الفاهم بوكدوس يكتب عن شيرين ابو عاقلة في ذكرى استشهادها

في مثل هذا اليوم، نستحضر الذكرى الرابعة لاستشهاد الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، التي اغتالتها قوات الاحتلال الصهيوني أثناء أدائها لعملها الصحفي، في جريمة لم تستهدف شخصها فقط، بل استهدفت الحقيقة ذاتها، واستهدفت حق العالم في أن يرى ما يجري على الأرض الفلسطينية بعيدًا عن الدعاية والتضليل.
لقد تحولت شيرين منذ استشهادها إلى رمز عالمي للصحافة الحرة، وإلى صورة تختزل معنى الصحفي الذي يذهب إلى الميدان مدركًا أن الكلمة قد تكون أثقل من الرصاص، وأن نقل الحقيقة قد يتحول في أي لحظة إلى تهمة تستوجب التصفية.

ومنذ رحيلها، لم تتوقف آلة القتل الصهيونية عند هذا الحد، بل ازدادت توحشًا وعربدة وتلطخت أيدي الاحتلال اكثر واكثر بدماء مئات الصحفيين والصحفيات في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان: صحفيون قُتلوا عمدًا، واستُهدفت عائلاتهم ومنازلهم ومؤسساتهم الإعلامية، فقط لأنهم أصروا على نقل الحقيقة وكشف الجرائم أمام العالم.
إن استهداف الصحفيين لم يكن يومًا أمرًا عرضيًا بالنسبة للاحتلال، بل هو جزء من استراتيجية قائمة على قتل الشهود، ومحاولة إسكات الرواية الفلسطينية، وطمس الحقائق التي تعري المشروع الصهيوني بوصفه قوة احتلال همجية وإرهابية تقوم إحدى أهم سردياتها على إنكار الجرائم ومحو آثارها ومنع العالم من رؤيتها.
فالاحتلال يدرك جيدًا أن الصورة أخطر من الرصاصة، وأن الصحفي الحر قادر على هدم آلة الدعاية مهما كانت ضخمة، ولذلك يحاول دائمًا إسكات الأصوات التي تكشف جرائمه وتفضح ممارساته أمام الرأي العام العالمي.
لكن ما أثبتته السنوات الأخيرة، وخاصة منذ استشهاد شيرين، هو أن الحقيقة لا تُقتل باغتيال الصحفيين، وأن دماءهم تتحول في كثير من الأحيان إلى شهادة إضافية ضد الجلاد. فكل صحفي يسقط في فلسطين أو لبنان أو أي مكان دفاعًا عن الحقيقة، يترك خلفه رواية أقوى من محاولات الطمس، ويكشف أكثر طبيعة هذا الاحتلال القائم على القمع والقتل والإرهاب المنظم.
وفي المقابل، فإن هذه الجرائم تعيد التذكير بأن الصحافة لم تكن يومًا مهنة مريحة أو آمنة، بل كانت دائمًا مهنة المواجهة والتحدي، في كل الأنظمة وكل السياقات، فثمن الكلمة الحرة قد يكون القتل أو الاختطاف أو السجن أو التشويه أو التجويع أو فرض الصمت بالقوة.
ومع ذلك، بقيت الصحافة الحقيقية عصية على التدجين، لأن التاريخ أثبت أن أصواتًا صحفية قليلة، لكنها شجاعة وصادقة، كانت دائمًا أعلى وأبقى من جيوش المطبّلين والدعائيين والصامتين. فالصحفي الحر لا يقاس بقربه من السلطة أو بحجم المنابر التي يملكها، بل بقدرته على قول الحقيقة عندما يصبح قولها مكلفًا.
لقد كانت شيرين أبو عاقلة واحدة من هؤلاء. ولذلك لم تغب رغم اغتيالها، بل تحولت إلى رمز دائم للصحافة الحرة وللصوت الذي لم يستطع الرصاص إسكاته.الرحمة والخلود لشيرين ولكل الصحفيين الشهداء،والحرية لكل الصحفيين الذين يواجهون القمع والسجون والتهديد،والخزي والعار للقتلة الذين يعتقدون أن قتل الصحفيين يمكن أن يقتل الحقيقة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى