واقع الإعلام زمن الفاروقية الجديدة

 الفاروقية التي بُنيت على استئراخRétro-historisation الزمنية السياسية لثاني الخلفاء الرّاشدين ليتم الاحتكام إليهافي إعادة التأسيس على غير مقومات العقد الاجتماعي الأكثر تأصيلا للاجتماع السياسي، تعني أنّها لا يمكن أن تُبنى على المواطنة بل تبنى على التسليم الإيماني القاطع، لأنّها بهذا المعنى عقيدة لَـدُنـيّة وليست نظام حياة من صياغة البشر العاديين في نطاق العمران البشري والاجتماع الإنساني الطبيعيين والتاريخيين. ولأنّها أيضا إذا تحكّمت في تنميط الدّولة جعلتها دولة من النّمط الأوّلي، والدّولة الأوليّة هي دولة ما قبل العقد الاجتماعي الذي هو حصيلة المشاركة المواطنيّة والإرادة الشعبية العامّة. وعلى هذا الأساس فإنّ الفاروقيّة الجديدةلا تحتاج إلى مجتمع المواطنين بل تحتاج إلى مجتمع المؤمنين، لأنّها منبثقةعنرسالة خلاصيّة تحتاج من يعتنقها ويؤمن بها إيمانا مطلقا وتعادي من لا يسلّم بها تسليما. ولأنّها بهذه السّمات والخصال فإنّها لا تقبل بأيّ نوع من الوسائط وتنتفي معها كلّ الرّوابط الحدوديّة التي تفصل بين الفاروق وأتباعه، وفي مقدّمتها الميديا لأنّها المنظومة الإيلافيّة لكلّ الوسائط.

قيس سعيد والاعلام المحلي؟ 

لقد ترجم قيس سعيّد بشكل عملي وضعيّة الإعلام زمن الجمهوريّة الجديدة، فهو لم يُـجــر حوارا واحدا مع أيّة وسيلة إعلام تونسيّة منذ تمام المائة يوم الأولى من صعوده إلى سدّة الحكم، رغم أنّه قام بذلك مع قنوات أجنبيّة. وهذه بلا شكّ مسألة حمّالة تأويلات شتّى، من ضمنها ما يوحي بعدم ثقته في الإعلام والحال أنّه لم يعرفه التّونسيّون، ولا جمهوره من النّاخبين بخصاله النّضاليّة زمن الاستبداد، ولا بنشاطه السّياسي في الفضاء العام، ولا بكتاباته الفكريّة والبحثيّة في الاجتماع والسّياسة والاقتصاد… بل عرفوه من خلال حضوره في المنابر الإعلاميّة، تلك المنابر التي قدمته في الصّورة التي قبله بها التّونسيّون رئيسا قبل الانتخابات.

من الاتصال السياسي الى الدعاية والتوجيه 

وليس هذا أسوأ من بين احتمالات التّأويل الممكنة، فالأسوأ أنّ أستاذ القانون رئيس الجمهوريّة، في هذا المنحى من التّأويل، لا يعتبر أنّ الإعلام عنصرا فاعلا في بناء الدّيمقراطيّة الحقيقيّة، ولا تصحيح مسار الثّورة، ولا في إرجاع السيادة إلى الشعب، وهي الأهداف الثلاثة التي أصّل عليها انقلاب المرطم الدّستوري وذكرها في خطاب الإعلان عن التّدابير الاستثنائيّة مساء يوم 25 جويلية 2021، وبإمكاننا اعتبار أنّ هذه الأهداف الثلاثة المعلنة بمثابة شعارات الجمهوريّة الجديدة ونظام الاستثناء. لذلك بإمكاننا اختبارهاعلى واقع الإعلام في هذا السّياق لندرك أنّ إعلام نظام الاستثناء انتقل بنا من إمكان الاتصال السياسي إلى إكراه الدّعاية والتّوجيه.

لقد كان استدعاء المديرة العامة للتلفزة يوم 4 أوت 2023 وتنبيهها إلى ضرورة الانخراط الصريح في الدّفاع عن المسار الذي سطّره بمثابة الإعلان عن تحويل الإعلام العمومي بشكل رسمي ومعلن ليكون آلة دعائيّة للفاروقية الجديدة.

ومع ذلك يمكننا أن نختبر إعلام الجمهورية الجديدة (نقصد به الإعلام الملائم لنظام الاستثناء والذي يعمل قيس سعيّد على إرسائه) على مثلث الدّعاية والتوجيه والاتّصال السياسي.

ففي الدّيمقراطيّة، تعدّ كلّ من الدّعاية والاتّصال السياسي والتّوجيه مفاهيم تخدم حركة الخطاب السياسي – باستعمال الميديا الجماهيريّة – بهدف الإقناع وفرض المعنى الذي يراد إيصاله إلى الجماهير.

غير أنّ هذه المصطلحات تمثّل خصوصيّة في ذاتها، فاستعمالها في الأدبيّات العلميّة غير متطابق وغير متجانس تماما مع ما نلاحظه على مستوى الواقع في استخدامها من قبل السياسيّين أو الصّحفيين أو الإعلاميّين عموما. وعليه فإنّ الخصومة الحادّة بين فئتي “الدّعاية” و”الاتّصال السّياسي” أصبحت علنيّة بشكل خاص منذ عشريّة الثمانينات من القرن الماضي.

هذه العشريّة التي تميّزت ببناء الاتّصال كنمط مهيمن في المجال السّياسي وما وراءه.

وقد تشكّلت هذه الخصومة بين الدّعاية والاتّصال حول معنى توجيه الرّأي العام، يعني القدرة على التّأثير وتغيير أفكار المواطنين أو سلوكهم دون أن يكون لديهم وعي بذلك، وذلك بمخاطبة وجدانهم وشعورهم وانفعالاتهم بدل مخاطبة عقولهم، إضافة إلى استعمال الأكاذيب والتّضليل الإعلامي. بمعنى آخر فإنّ مرجعيّة التّوجيه، بمعناه الاستنقاصي منذ ابتداع موضوع السياسة خلال القرن الثامن عشر، يقود إلى التصنيف السّيء للممارسة السياسيّة والخطاب السياسي.

لقد ظهر أوّل تعريف قانوني لحرّية الاتّصال مع الثّورة الفرنسيّة وذلك في الفصل 11 من الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن (26 أوت 1789) الذي يمثّل أهمّ مبادئ الثّورة الفرنسيّة: “إنّ حريّة الاتّصال هي الحقّ بالنّسبة إلى كلّ فرد في الاستعمال الحرّ للوسائط حسب اختياره من أجل التّعبير عن أفكاره وإيصالها إلى الآخرين أو من أجل الوصول إلى التّعبير الفكري للآخرين، مهما كانت صفتهم، وفي الحالتين فإنّها شكل ذلك التّعبير وغايته”.

يحيلنا هذا التّعريف على جملة الخصائص التي تميّز حرّية الاتّصال في علاقة بحرّيّة التّعبير وحرّية الصّحافة وحرّية الإعلام ويكون تفصيلها على النّحو التّالي:

  • هي جزء من حرّية الفكر إذا ما اعتبرنا أنّ هذه الأخيرة هي كلّيّة تساهم في إظهار الفكر وتشكيله في صورة رأي واستدلال بنمط من العقيدة. وحرّية الاتّصال تمثّل جزءا منه، شأنها شأن حرّية التّديّن وحرّية التّعلّم وحرّية التّعبير والممارسة الجماعيّة، وحرّية الاجتماع والتّجمّع والتّظاهر، وحتّى ممارسة الاعتراض العمومي. فحرّية الاتّصال إذن تكوّن هذا الجزء من حرّية التّعبير حيث الأداء يعتمد على استعمال تقنية البث والاتّصال واستخدام المجالات التّقنيّة التي نسمّيها اليوم وسائط.
  • هي أكثر من حرّية الصّحافة لوحدها، لأنّها لا تجد مقياسها ودلالتها إلاّ حين تضمّ مجموع تلك الحرّيات الجزئيّة المنتسبة إلى استعمال إحدى الوسائط. كما أنّ حرّية الاتّصال لا تكتمل إلاّ بضمان الحق في اختيار الشّكل والمضمون الاتّصاليّين، وكذلك حرّية استعمال أيّ نمط من الوسائط أو كلّها. كما أنّ حريّة الاتّصال تشترط القدرة على جعل التّعبير عن ذلك الفكر قادرا على الوصول للآخرين دون رقابة. هكذا فإنّ حرّية الاتّصال تأخذ في الاعتبار تعدّد اللّغات وأشكال التّعبير (مثل الخطابة، والكتابة، والإذاعة، والصّورة، والمنشورات، والرّواية، والمعلّقة الحائطيّة، والتّوثيق، والصّور المتحرّكة…) إضافة إلى أنّ حرّية الاتّصال تراعي تعدّد الوسائط منذ الوسائط الورقيّة (الصّحف التي ظهرت منذ القرن السّابع عشر) حتّى الوسائط الرّقميّة (إنترنيت القرن الحادي والعشرين) مرورا بإذاعة القرن العشرين وتلفزيونه.
  • هي مختلفة عن حرّية الإعلام من منطلق أنّها مبدأ عام يطبّق على استعمال كلّ أنواع الوسائط بقطع النّظر عن الغايات الموكول إليها تحقيقها، سواء كانت غايات سياسيّة أو علميّة أو اقتصاديّة أو ثقافيّة. وباسم حرّية التّعبير التي تمثّل إحدى تكوينات حرّية الاتّصال وفروعها/ وأشكالها، لا يمكن أن نعتبر حرّية الإعلام مسألة خاصّة أو مجالا استثنائيّا يرفض أن تتحدّد مهمّته قانونيّا. بهذا المعنى فإنّ حرّية الاتّصال تحكم على حرّية الإعلام بأن تضمن أبعاد المواطنة من خلال القانون الخاصّ المنظّم لكلّ من الصّحافة والإعلام السّمعي البصري والمنظومات الأخرى المرافدة (من الرّوافد) المتخصّصة في إعلام المواطنين. هكذا فإنّ حرّية الاتّصال لا تحتفظ بأيّة معالجة خاصّة لكلّ من هذه الوسائط أو لكلّ من هذه الرّسائل.

لذلك أصبحت حرّية الاتّصال والإعلام السمعي البصري مرتبطة بمدى الالتزام بالقوانين التي تحمي تلك الحرية من ناحية، وتحمي الجمهور من إمكانية تجاوز سلطة تلك الحرية من قبل وسائل الاعلام، اذ لم يعد بالإمكانالحديث عن حرية الإعلام دون وجود قوانين. فالقوانين ليست عائقا أمام تطور وسائل الاعلام بل على العكس من ذلك، فهي ضمانة لها.

مولدي قسومي

 في تعريف تأليفي مستخلص من عديد المرجعيّات للاتّصال السياسي نعتبر أنّه الفضاء الذي يتمّ فيه تبادل الخطاب بين الفاعلين الثلاثة الذين يملكون شرعيّة التعبير بشكل علني وأمام العموم حول السّياسي، وهم السّياسيّون، والصّحفيون، والرّأي العام عن طريق عمليّات السّبر والاستطلاع.

ويمكن أن نستنطق هدفين من هذا التّعريف:

يتمثّل الهدف الأوّل في إعادة الاعتبار للجانب الخطابي والرّمزي للسياسة، أي إعادة تأهيل مجموعة من الممارسات التي عانت من تشابهها مع الدّعاية والتباسها بها في إطار أنظمة سياسيّة شموليّة.

ويتمثّل الهدف الثّاني في تبديه (وضع الشيء موضع البداهة) فكرة أنّ الاتّصال السّياسي هو الاشتغال السّليم للفضاء العمومي الواسع،

ويهدف إلى توسيع مجالات الدّيمقراطيّة. وهنا يبدو الاتّصال السياسي وكأنّما هو البناء النّظري المثالي للدّيمقراطيّة،

بالنّظر إلى أنّ إمكانيّة المواجهة بين هذه الخطابات الثلاثة هي دليل الاعتراف بالآخر. هذا التّعريف الحواري الذي يكاد يكون تعريفا تداوليا للاتّصال السياسي يقصي نهائيّا منطقي التّوجيه والدّعاية، لأنّه يفرض على المتلقّي أن يأخذ بعين الاعتبار بقيّة الفاعلين الدّيمقراطيين الشرعيّين.

نتوقّف برهة من التّفكير الاختباري للبحث عن مدى مطابقة هذا التصوّر للاتّصال السياسي للسياسة الاتّصاليّة التي يتّبعها قيس سعيّد. ومنذ البداية يتبيّن أنّه خارج زمن الاتّصال السياسي تماما وأنّه لا يمكن أن يتوافق مع أهمّ شروطه المضمونيّة والإجرائيّة بدءا بانعدام ثلاثة شروط مبيّنة سابقا:

  • أوّلا، كون الاتّصال السياسي هو شرط أساسي لاشتغال الفضاء العمومي. وهذا الأمر محسوم سلبيا وبشكل مطلق بالنّسبة إلى سيستام نظام الاستثناء بكلّ مكوّناته ومخرجاته.
  • ثانيا، كون الاتّصال السياسي هو فضاء تبادل الخطاب بين الفاعلين الشركاء الذين يملكون شرعيّة التّعبير بشكل علني وأمام العموم حول الشّأن السّياسي. وهو أمر لم يدركه التّونسيّون في رئيسهم منذ أن منحوه شرعيّة الحكم.
  • ثالثا، كون الاتّصال السياسي يُبنى على مبدأ الأخذ بعين الاعتبار مساهمة بقيّة الفاعلين الدّيمقراطيين الشرعيّين، حتّى وإن لم يكونوا في السّلطة، وبذلك يكون دليلا على الاعتراف بالآخر من قبل الفاعلين السياسيين الأكثر شرعيّة. فالمنظومة الدّيمقراطيّة لا تنزع الشرعيّة على أي فاعل سياسي لم تمكّنه آلياتها في التّـفويض الشعبي من الحكم، وإن لم تمنحه شرعيّة الحكم فهي لا تنزعها عنه في نطاق العمل السياسي والمشاركة في الشّأن العام، بل إنّ شرعيّة الفاعل السّياسي الذي يصل إلى السّلطة لا تكتمل إلاّ بوجود فاعلين سياسيين منافسين له في ذلك بشكل شرعي.

إنّ الحصيلة الاستخلاصيّة للصّورة الاتّصاليّة المفروضة من قبل قيس سعيّد بمضمونها الإملائي تعكس أنّه يعتبر نفسه الفاعل السياسي الشرعي الوحيد، بينما الآخرون في نظره غير شرعيين. وهو بمقتضى احتكاره لمبدأ الشرعيّة يصبح منخرطا في منطق الدّعاية والتّوجيه حتّى وإن كان يمارسهما في عصر الاتّصال السياسي، هذا فضلا عن كونه لا يتحاور ولا يتواصل مع بقيّة الفاعلين السياسيين الآخرين، ممّا ينفي عليه منذ البداية الشرط الأساسي لتشكّل أولى مبادئ الاتّصال.

وهذا يثير مفارقة كبرى في علاقة بثنائيّة الزّمن السياسي، والمضمون الاتّصالي لصانع نظام الاستثناء. فالعلاقة بينهما مبنيّة على عدم التّوافق التام. إذ أنّ المضمون الاتّصالي أقرب إلى الزّمن السياسي للأنظمة الشموليّة أو نظام الحكم المطلق، في حين أنّ السّردية الكبرى التي بُني عليها كامل المسار هي “إرجاع السّيادة إلى الشّعب من أجل بناء الدّيمقراطيّة الحقيقّية”.

من أكثر الجُمل تكرارا في خطابات قيس سعيّد، وفي كلّ مناسبة يُسأل فيها من قبل الصحفيين عن ضمانات حريّة التعبير، وفي غيرها من المناسبات، هي قوله بأنّه يجب أن يكون هناك حريّة تفكير قبل أن نتحدّث عن حريّة التعبير. ومأثور القول هذا يفيد أنّه غير مسموح للتّعبير بمضمون نابع من تفكير غير حرّ. وهنا لا نجد المسألة عنده تخرج عن أحد أمرين:

إمّا أن يكون تفكيرا منسجما تماما مع توجّهات السّلطة بشكل صريح، فينال صكّ الحريّة.

وإمّا أن يكون تفكيرا حرّا بالمعنى العام للحريّة، وهنا نكون في وارد مخالفة توجّهات السّلطة وبالتالي غير منسجم معها، وعدم الانسجام هذا قد يحيل على التفكير غير الحر.

فالتّدخل في تحديد ما إذا كان التّعبير الحرّ هو وليد تفكير حر أو تفكير غير حرّ يتجاوز مجرّد تقييم المضمون المعبّر عنه ويدخل في نطاق تقييد المجالات والموضوعات المسموح بها في التّعبير، ثمّ توجيه مضامين التّعبير بما ينسجم مع أهواء صاحب سلطة التقييم والتقييد والتّوجيه.

اجتماع الرئيس مع مسؤولي مؤسسات الاعلام العمومي

ولذلك لا نجد الموالين من منادرة النّظام وأنصاره وأهل السمع والطّاعة والمدافعين عنه بكلّ الوسائل مشمولين بهذا التلازم الشرطي بين حريّة العبير وحريّة التّفكير. فالمشمولون بذلك هم فقط الإعلاميون والسياسيون والنشطاء وأصحاب الرّأي المعارضون لأنّهم يفكّرون خارج المنظومة الولائيّة وضدّ براديغم الطّاعة،

وفي اتّجاه معاكس لتيّار الإذعان، وهذا لوحده من أبرز ضمانات التّفكير الحر ودلائله. والمنطق السّليم يقضي بألاّ تكون حريّة التّفكير من المطاعن الممكنة أصالة. بل إنّ العكس هو الممكن والصّحيح أيضا، إذ إنّ من يتولى الدّفاع عن السّلطة هو المطعون في حريّته، وخصوصا إذا تعلق الأمر بتوظيف كلّ الإمكانيات والوسائل لتبرير كلّ ما يصدر عن السّلطة والدّفاع عنها مهما كثرت أخطاؤها وعظمت ذنوبها.

سيف المرسوم54 

على مستوى الواقع المباشر،ونظرا لما ترتّب عن المرسوم 54 من تعطيل إجرائي للمرسوم 115، ثمّ تعطيل وظيفي للهايكا (الهيئة العليا المستقلّة للاتّصال السّمعي البصري) المنبثقة عن المرسوم 116، وما نتج عن التّعطيلين من هيمنة على المنظومة الإعلاميّة، وخصوصا تطويع الإعلام العمومي لخدمة السّلطة، وإلغاء مبدإ التّعديل الذاتي، فإنّ إصدار هذا المرسوم يُعَدّ قطعا للحبل السرّي بين حرّية التفكير وحريّة التّعبير. 

المرسوم عدد 54 لسنة 2022، المؤرّخ في 13 سبتمبر 2022، الذي يتعلّق بمكافحة الجرائم المتّصلة بأنظمة المعلومات والاتّصال، هو مرسوم من مراسيم تطبيق نظام الحكم المعلن بمقتضى الأمر الرّئاسي عدد 117 المؤرّخ في 22 سبتمبر 2021. وهو يعبّر عن كوجيتو المشرّع من داخل السلطة التنفيذيّة وليس من داخل السلطة التشريعيّة، لأنّ السّلطة الأولى عادة ما تنزع إلى التّضييق والسّيطرة لأنّها تعبّر عن سلطة الحاكم على الشّعب، بينما تنزع السّلطة الثانية إلى التّوسيع لأنّها تعبّر عن سلطة الشّعب المضادّة لسلطة الحاكم. وليس من الضّروري أن تكون مثل هذه “الكواجيت” (جمع كوجيتو) التشريعيّة مرتبطة بحالات الاستثناء أو بغياب البرلمان، بل يمكن أن تكون حتّى من داخل البرلمان عندما يكون هو ذاته يعمل تحت وصاية أو هيمنة السلطة التنفيذيّة مثلما هو حال مجلس نوّاب الشعب المنبثق عن دستور قيس سعيّد، والدّليل على ذلك عدم قدرته على تعديل الفصل 24 من المرسوم 54، إذعانا لرغبة قيس سعيّد في الإبقاء عليه، وقد عبّر عن ذلك صراحة في اجتماعه مع وزيرة العدل عندما تطرّق إلى حادثة اقتحام دار المحامي يوم 11 ماي 2024 لاعتقال المحامية والإعلامية سنية الدّهماني. 

لماذا يمثّل المرسوم 54 خطرا على تنظيم حريّة الاتّصال السّمعي البصري؟ ولماذا يمكن أن نعتبره استهدافا قصديّا لأبرز الحريّات التي تحقّقت في إطار تطوّر الاجتماع السياسي؟ ولماذا يمكن اعتباره وسيلة للرّقابة وفرض سلوك الرّقابة الذّاتية بصورة استباقيّة؟

من أبرز أهداف المرسوم، عدد 54 لسنة 2022، غير المعلنة هو إلغاء السّلطات الاجتماعيّة والمدنيّة التّعديليّة أو المضادّة التّي تمارس في إطار دور الإعلام والجمعيّات والهيئات المدنيّة. وباعتبار أنّ الميديا القديمة والجديدة هي انعكاس لصورة الفضاء العام أو إطار إعادة إنتاجه الفوري، فإنّ التّحكم فيه يدخل في استراتيجيّة التحكّم في الفضاء العام أو تحويله إلى مجال معاضد للخطاب الرّسمي وتوجّهات السّلطة.   

لقد أطلقت حرّية الاتّصال والفكر والرّأي بفعل نوعين من التّطوّر: من ناحية أولى بدأ التّشكيك في الوسائط الكلاسيكيّة الكبرى (الصّحافة المكتوبة والإذاعة والتّلفزيون…) لأنّها كانت دوما تحت هيمنة الحكومات والطّبقات الحاكمة،

ومن ناحية ثانية بدأ الظّهور التّدريجي للوسائط الجديدة التي توفّر إمكانيّات جديدة وحظوظا أكثر للتّعبير والاتّصال الفكري.هذا التّطوّر المضاعف مكّن من تجاوز الاحتكار الذي تمارسه الحكومات ودعّم عمليّة التّفكير بشكل مخالف في حرّيّة التّعبير وحرّيّة الإعلام.

وبالتّالي فإنّ إمكانيّة إتاحة مثل هذه الحرّيات مشروطة بتجاوز المرحلة الاتّصاليّة التي هيمنت خلالها الدّولة على الوسائط، أي أنّها ارتبطت بظهور تقنيات اتّصاليّة عالية الأداء تسمح للفرد بأن يتمتّع بحرّية الاتّصال الفكري واتّصال الرّأي. لذلك فإنّ حرّيّة الرّأي والتّعبير والإعلام هي مسائل ارتبطت بالوسائط الجديدة المتاحة فرديّا وخاصّة المتعلّقة بحرّية إرسال الخطابات وحرّيّة استقبال الرّسائل. ولكن هل يمكن أن نسلّم بأنّ هذه الحرّية تضمن عدم المتابعة أو عدم المراقبة في ظلّ وجود المرسوم 54؟

إنّ المرسوم 54 هو حصيلة التّشريع من داخل منطق السلطة التنفيذيّة.وهنا يبدو أنّ الخلل يكمن في الحالة الفصاميّة التي يعاني منها كوجيتو المشرّع، إذ ينبغي أن نميّز بين نوعين من المشرّعين:

نوع يشرّع بذهنيّة زجريّة حتّى وإن كان يسنّ أكثر القوانين ضمانا للحريّة،

ونوع يشرّع بذهنيّة تحرريّة حتّى وإن كانت بعض فصول القانون أشدّها زجريّة.

الأوّل يمكن أن يحوّل أكثر القوانين مرونة إلى آليّات للرّقابة لتقوم مقام محاكم التفتيش، أو يختار أكثر أحكامها تشدّدا وزجريّة ليكيّف عليها الوقائع. والثّاني يعتبر أنّ أكثر القوانين رقابيّة يمكن تكييفها لكيلا تعطّل صحفيّا أو كاتبا أو باحثا عن إنجاز عمله بكلّ حريّة. 

لذلك فإنّ المشكل الحقيقي ليس في وجود فصول قانونيّة يمكن أن تصادر حرّية الصّحافة وما يتّصل بها من نشاطات الكتابة والطّباعة والنشر، بل في مدى إيمان أهل الصّحافة والطّباعة والنّشر، وأهل العلم والمعرفة بحريّة الفكر والإبداع. إذ يمنح المرسوم 115 على سبيل المثال إمكانيّة الاستعاضة عن التّقاضي بالجدل الفكري على معنى الأحكام الواردة في فصليه عدد 39 و40، وهما يضمنان التّصحيح وحقّ الرّد. وممّا يؤكّد أنّ الرّقابة ومصادرة الحريّة ليست مرتبطة بطبيعة القوانين فقط، بل هي مرتبطة بشكل جوهري بمدى قابليّة الفرد في إطار مجتمعه، والذّات البشريّة في إطار إنسانيّتها، والمواطن في إطار دولته، والفاعل الاجتماعي في إطار الحقل الذي ينتمي إليه، لأن يكون حرّا ويدافع عن الحريّة كمبدأ عام ومجرّد ومطلق.

من حيث المبدأ، تكفي المقارنة المختصرة بين عنواني المرسومين وأهدافهما لنقف على الفرق بين من يشرّع لتنظيم الحريّة ومن يشرّع لمكافحة الجرائم. فالمرسوم عدد 115 لسنة 2011 يتعلّق بتنظيم حريّة الإعلام والصّحافة والطّباعة والنشر، والمرسوم عدد 54 لسنة 2022، يتعلّق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال. ويبدو أنّ الجانب الأكثر إثارة في هذا المنحى يتّصل بالفرق بين من استخرج من مجال الإعلام والاتّصال مهمّة التشريع لتنظيم الحريّة ومن استخرج من نفس المجال مهمّة التشريع لمكافحة الجريمة. 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى