صباح الأربعاء 6 ماي الجاري، شَيَّع ذوو الفنان المصري الراحل هاني شاكر ومحبّوه، جثمانه إلى مثواه الأخير، وذلك بعد ثلاثة أيام من وفاته، عقب وصول الجثمان من أحد مستشفيات باريس، إثر رحلة علاج بدأت مطلع شهر جانفي 2026.
المحبّون لم يكونوا وحدهم في انتظار وصول الجثمان، إذ كانت وسائل الإعلام المصرية بأطيافها كافة تنتظر هي الأخرى مراسم الجنازة، ليس فقط لتوثيق مشهد الوداع بصورةٍ تليق بتاريخ فنان قضى أكثر من ثُلُثَي عمره حاملاً لقب “أمير الغناء العربي”، إنما أيضاً للتأكيد على قاعدة مِهنية قد تُبنى عليها آمال كبيرة في تغطية جنازات المشاهير والشخصيات العامة لاحقاً.
حتى كتابة هذه السطور، لم تُرصد مخالفات فجّة للتعليمات المهنية للتصوير في جنازة هاني شاكر، ما أثار تساؤلات حول إمكانية استمرار تعميم هذه التعليمات والالتزام بها في الجنازات المستقبلية لأيّ شخصية عامة أو شهيرة، وهذا ما نسعى في هذا التقرير للإجابة عنه.

الفيست والكارنيه في مواجهة “الدخلاء والمتطفّلين” و”صائدي التريند”… قواعد جديدة لتغطية جنازات الشخصيات العامة والمشاهير في مصر بدءاً من جنازة هاني شاكر… هل تنهي فوضى انتهاك خصوصية الموت وعدم احترام مشاعر المعزّين؟
“الفيست” و”الكارنيه” بعد “إصبع” أمير عيدبعد يوم واحد من وفاة هاني شاكر، أطلقت شعبة المصوّرين الصحافيين في نقابة الصحافيين في مصر بروتوكول تعاون مع شركة “سُكنة” (SOKNA) المعنية بتنظيم مراسم الجنازات.
من خلال هذا التعاون، خرجت لأوّل مرة استمارة تضمّ مجموعةً من البنود الخاصة بضمان حق المصوّرين الصحافيين في تغطية جنازات المشاهير من جهة، ومنع حدوث أيّ فوضى ومشاهد مسيئة من جهة أخرى، وهو ما شاهدناه في جنازات سابقة، آخرها جنازة المهندس عمر الفاروق، والد طليقة الفنان أمير عيد.

ما حدث في جنازة عمر الفاروق لم يمرّ مرور الكرام، وفجّر سجالاً في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، بعدما رفع نجم فرقة كايروكي، أمير عيد، إصبعه الأوسط للمصوّرين الذين لاحقوه هو وكل شخص مشهور دخل إلى مقرّ العزاء بصورة مزعجة لا تحترم خصوصية لحظة الموت وفقد عزيز.
أثارت الحركة البعض وعدّوها “غير لائقة” و”تنتقص من الصحافة الفنية”، وشنّوا حملةً ضده فيما عبّر آخرون عن تفهّمهم لانزعاجه من عدم احترام خصوصية الظرف الإنساني الذي أحاط بالواقعة.
عدم احترام خصوصية اللحظات الإنسانية كان الشُغل الشاغل لنقابة الصحافيين المصريين، فسَعَت إلى حلّ الأزمة من خلال “استمارة تغطية الجنازات” التي أصدرتها قبل يومين فقط من جنازة هاني شاكر، وفقاً لما يؤكده رئيس شعبة المصورين الصحافيين في نقابة الصحافيين، مجدي إبراهيم،
وبحسب إبراهيم، فإنّ الهدف من الاستمارة “عودة الهدوء والشكل اللائق إلى الجنازات، واحترام خصوصية المعزّين، من خلال إعطاء المؤسسات الصحافية سترةً (فيست) وكارنيه خاصاً يُميِّزان المُصوّر المُعتمَد من ‘الدُخلاء’ رافعي كاميرات الهواتف في وجه المشاهير بحثاً عن التريند”.كيف نواجه المتطفّلين في الجنازات؟
سؤال رئيس شعبة محرّري الفن في نقابة الصحافيين، مصطفى الكيلاني، يجيب: “علينا الاعتراف بأنّ المتطفلين (من غير الصحافيين) في الجنازات، ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في انتشارهم، وهو أمرٌ كرّس ‘ثقافة اللقطة الصادمة’ التي تحقّق انتشاراً سريعاً، حتى لو جاءت على حساب كرامة الإنسان وحرمة الموت”.
ولفت الكيلاني، في حديثه إلى أنّ الحل مع من أسماهم “الدخلاء والمتطفلين” هو ما فعلته شعبة المصورين الصحافيين حالياً، بتمييز المتخصصين بـ”الكارنيه والفيست”، ومن ثمّ يُطرَد خارج الجنازة والعزاء من لم يتميز بهما.

ويتفق رئيس شعبة المصوّرين الصحافيين مع ما قاله الكيلاني، منبّهاً إلى أنّ الشخص الذي لا يرتدي “الفيست” أو يحمل “الكارنيه” يمكن لأسرة المتوفّى “تحرير محضر ضدّه”، واتهامه بإزعاجها و”انتحال صفة صحافي”، متوقّعاً أن تُسهم هذه الإجراءات في “حلّ الأزمة نسبياً”.ضمير الصحافيلم تقتصر الإساءات والمواقف المُحرجة للمعزّين، في العديد من جنازات المشاهير في الآونة الأخيرة، على “المتطفلين” وحدهم، إذ رُصدت بعض التجاوزات من صحافيين ومصوّرين ينتمون إلى مؤسسات صحافية معروفة، وهو ما يشير إليه رئيس شعبة محرّري الفن في نقابة الصحافيين، موضحاً: “لا يمكننا إغفال تراجع دور المؤسسات الصحافية في تدريب كوادرها الشابّة على أخلاقيات المهنة، وهو ما خلق فراغاً ملأه غير المؤهلين”.
ويضيف الكيلاني: “ما حدث مؤخراً، سواء في واقعة أمير عيد أو في مشاهد سابقة في تغطية جنازات عدد من النجوم، يكشف عن خلل مهني حقيقي في طريقة تعامل بعض القائمين على التغطية الصحافية مع لحظة إنسانية شديدة الخصوصية. والحديث عن جنازة فنان كبير بحجم هاني شاكر لا يجب أن ينفصل
عن ضرورة استعادة المعايير الأخلاقية للمهنة، قبل أي قواعد تنظيمية”.لذلك يرى الكيلاني أنّ الحلول موجودة لكنها بحاجة إلى تفعيل حقيقي داخل المؤسسات الصحافية، لافتاً إلى أنه “يجب تفعيل الميثاق الموجود بالفعل لتغطية الجنازات والعزاءات، والذي يتضمّن قواعد مُلزمة للمحررين والمصورين، مع توقيع جزاءات واضحة على المخالفين. كما ينبغي قصر التغطية على الصحافيين والمصوّرين المعتمدين فقط، ومنع أي عناصر غير مصرح لهم من ممارسة هذا الدور”.
كذلك، يشدّد رئيس شعبة محرري الفنّ على أنّ “نقابة الصحافيين بدورها، تقع على عاتقها مهمة أكبر في ضبط المهنة، من خلال تشديد الرقابة على منتحلي الصفة، إلى جانب تنظيم دورات تدريبية إلزامية في أخلاقيات التغطية الصحافية، خاصةً في الأحداث الإنسانية الحساسة”.
ويوجّه الكيلاني حديثه إلى محرّري ورؤساء أقسام الفن والمجتمع في وسائل الإعلام المصرية، مؤكداً: “تجب أولاً إعادة التأكيد على أنّ التغطية الصحافية ليست سباقاً لاقتناص اللقطات، بل مسؤولية مهنية وإنسانية. وثانياً وضع ضوابط تحريرية صارمة تحدد ما يجوز نشره وما لا يجوز، خاصةً في ما يتعلق باللقطات التي تُظهر الحزن والانهيار الإنساني”.
“اعتماد استمارات تنظيم التغطية، مثل التي أقرَّتها شعبة المصورين، خطوة مهمة. لكنها لن تكون كافيةً دون رقابة حقيقية من رؤساء الأقسام على تنفيذها، ومحاسبة أي خروج عنها”، يضيف.“مَن أمِن العقاب أساء الأدب”بسؤاله عن البروتوكول التنظيمي لجنازات المشاهير الذي أعدّته شعبة المصورين الصحافيين، وما إذا كان يضمّ بنوداً خاصةً بالجزاءات الموقعة على المصوّرين والصحافيين في حال المخالفة، يوضح مجدي إبراهيم: “حاولنا من خلال الاستمارة وضع ضوابط نستطيع من خلالها الحدّ من الأزمة، لأنّ مَن أمِن العقاب أساء الأدب”.
أما عن شكل هذه العقوبات، فيقول رئيس شعبة المصورين الصحافيين: “وضعْنا جزاءات متدرِّجة للصحافيين والمصورين، تبدأ بإيقاف المصور أو الصحافي بشكل شخصي عن تغطية الجنازة اللاحقة، ولو كُرِّرَ الخطأ مجدداً من شخص آخر ينتمي إلى الموقع نفسه أو الجريدة عينها، تزيد العقوبة بمنع المؤسسة من تغطية أكثر من جنازة لاحقة”.
ويردف إبراهيم بأنّ العقوبات ستكون تصاعدية. ففي حال تكرّر الخطأ نفسه من المؤسسة ذاتها، سيتمّ “سحب الكارنيه والفيست المميزين لهما”، وإن تكرّرت واقعة أخرى مشابهة، “سيُمنع الموقع أو الصحيفة من تغطية الجنازات”.
بعد سنوات من “تكريس ثقافة اللقطة الصادمة على حساب كرامة الإنسان وحرمة الموت”، يؤكد رئيس شعبة محرري الفن في مصر أن “المسألة ليست تنظيميةً فقط، بل هي اختبار حقيقي لضمير المهنة، إما أن نستعيد احترامنا لأنفسنا كصحافيين… أو أن نترك المجال لمزيد من الانحدار”
بين “التوثيق” و”خصوصية اللحظة”منتصف عام 2024، كانت وزارة الأوقاف المصرية قد أعلنت حظر تصوير الجنازات داخل المساجد وخارجها، موضحةً أنّ قرارها يساهم في احترام “كرامة المتوفّى” وتقدير “مشاعر ذويه”.
ذلك القرار لم يلقَ ترحيباً لدى نقابة الصحافيين المصريين التي عدّته مُخالفاً للدستور، كونه يتعارض مع حرية الصحافة وطبيعة المهنة المعنية بالأساس بتوثيق الأحداث المهمة في البلاد، والتي من بينها جنازات المشاهير.
وقتها، تقدّمت شعبة المصوّرين الصحافيين في النقابة باقتراحاتها المؤَكِّدة لأهمية توثيق الأحداث المهمة، مع الأخذ في الاعتبار أهمية احترام مشاعر المعزّين. هذه الاعتبارات تُعدّ الأساس للاستمارة الرسمية الحالية الخاصة بتغطية جنازة الفنان الراحل هاني شاكر، وما سيعقبها من جنازات، حسبرما يؤكد رئيس الشعبة، إبراهيم، في تصريحاته في الوقت عينه، لا تزال قضية تغطية الجنازات بحاجة إلى وازع مهني داخلي، يلتزم به المصوّرون والصحافيون، لأنه، وحسب ما يقول رئيس شعبة محرري الفن الكيلاني، “المسألة ليست تنظيميةً فقط، بل هي اختبار حقيقي لضمير المهنة، إما أن نستعيد احترامنا لأنفسنا كصحافيين، فنحترم حرمة الموت وخصوصية الحزن، أو أن نترك المجال لمزيد من الانحدار الذي يسيء إلينا جميعاً قبل أن يسيء إلى من نغطي أخبارهم”.
المصدر: رصيف22
أقرأ التالي
2026-01-31
وجه ميلوني في كنيسة بروما
2026-01-22
التملّق بوصفه أقدم مهنة في التاريخ
2026-01-20
أمريكا يا ويكا
2026-02-02
سيدة أعمال :حليجية” تهدي قطعا من كسوة الكعبة لتاجر الجنس جيفري ايستين: كم إبستينا يعيش بيننا؟
2026-01-25
I am K2 : بين رواية كادوريم وتكذيب عائلة بن علي؟
زر الذهاب إلى الأعلى