لا أحد انتبه للمعجزة في بكفيّا، مَن بعدُ يهمّه!
قراءة سيميائة بقلم نصر الدين اللواتي


كل شيئ كان سيجعلُ منه عزاءً عاديّا، المعزون في طابور لا ينتهي وهمهمات لا تنتهي، الترانيم تحلّق في سماء بكفيّا، وفيروز ساكنةٌ في جلستها برأس مطأطئٍ وصمتٍ مربكٍ، وحولها رنين غامض للأسى.. قادمٌ من الأزل وذاهبٌ إلى الأبد. في نفس هذه الكنيسة قبل سنوات بعيدة، ترنمت فيروز في الجمعة العظيمة، “أنا الأم الحزينة ولا من يعزّيها ..فليكن موت ابنك حياة لطالبيها..” اليوم في كنيسة بكفيّا لا أحد انتبهَ للمشهد الذي كان يتشكّل، لوحة يسوع معلقًا على الصليب،، وأمامها فيروز في صمتها كأنها معلَّقةٌ هي أيضاً على أسى غامضٍ عظيمٍ، كأن فيروز ليست فيروز، وكأن المعزين ليسوا سوى ظلال تائهةٍ وكأنّ لا أحد انتبه للمعجزة. كيف نسي الجميعُ فجأةً وهم بين جدران الكنيسةَ جوهر الفداء الأعظم كما تجسّد وتشكل وبلغ ذروته على الصليب ..

كيف لم ينتبه أحدٌ أن الأب الذي افتدانا بإبنه معلّقاً على الصليب، ربما كان يعيدُ الفداء ؟ لماذا يبدو وكأنهم لم ينتبهوا بأن الإلاه تجسّدَ مجدّداً حتّى يكون شاهداً على الإنسانية ويحمل عنها هذه المرة الأسى العظيم، والحزن العظيم والفقدان العظيم. لماذا لم يرَ أحدٌ في صورة الأم الملتفّة بسواد الصمت الحالك، ماهو أعظم من الأمّ التي تودع ابنها..
لم يروا أن فيروز كانت التجسّدَ على صليب الفقدان. بذلك الوجه الساكن المطأطأ الذي يشبه وجه يسوع، وبذلك الصمت المدوي تجسّدَ الإلاه على صليب هو خلاصةُ كل الحزن الإنساني المترقرق في قاع نفوسنا.. ثمّ ماذا حدث ؟ استحالت فيروز هي ذاتُها ترنيمتَها “الأم الحزينة“، لقد صارت فيروزُ هي كل كلام الترنيمة ولحنها وموسيقاها فكانت تلك قيامتُها بعد الصلب. لم ينتبه أحد إلى المعجزة، وإلى أنّ فيروز هي ذلك الرنين الغامض الساحر، القادم من الأزل والذاهب إلى الأبد..



