كان وزير الداخلية في انتفاضة الخبز، رحيل ادريس قيقة

 فقدت تونس اليوم أحد أبرز الشخصيات السياسية في عهد بورقيبة، إدريس ﭬـيـﭭـة، وزير الصحة والتربية الوطنية والداخلية الأسبق، الذي توفي يوم الأحد بمنزله في الحمامات عن عمر ناهز 101 سنة.
ومنذ مغادرته الحكومة سنة 1984، ابتعد عن الساحة السياسية والإعلامية باستثناء بعض الشهادات التاريخية التي طُلبت منه وكتاب سيرته الذاتية بعنوان «على طريق بورقيبة»،اكتفى فيه بسرد جانب من ذكرياته الشخصية كان إدريس قيقة مناضلاً دستورياً، وموظفاً سامياً في الدولة، وسفيراً ووزيراً، وتميز بشخصية قوية. وقد عارض محمد مزالي خلال أحداث الخبز سنة 1984 عندما كان وزيراً للداخلية،  واضطر إلى المنفى، ولم يعد إلى تونس إلا بعد عدة سنوات.
وُلد إدريس ﭬـيـﭭـة في 21 أكتوبر 1924 بمدينة تستور،  وخلال احتفاله بمئويته، وبمناسبة صدور مذكراته،صرّح أنه اختار بورقيبة لأنه لم يجد أفضل منه. وكان يحتفظ بثقة كبيرة ف
ي قدرة الشعب التونسي على صنع مصيره، متفائلاً بمستقبل تونس.
وقد  التقته في تلك المناسبة مجلة ليدرز  التي اوردت انه  في عائلة قيقة، كثيراً ما يتجاوز الأفراد سن المئة وهم في صحة جيدة، وقد التزم إدريس دائماً بنمط حياة صحي: يأكل قليلاً، لا يدخن ولا يشرب، ويجيد امتصاص تقلبات حياة سياسية صاخبة.
وفي منزله المليء بالتاريخ، وسط حديقة غناء كانت ملاذاً للفرح والسعادة، يحضر طيف زوجته “شاشا” في كل زاوية، وهي الفنانة التشكيلية القديرة التي رحلت عام 2018 وكانت حب حياته.
بالنسبة لهذا المولود في “تستور” في 21 أكتوبر 1924 ضمن عائلة مكونة من أربعة أطفال، بدأت الحكاية مع والده المعلم الذي أسس أول مدرسة ابتدائية في “زاوية سيدي مدين” (عمدون حالياً). تتبعه في تنقلاته الوظيفية إلى “ماتلين” القريبة من بنزرت (التي وصفها بالقرية الرائعة والساحرة)، ثم إلى “طبربة”. وفي عام 1934، تكفل به جده حمودة قيقة هو وأحد أبناء عمومته لمتابعة دراسته في تونس العاصمة بمدرسة “ساحة الغنم”. ولا يزال يحتفظ بذكرى حية لمعلمه السيد “ري”، الذي كان “حريصاً بقدر ما كان حازماً”.
التحق بالمدرسة الصادقية، وحضر البكالوريا في رادس، ثم تابع دراسة الحقوق في الجزائر (1945-1947)، حيث كان من زملائه عثمان العواني وأحمد المستيري.
وفي السنة الثالثة من الإجازة، تعرف على زوجته المستقبلية “شاشا سفير”. انتقل بعدها إلى باريس لدراسة الحقوق والعلوم السياسية والتاريخ بين عامي 1948 و1949، ضمن مجموعة ضمت ضاوي حنابلية، علي بوجناح، عبد المجيد رزق الله وبشير حمزة. وفور عودته إلى تونس، بدأت مسيرة طويلة ولامعة يقول قيقة: “كان لزاماً على بورقيبة أن يكون مصاباً بجنون العظمة (mégalo).
لقد اخترته لأنني لم أجد أفضل منه، حتى بعيوبه. هناك شخصيتان رمزيتان: الطيب المهيري وأحمد تليلي. مؤامرة 1962 كانت نقطة تحول نحو التشدد، ويومها فقد بورقيبة ثقته في الشعب.

 

أحداث 26 جانفي 1978 كانت خطأً تكتيكياً من الحبيب عاشور وعبد الله فرحات.
الديمقراطية لا تُشترى من المتجر، بل تُبنى من القاعدة ويجب أن تستند إلى جبهة وطنية عريضة.
التعددية تولد الفصائل، لكن حرية الرأي وقاعدة الانتخاب لجميع المناصب هي أساسيات الديمقراطية. الرجال والنساء هم من سيصنعون مستقبل تونس. فمنذ قرطاج، كان هناك دائماً شعب عرف كيف يدير المراحل المتعاقبة: المبتهجة منها، والكئيبة، والمتألقة…”

سيرة موجزة:
  • ولد في 21 أكتوبر 1924 بتستور.
  • 1945-1947: دراسة الحقوق والتاريخ في الجزائر.
  • 1947-1949: متابعة الدراسة في باريس.
  • 1950-1951: رئيس ديوان وزير الصحة.
  • 1952: سُجن في “زعرور” ثم في سجن “تبرسق” العسكري.
  • 1953: استئناف العمل بوزارة الصحة كإداري، ثم رئيس ديوان لوزراء متعاقبين.
  • 1956: كاتب عام المجلس القومي التأسيسي.
  • 1956: كلفه الطيب المهيري، وزير الداخلية، بإدارة الإدارة الجهوية.
  • 1956: مديراً للأمن الوطني.
  • 1963-1969: مندوباً سامياً للسياحة.
  • 1969: كاتب دولة للشؤون الاجتماعية.
  • 1969-1973: وزيراً للصحة.
  • 1973-1976: وزيراً للتربية الوطنية.
  • 1976-1980: سفيراً لتونس في ألمانيا الاتحادية.
  • 1980-1984: وزيراً للداخلية.
تحمل إدريس قيقة عدة حقائب وزارية منها الصحة العمومية، والتربية القومية، ووزارة الداخلية التي أُبعد عنها في نهاية جانفي 1984 بعد أحداث “انتفاضة الخبز” يوم 4 جانفي بسبب معارضته سياسة الوزير الأول آنذاك محمد مزالي، والتي أدّت إلى رفع ثمن الخبز.
يفخر قيقة بانه كان  صاحب فكرة بعث المدرسة الوطنية للمهندسين بقابس  وبانه مؤسسها الفعلي والوحيد حين كان وزيرا للتربية ، كما انه شغل خطة مندوب عام للسياحة طيلة سبع سنوات  قبل تاسيس وزارة السياحة 
كما بعث ادريس قيقة صيغة المستشفى الجامعي  حين كان وزيرا للصحة 
وفي عهده ايضا تاسس معهد صالح عزيز لعلاج مرضى السرطان ببادرة من الدكتور نجيب المورالي 
بعدها لجأ إدريس قيقة إلى فرنسا حيث بقي ملازما للصمت ولم يعد إلى تونس إلى بعد  7نوفمبر 1987.وحتى بعد عودته كان إدريس قيقة قليل الظهور مكتفيا ببعض الحوارات التلفزية التي أدلى بها لبعض القنوات التلفزية الخليجية.
سنة 2024 أصدر الراحل كتابا باللغة الفرنسية عن سيرته الذاتية بعنوان “على طريق بورقيبة” *Sur le chemin de Bourguiba
 في العام 2012 قدم شهادته في مؤسسة “التميمي” لمدة 17 ساعة 
انطلق ادريس قيقة في شهادته بالقول “ترددت كثيرا في قبول مشاركتي في ندوات مؤسسة التميمي واعترف اني قصرت عند رفضي لدعوات رئيس المؤسسة المتكررة واليوم اقبل الادلاء بشهادتي بعد أن تاكدت أن التاريخ ملك الجميع وليس ملكا شخصيا”
وذكر قيقة في نفس السياق كذلك “اني بصدد كتابة مذكراتي وسأحاول خلالها بسط رؤيتي الخاصة للأحداث التي عشتها”. بهذه المقدمة اشار ادريس قيقة إلى انه لن يتعمق في شهادته في تفاصيل بعض الملفات التي مسك بها كالداخلية والامن بل اشار إلى انه سيقتصر على فترة ما قبل الاستقلال.

مساهمتي في نضالات التحرير كانت متواضعة

عاد ادريس قيقة للتعريف بنفسه بالقول “انا انتسب إلى الجيل المخضرم الذي عاش فترة الاستعمار ثم فترة الاستقلال الاولى وكنت احد المحظوظين لمساهمتي في كفاحات التحرير والبناء للدولة الحديثة…
عشت وترعرعت في قرية تستور ولم يكن لدي شعور بالفرنسيين والاستعمار إلى حدود سنة 1934 تاريخ سجن عمي البحري قيقة لكونه من جماعة بورقيبة إذ اني لم أسمع ببورقيبة الا عند هذه الحادثة اي في سن العاشرة”.

وواصل قيقة سرد ذكرياته التي يؤكد من خلالها خاصة على أهمية تأثره بشخصيات دون أخرى خاصة شدة تأثره بعلي البلهوان زمن دراسته بالصادقية اثناء أحداث شهر أفريل 1938 حيث قال “لما كنت تلميذا بالصادقية كنت متأثرا بعلي البلهوان الذي كان يتميز بالقدرة على بث الافكار الوطنية وجعلنا نتحمس لها ولا زلت اتذكر الانتفاضة التلمذية التي قمنا بها إبان القاء القبض عليه من طرف البوليس الفرنسي فقد كان لعلي البلهوان تاثير هام في توجهاتي الوطنية وفي عدد من الشبان” .

مع “المنصف باي” تاسست أول زعامة وطنية

ينتقل قيقة للحديث عن ذكرياته إبان الحرب العالمية الثانية وتكوين المنصف باي لأول حكومة وطنية مستقلة عن الاقامة العامة الفرنسية ويؤكد بالقول “كانت شخصية المنصف بداية الأربعينات الشخصية السياسية الاهم على الساحة الوطنية فقد كان بايا محبوبا وكان يتواصل بصفة تلقائية مع الناس وعرف بشجاعة مواقفه الوطنية اثناء الحرب العالمية الثانية وخاصة سياسته المستقلة عن الاقامة العامة الفرنسية واصبح بفضل ذلك زعيما وطنيا وتحققت مع المنصف باي أول زعامة وطنية تونسية على المستويين الرسمي والرمزي “.

كنا نصف “الحبيب بورقيبة” بالخائن

برع ادريس قيقة في شهادته في الابتعاد بها عن الحديث عن شخصه بل لجا إلى التحدث عن غيره فقد واصل الحديث عن شخصية الحبيب بورقيبة التي نفى في البداية اي معرفة له بها قبل سن المراهقة مقابل تمجيد شخصية علي البلهوان وتضخيم رمزية المنصف باي وأكد بالقول “كنا شباب الشبيبة الدستورية لا نخفي احترازنا من الحبيب بورقيبة الذي كان يراسلنا من سجنه ويأمرنا بعدم التعامل مع الألمان وقوات المحور وكان في المقابل يدعونا إلى تقديم العون إلى الفرنسيين وحلفائهم في حربهم ضد المحور. ووجدنا في توجيهات بورقيبة الداعية لمساندة الفرنسيين خيانة وكنا نصف بورقيبة بالخائن والمتواطئ مع الفرنسيين, فقد كنا نميل لدعم المانيا بل كنا نجد في هتلر رمزا للانتصار على فرنسا وعلى القوى الاستعمارية التقليدية, وكنا من هذا المنطلق نتحامل على بورقيبة بل كنا ننعته بالخائن وبعدة نعوت اخرى تصل إلى حد البذاءة”.

ومع ذلك لم ينف ادريس قيقة في شهادته ارتياحه بل ابتهاجه لما امره بورقيبة سنة 1943 بالتفرغ لاجتياز امتحان الباكالوريا واكد انه لا زال يتذكر قوله “خوذ الباكالوريا لاننا سنحتاجك فيما بعد” وواصل “هذه الحادثة جعلتني اميل إلى مساندة ودعم بورقيبة رغم تواصل قناعتي بشرعية المنصف باي الذي اعتقدت جازما انه سيكون باي تونس الشرعي وان بورقيبة لم يكن قادرا على تحقيق تلك الزعامة لو لم ينف المنصف باي”.

قبلت يد المناضل الجزائري “مصالي الحاج” عن طواعية

واصل ادريس قيقة التمسك في شهادته بالاقتصار على ذكريات الشباب والدراسة دون الخوض في تجاربه الوزارية والأمنية وعاد بذكرياته إلى الفترة الجامعية ودراسته للتاريخ بجامعة الجزائر وذكر “كنت معجبا بشخصية مصالي الحاج فقد ذهبت لزيارته ضمن وفد من الطلبة بعد اطلاق سراحه من المنفى بل قبلت طواعية تقبيل يده لما علمت أنه يرغب في ذلك”.

الاتحاد العام التونسي للشغل كان اقوى من الحزب الحر الدستوري الجديد

يتدرج ادريس قيقة في شهادته ليتحدث عن مشاركته في حكومة محمد شنيق التي تكونت سنة 1950 وقال “لقد تذكرت وعد بورقيبة لي لما اكد لي انه سيحتاجني فيما بعد وبالفعل تم اقتراحي لأتولى رئيس ديوان الدكتور بن سالم صهر الامين باي والذي تولى وزارة الصحة العمومية في حكومة محمد شنيق, ومع ذلك تواصل ضعف تأثير الحزب الدستوري في الحياة السياسية بداية الخمسينات مقارنة بحضور مميز للاتحاد العام التونسي للشغل إذ غلب اشعاع المجتمع المدني على اشعاع الحزب السياسي”.

 

 

وواصل قيقة ابراز دور الباي في دعم الحزب مؤكدا “بقي الحزب ضعيف التأثير رغم جهود الأمين باي وابنه الشاذلي باي في دعم الحزب كدعامة للملك “.

“محمد مزالي” درويش السياسة التونسية

وهكذا انهى ادريس قيقة شهادته التي تحدث فيها عن عدد من الشخصيات التي عاصرته ونجح في الابتعاد عن الحديث عن نفسه وعن مهامه الامنية ابان احرج الفترات الاجتماعية والامنية بتونس سنوات الثمانينات ورغم محاولة الدكتور عبد الجليل التميمي استدراجه لذلك الا انه تعلل بضرورة دراسة تلك المسائل قبل الخوض فيها بل اقترح أن تتم الاجابة عن تساؤلات المتدخلين في حصة قادمة ليتسنى له تحضير الاجوبة !؟

هذا التحفظ لم يمنع السيد ادريس قيقة من مواصلة الحديث عن غيره فلم يفوت الفرصة ليتحدث عن بعض مميزات منافسه محمد مزالي بل وصفه ب”الدرويش” في محاولة متواصلة لابعاد الاهتمام بشخصه بل تحويله لمنافسه السياسي منافسة بلغت حد العداء منتصف الثمانينات فجاء قوله “ان الدروشة ليست عيبا بل أن اشهر ساسة تونس ادعى لجوءه للدروشة منهجا سياسيا” وبادره الدكتور التميمي “هل تقصد مزالي عندما قال “انا امهر في الادب والفكر اما في السياسة فأنا درويش”؟ واجابه قيقة : ” لا اقصد احدا واذا اردت أن تحدد بالاسماء فهذا اختيارك” !
قضية من ورثة الامين باي ضد ادريس قيقة 

 

شرعت دائرة العدالة الانتقالية بتونس،   الإثنين 19 أفريل 2021في النظر في قضية رفعها ورثة الأمين باي وورثة صهره حمادي بن سالم ضد إدريس قيقة مدير الأمن الوطني سنة 1957
وقال عادل كعنيش،  المحامي ورئيس ودادية قدماء البرلمانيين في تدوينة على حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك،  »إن القضية رُفعت ضد إدريس قيقة الذي انتقل يوم 25 جويلية 1957 لتنفيذ قرار المجلس التأسيسي عندما قرر تنحية الأمين باي وإنهاء حكم العائلة الحسينية بعد 254 سنة من التواجد والاعلان عن إقامة الجمهورية ».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى