كمال الغريبي: رجل في المنطقة الرمادية
حين تتحوّل الصحة إلى أداة نفوذ في المتوسط
في الأسبوع الأخير، تقاطع حدثان لافتان على الساحة الإيطالية:
نشرت صحيفة il foglio، القريبة من أوساط صنع القرار في روما، ثلاثة مقالات متتالية تتناول الأزمة السياسية والاجتماعية التي تمرّ بها تونس، واقترحت فيها اسم رجل الأعمال التونسي-السويسري كمال الغريبي بديلاً محتملاً في مرحلة “ما بعد قيس سعيد ”.
أحدثت تلك المقالات ما وصفه البعض بـ”الزلزال السياسي” في تونس، فيما رأى آخرون أنها لا تعدو كونها زوبعة في فنجان، أو ربما نزوة صحفية من محرر أراد أن يفرض اسمه.
ثم جاء برنامج Report على قناة RAI 3، الذي بُثَّ مساء الأحد 10 ماي اي البارحة في Prime Time ، ليسلط الضوء على كمال الغريبي، ويضع المجموعة الصحية العملاقة “سان دوناتو” وشبكة علاقاتها تحت المجهر.
تزامنٌ لا يبدو عرضياً في عاصمة تُتقن فن قراءة الرسائل بين السطور .
هذه هي الانطباعات التي راودتني خلال متابعة هذه الأحداث.
الرجل الذي يُحسن اختيار الملفات
قدّم البرنامج كمال الغريبي على النحو الآتي: لا شيء في مسيرته يوحي بالصدفة. فمنذ انطلاقه من مدينة صفاقس التونسية نحو عالم النفط وتجارة الطاقة في التاسعة والعشرين من عمره، وهو يُتقن فن الوجود في المكان الصحيح، في اللحظة الصحيحة، أمام الأشخاص المناسبين.
اليوم، ومن مقرّه في لوغانو السويسرية، يجمع الغريبي في يد واحدة خيوطاً متعددة: نائب رئيس مجموعة “سان دوناتو” — أكبر مجموعة صحية خاصة في إيطاليا —، ورئيس شركة GKSD للاستثمارات، ومؤسس مجلس ECAM الذي يُقدّم نفسه منبراً للحوار بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. ثلاثة أدوار تبدو مستقلة في ظاهرها، غير أنها تتقاطع جميعاً عند نقطة واحدة: النفوذ.
صحة أم جيوسياسة؟
مجموعة “سان دوناتو” قصة نجاح تتكلّم أرقامها بنفسها. في أقل من أربع سنوات، قفزت إيراداتها من 1.88 مليار يورو عام 2022 إلى 2.7 مليار في 2025، فيما تضاعف مؤشر EBITDA ليتجاوز 380 مليون يورو. بيد أن ما يستوقف المراقبين ليس هذا النمو المالي وحده، بل خريطة التمدد الجغرافي:
، العراق
،
، المملكة العربية السعودية
ألبانيا
، ليبيا
، …
ليست هذه مجرد أسواق ناشئة واعدة. إنها بعينها المناطق التي ترتسم فيها أولويات السياسة الخارجية الإيطالية في مرحلة ما بعد “خطة ماتيّ.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل يتبع الغريبي الأعمال إلى حيث توجد الفرص، أم أن الأعمال تسبق الدبلوماسية وتُمهّد لها الطريق؟
في #ليبيا وحدها، وقّع عقداً ب 2 مليار يورو لتطوير المستشفيات وإنشاء محطة لتحويل النفايات إلى طاقة. وفي #العراق، انتزع من الحكومة المحلية حق إدارة مستشفيَين في النجف والبصرة، فيما يُشيَّد ثالث في بغداد. وفي #مصر، ستتولى المجموعة تشغيل مستشفى هيليوبوليس الجديد في القاهرة. ثلاث دول، وثلاثة ملفات حارقة على طاولة روما: الهجرة، والطاقة، والاستقرار الإقليمي.
“الدبلوماسية الموازية” في قفص الاتهام
هذا ما يُقلق البعض ويستفز برنامجاً استقصائياً ك Report . فالانتقادات الموجّهة إلى الغريبي لا تتعلق بمخالفات قانونية مُثبتة، بل بما يُوصف في الأوساط الإعلامية الإيطالية بـ”الدبلوماسية الموازية”:
قدرة فاعلين من القطاع الخاص على التأثير في ملفات دولية بالغة الحساسية، بمعزل عن الرقابة البرلمانية ومتطلبات الشفافية المؤسسية.
الغريبي، من جهته، لا يُنكر شبكة علاقاته، بل يتحدث عنها بفخر صريح: لقاءات على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، واستقبال من قِبل الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا خلال زيارته إلى الإمارات، وحضور منتظم في كبرى المنتديات الاستراتيجية.
ويلخّص فلسفته في جملة تتكرر في تصريحاته: “نحن نعيش في عالم لا تستطيع فيه الدول وحدها مواجهة التحديات الكبرى.”

تونس: الورقة الأكثر حساسية
لكن الملف الأكثر توتراً يبقى التونسي. حين نشرت il foglio مقالاتها حول احتمال ترشّح الغريبي لرئاسة تونس خلفاً لقيس سعيد، سارع الرجل إلى إصدار تصريح فسّره بعضهم نفياً قاطعاً، فيما قرأه آخرون فتحاً للباب على مصراعيه. “أبوابي وأيديّ ستبقى مفتوحتَين لكل ما هو خير لوطني” — جملة تُحسن فن الغموض البنّاء.
وفي سياق تحتلّ فيه تونس مكانة استراتيجية من الدرجة الأولى بالنسبة لإيطاليا — بحكم ضغوط الهجرة والقرب الجغرافي والروابط الاقتصادية المتشعبة — فإن شخصية تجمع بين الملف التونسي والشبكة الإيطالية في آنٍ واحد لا يمكن أن تمرّ دون أن تُثير تساؤلات.

المنطقة الرمادية: نموذج جديد لصناعة النفوذ
ما يجعل ملف الغريبي مثيراً للاهتمام، ومزعجاً في الوقت ذاته، ليس ما يمكن إثباته، بل ما يظل معلقاً في فضاء الاحتمال. فهو لا يشغل منصباً حكومياً، ولا يحمل تفويضاً دبلوماسياً رسمياً، ومع ذلك يجلس على طاولات تُقرَّر فيها ملفات مصيرية.
هذا النموذج — نموذج رجل الأعمال المتداخل مع الجيوسياسة — ليس من اختراع الغريبي وحده؛ إنه سمة العصر، حين تتراجع الحدود الفاصلة بين الاقتصاد والسياسة والأمن، وتملأ شركات وتكتلات وأفراد الفراغ الذي تتركه الدولة، أو تتعمّد تركه.
غير أن الفارق هنا أن الغريبي يشتغل في حوض البحر الأبيض المتوسط: ذلك الفضاء المتفجر بتوترات الهجرة والطاقة والنفوذ الدولي المتنافس. من يتحكم في شبكات العلاقات داخل هذا الحوض لا يمتلك ثروة مالية فحسب، بل يمتلك ما هو أندر وأثمن: معلومات، و أبواباً، و حضوراً في اللحظة المناسبة.
الضبابية، لا الإدانة، هي ما يُغذّي التساؤل. وهذا وحده كافٍ في زمن باتت فيه المنطقة الرمادية الفضاءَ الأكثر قدرةً على صناعة النفوذ





