ أزر المنكوبين منهم، وتقول لهم إن الدولة معهم، لكن «صمت القصور» هذا لم تبدده إلا امرأة من عامة الشعب الصالح يبدو أنها لا تتمنى شيئا في الحياة غير رؤية وجه الرئيس عن قرب، ففرطت منها زغرودة لم تكن مناسبة للمقام!
صمت الرئيس يقول كل شيء فقد يكون دليلا لا يقبل الشك على حالة العجز التي أضحت تتخبط فيها السلطة وهي تواجه مشكلاتها الهيكلية والاجتماعية والاقتصادية والكوارث الطبيعية الطارئة. فهي لم تكن قادرة إلا على مواجهة المشكل السياسي الذي سببته لها التعددية والاختلاف وحرية التعبير، فهشمت مرآة الديمقراطية، وزجت بالمعارضين والإعلاميين في السجون، وجعلت مجرّد التفكير في التداول السلمي على السلطة جريمة يعاقب عليها القانون. أما ما خالف ذلك فأمره موكول لحروف التسويف التي صار الزمن الرئاسي بواسطتها مطاطيا يتزحلق ببطء السلحفاة ولزوجة الحلزون، بينما العالم من حولنا كتلة من لهب والزمن يسير بأقصى سرعة إلى آفاق لا يتوقعها أحد!
قبل هطول الأمطار الغزيرة على سواحل البلاد، كان لرئيس الجمهورية لقاء مع رئيسة الحكومة وهي أقدم أعضائها إذ قضت قرابة الاربع سنوات في وزارة التجهيز المسؤولة على الجانب الأكبر من البنى التحتية التي عرتها الأمطار الاخيرة. في هذا اللقاء تذمر الرئيس كما يتذمر أي معارض وشكا كما يشكو أي مواطن، وقال إن المرافق العمومية ( التي يشرف عليها هو بوصفه الرئيس) لا تعمل كما يجب! وأكد أن الدولة بصدد تعبيد الطريق أمام الشباب ليتسلّم المشعل؟
لا يدري أحد متى ينتهي وضع الاسفلت على هذا الطريق الخيالي، وكم سيستغرق من عهدة رئاسية؟! وإلى متى سيظل رئيس الجمهورية كما لو كان مواطنا عاديا اعترضته الكاميرا في شارع الحبيب بورقيبة وسألته عن رأيه في أحوال البلاد؟! فيتذمر بينما هو يحتكر لنفسه صلاحيات لم يتمتع بها أحد من الرؤساء قبله، وبموجبها ينبغي أن تأتي الحلول من عنده ولا يطلبها من صغار الموظفين في الإدارة العمومية، إن الصورة الآن صارت أوضح من أي وقت مضى، ففي الوقت الذي يبدو فيه الرئيس مهيمنا على كل مفاصل الدولة تبدو الدولة فعليا كما لو كانت مركبا تتقاذفه الأمواج وهو بلا ربان!




