نشرت القاضية والوزيرة السابقة حسناء بن سليمان تدوينة مغبرة في ذكرى وفاة مية الجريبي الامينة العامة السابقة للحزب الجمهوري، نعيد نشرها تعميما للفائدة، نظرا الى مصداقية الكاتبة ونزاهتها في زمن عزت فيه”الرجولة” ولرمزية الفقيدة التي ترك رحيلها فراغا كبيرا في المشهد السياسي
في 20
14 كانت بن عروس هي الدائرة التي أصوّت فيها. في تلك الفترة غلب على أجواء الاستعداد للانتخابات منطق الحسابات والتحاليل الفنية والإحصائيات “الرياضية” وبرز بعد تأسيس حزب نداء تونس مشروع “الفوت اوتيل” vote utile (بالعبارة الفرنسية فقط يمكن الوقوف على معناه العميق).
رغم كل انتقادات المشهد حينها ورغم ما لحقني من ضرر ممن كانوا يمسكون بزمام الامور ورغم استنشاقي لدخان تفريق المتجمهرين ذات فيفري 2013 حين كان “المنجي” يعتقد من على صندوق نقل جثمان “الرفيق” أن كل لوعة على مصابنا هي قنبلة يمكنه مسكها وتفجيرها متى أراد وضد من أراد…رغم كل ذلك كنت أرى مشروع “الفوت اوتيل” اجوفا وخطيرا لأن الحزب المقرر فوزه لم يتكوّن إلا بامتصاص روح أغلب الأحزاب التي مثلت فترة طويلة من تاريخ التجربة الحزبية في تونس ما قبل 2011….
لم أكن ولن أكون ممن يؤمن بمن يبني ذاته ومشروعه على امتصاص أرواح الآخرين…
كان منطق 2014 وما صحبه من تحاليل منمّقة وإنتاج “إعلامي” منسق وموجّه يذكرني ببلاتوات تحاليل كرة القدم التي ساهمت حسب رأيي في تدهور المستوى الرياضي بشكل عام لما أنتجته من تناقض صارخ بين غلاف موغل في “البهرج” و”الاحتراف” وحقيقة ميدانية يكتنفها الارتجال والابتعاد عن “القيم” الرياضية وفي أحيان كثيرة العنف.
لم يعجبني مشروع “الفوت أتيل” لأنه بني على “التخويف” والسعي “للتجمع” ضد “الخطر الداهم”
أنا ممن يعون المخاطر جيدا ولا أنكر منها شيئا ولكنني لم أقتنع يوما بأنه يمكن أن يسير في الديمقراطية إلى النهاية من يعتبر المواطنين على المستوى الفردي فريسة سهلة لا تقدر على الصمود وغير قابلة للوعي ومن يسعى لإقناع الناخب لا بفكرة ولا بأمل بناء وإنما بحاجته إلى الحماية والرعاية الأبوية أو الإلاهية أحيانا. هو مشروع لا يسعى إلى توفير الظروف ليتشكل الوعي الذاتي والقرار الحر للمواطنين وإنما يعمل على تأبيد وضعهم وامتلاك قرارهم والتحكم فيهم.
حين كنت أرى “الفوت أوتيل” سلبا لمنطق “الخيار الانتخابي” والتعددية ومدخلا لقطيعة بين الأحزاب وقاعدتها الفعلية، كان العديد من “المتضلعين” في شؤون الحسابات الانتخابية يقتبسون التجارب من دول أخرى متناسين أن بيننا وبينهم مرحلة أساسية لم نصل إليها بعد وهي ترسيخ إيمان المواطن بحريته السياسية وقراره الذاتي وهي مرحلة لن تتحقق إلا متى مارس فعليا تلك الحرية حتى وإن أخطأ في اختياره.
في تلك الانتخابات كان لي من الأصدقاء من يحثني على اختيار مرشح نداء تونس. كان المرشح ممن أحترمهم ولكنني لم أصوت له رفضا للانقياد مع توجه كنت أرفضه.
قيل لي “هي لن تفوز”.
“وليكن. أنا أصوّت حسب قناعتي على أمل أن يفوز من اخترت ولا أصوت ليقين فوز من لم أختره. يهمني الخيار لأنه حقي ولا يقف خياري على توقع النتيجة. أنا أقبل قواعد اللعبة ولا أعتبر عدم فوز مرشحي في الانتخابات خسارة لي أو له. الخسارة الحقيقية هي ألا يساند الناخب المترشح الذي أقنعه طرحه وأن لا تترجم الانتخابات حقيقة الوزن السياسي”
الكثير من الأمور جدت بعدها…
ثم كنت في مجلس الهيئة الانتخابية في 2019 أدافع عن مشروع “حق الناخب في الخيار” كنت أرى أننا مررنا بvote sanction وبvote utile من الضروري أن نعمل على vote libre et responsable
وعشت من الداخل انتخابات فقد فيها الأغلبية كل بوصلة وكثيرا من القيم. كان مشهدا قائما على الحروب العلنية والخفية والتشويه ونشر الكراهية وظهرت فيه بصفة مميزة فكرة “استرجاع الوطنية” القائمة على “التخلص من هاضوكة”…في ..انقلاب…واضح على مقومات الانتقال الديمقراطي…
وفي الأخير… نجحنا نجاحا باهرا في هذا “الفشل” وكما قال الباجي الله يرحمو “في السياسة العبرة بالنتائج”
ثم يخرج علينا من كان معولا في هذا واهتز رقصا على أنغام -الفرصة- حين تجندت مدرعات “التصحيح”…..ليتحفنا بتحليله السمج عن سبب الانتكاسة الديمقراطية ويخبرنا أن ذلك مرتبط حتما وفقا لرواية ربع الساعة الأخير…..بأننا لم نحسن التعامل مع فيروس نقله الهواء الذي يغلف كوكب الأرض من بلد شروق الشمس إلى ربوعنا ولم نوفّر قارورة الأكسيجين الوهمية لتلك المرأة المريضة المسكينة التي لم تولد ابدا….والحقيقة أنه تم عقابنا لعدم الانضباط ل”خيار الكراهية المقدسة”…
أقرأ التالي
2026-01-21
مركب بلا ربّان
2026-03-03
قضية مكتب الضبط: هل ينجح العميد في اقناع عبير موسي بالتخلي عن خيار المقاطعة؟
2026-01-15
الولايات المتحدة الأمريكية وإيران
2026-01-22
في هرم الدّولة والسّلطان، وشيخوخة النّظام قبل الأوان
2026-01-24
السواحل التونسية على كفّ عفريت
زر الذهاب إلى الأعلى