السواحل التونسية على كفّ عفريت
في زمن الأعاصير المتوسطية

شهد حوض البحر الأبيض المتوسط حالة جوية استثنائية وعنيفة أُطلق عليها اسم «إعصار هاري» (Storm Harry) أو العاصفة هاري وقد أعاد هذا الإعصار بخصائصه المدارية النقاش حول ظاهرة «أعاصير المتوسط».
خصائص إعصار هاري

صنف «هاري» من قبل خبراء الأرصاد ضمن الأنظمة الجوية العنيفة، واعتبره البعض مثل «ميديكين» « Medicane» محتمل أي «إعصار متوسطي شبيه بالاستوائي» في ذروة قوته.
تشكلت العاصفة نتيجة التقاء كتلة هوائية باردة جداً في طبقات الجو العليا قادمة من أوروبا، مع مياه البحر الأبيض المتوسط التي كانت درجات حرارتها أعلى من المعدل بسبب ارتفاع الحرارة في صيف 2025 وقد ولد هذا الفارق الحراري الهائل طاقة كبيرة تمثلت في عدة ظواهر
فقد سجلت العاصفة هبّات رياح تجاوزت سرعتها 100-120 كم في الساعة في بعض المناطق البحرية والسواحل المكشوفة خاصة جنوب إيطاليا، صقلية، وسردينيا، مما تسبب في توقف حركة الملاحة البحرية وإلغاء رحلات العبارات وكذلك بنسبة أقل في الشواطئ التونسية قليبية، نابل، سوسة، المنستير.
كما تسببت الرياح الدوارة حول مركز العاصفة في هيجان شديد للبحر، حيث وصل ارتفاع الأمواج إلى ما يقارب 8 إلى 10 أمتار في بعض سواحل صقلية وتونس، مما أدى إلى أضرار في البنية التحتية الساحلية وأدى إلى تآكل الشواطئ.
وكانت الخاصية الأكثر عنفا في إعصار «هاري» كميات الأمطار الهائلة. فقد هطلت في بعض المناطق (مثل كالابريا وصقلية)، كميات تعادل أمطار عدة أشهر في غضون 48 إلى 72 ساعة فقط، وتجاوزت 300ملم في بعض النقاط مما أدى إلى فيضانات مفاجئة وسيول جارفة.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية في ذروة العاصفة تكدساً كثيفاً للسحب حول مركز ضغط جوي منخفض جداً، مع محاولات لتشكل “عينا” للإعصار في بعض الفترات، وهي السمة المميزة للأعاصير المدارية ما يعيد طرح السؤال عما إذا كان البحر الأبيض المتوسط قد أصبح مجالا للأعاصير المدرة على غرار ما نراه في المناطق المدارية لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية وما إذا كانت السواحل التونسية عرضة لكوارث طبيعية محتملة
أعاصير المتوسط من دانيال إلى هاري

على الرغم من أن الأعاصير بمفهومها الاستوائي الضخم كما في المحيط الأطلسي نادرة متوسطيا، إلا أن البحر الأبيض المتوسط يشهد ظاهرة تُعرف علمياً باسم “الميديكين” (Medicane)، وهي دمج لكلمتي Mediterranean وHurricane.
هذه العواصف تملك خصائص هجينة بين الأعاصير الاستوائية والمنخفضات القطبية، وقد تكررت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، ومن أشهرها «إعصار دانيال» الذي ضر ب السواحل الليبية واليونانية العام 2023 والذي يُعتبر الأسوأ والأكثر دموية في التاريخ الحديث. فقد ضرب اليونان أولاً ثم تحرك بقوة هائلة نحو السواحل الليبية، متسبباً في كارثة درنة الشهيرة نتيجة انهيار السدود والفيضانات العارمة.
قبل ذلك وتحديدا في 2020 ضرب إعصار «يانوس» الجزر اليونانية ووصل إلى قوة إعصار من الفئة الأولى برياح تجاوزت 120 كم في الساعة وأمطار غزيرة، وفي سنة 2017 ضرب اليونان أيضا إعصار «نوما» الذي عُرف أيضاً باسم «زينون»، وفي 2014 ضرب إعصار «قندريسا» جزيرة مالطا بشكل مباشر وقوي مسجلا ضغطا جويا منخفضا جدا ورياحا مدمرة.
لماذا تتكرر هذه الأعاصير؟
يربط علماء المناخ تزايد وتيرة هذه الأعاصير وعنفها بالاحتباس الحراري العالمي، فارتفاع حرارة سطح مياه البحر المتوسط يجعله خزان طاقة ضخم، يمد العواصف بالرطوبة والحرارة اللازمة لتحويل منخفض عادي إلى “وحش جوي” ذي خصائص تدميرية، وهو ما يفسر الكميات القياسية للأمطار التي رافقت إعصار هاري.

