الفاهم بوكدوس:أي تنقيح للمرسوم 54 نريد؟

تم التداول يوم أمس الثلاثاء في اجتماع مجلس الوزراء، في عدد من مشاريع المراسيم من بينها مرسوم يتعلّق بتنقيح المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المؤرخ في 13 سبتمبر 2022 المتعلّق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال.
ويبدو ان اي تنقيح لن يكون ذو جدوى ما لم يتضمن على الاقل نقاط التنقيحات التي تضمنتها المبادرة التشريعية لتنقيح المرسوم التي تقدم بها نواب في 30 فيفري 2024
لماذا تنقيح المرسوم 54 :
المرسوم يطرح عوائق قانونية /شكلية وأخرى عملية:
1-عوائق قانونية:
– يتعارض المرسوم مع الفصل 55 من الدستور والذي ينص على عدم ممارسة الرقابة المسبقة، وذلك من خلال تقنين إجراءات التنصت العشوائي على المواطنات والمواطنين.
– كما تفتقد العقوبات الواردة بهذا النص إلى مبدأ التناسب والتراتبية، حيث نص الدستور على أن اي تقييد للحريات يجب أن يكون ضرورة تفرضها الدولة المدنية الديمقراطية ودون ان يمس من جوهر الحريات، وهو ما تم تجاوزه تماما في هذا المرسوم.

– يتضمّن بالإضافة إلى فصول مكافحة جرائم أنظمة المعلومات والاتصال، عديد العقوبات الزجرية التي تفتقد إلى التناسب بين الفعل والعقوبة باعتبار أن جرائم النشر لا يمكن أن تكون عقوبتها السجن لخمس أو عشر سنوات، بالإضافة إلى تضمنّه توجها متشددا في التعامل مع قضايا مختلفة منها التعبير والنشر على شبكات التواصل الاجتماعي.
– يهدد المرسوم ضمانات حرية الصحافة والتعبير والنشر باعتبار تدخله في اختصاصات المرسوم 115 ويعطي السلطة التنفيذية ذريعة للتهرب من المراسيم المنظمة للقطاع، ويتعمد تتبع الصحفيين على معنى قوانين جديدة تعسفية لا علاقة لها بالمهنة، خاصة مع الخلط المعتمد في هذا المرسوم بين جرائم أنظمة المعلومات وقضايا نشر الاخبار الزائفة في حين انها مجالات مختلفة من المفترض أن تُنظم بقوانين خاصة ومحددة بدقة حتى لا ينال من الحريات.
2-عوائق عملية:
اليوم هناك إتفاق كبير من أغلب القوى المجتمعية من أجل تنقيح المرسوم بل أن هناك قوى مساندة لمنظومة الحكم تذهب إلى حد سحب هذا المرسوم وتنبه إلى خطورته في تصفية الحساب السياسي مع المخالفين في الرأي، مس حتى نوابا لمجرد التعبير عن الرأي
إن سوء إستخدام القضاء للمرسوم لإصدار أحكام ثقيلة وعشوائية شملت المئات من مختلف الفئات والقطاعات لا يعود فقط إلى خلل في المنظومة القضائية بل أيضا إلى الصياغات الفضفاضة في نص المرسوم سهلت سوء إستخدامه حد التوظيف الأعمى .
كما أن السلطة التنفيذية لم تراعي الجدل الحاصل حول المرسوم ومخاطره، ولم تهتم بالدعوات لضرورة دعوة القضاء لتجميد العمل بالفصل 24 من المرسوم حتى الانتهاء من تنقيحه بما تسمح به السياسية الجزائية التونسية:
مجالات التنقيح :
تشمل مقترحات التنقيح الفصول 5 و 9 و 10 و 2- و 22 و23 و 24، ولا يجب ان تجعلنا الخطورة القصوى والاستعجالية للفصل 24 ننسى ان الفصول الأخرى خطيرة ويجب مراجعتها:
*إن الغاية من إتفاقية بودابست ومن القوانين الوطنية في هذا المجال ليست المساس من حرية التعبير والصحافة بل التوقي من الأعمال التي تمس من سرية وسلامة وعمل المنظومات المعلوماتية والشبكات والمعطيات والتصدي للإستعمال الإجرامي لهذه المنظومات والشبكات والمعطيات، مع ضرورة الحفاظ على التوازن بين العمل الزجري وإحترام حقوق الإنسان الأساسية
*الجريمة السيبرنية هي مجموع الأعمال والجرائم الجزائية الخاصة اتلمرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والأتصال أو الجرئام التي يسهّل إرتكابها إستعمال تلك التكنولوجياتىات أو كانت على صلة بها، وهو نشاط غير قانوني يّمارس بواسطة آليات أو شبكات معلوماتية لأرتكاب أعمال مثل التزوير أو إستعمال هويات الغير أو سرقة معطياته أو التحيل ونشر فيروسات

*بالنسبة للفصلين 09 و 10 من المرسوم عدد 54 فإنهما لا يتوافقان مع الفصل 11 من المرسوم 115 بخصوص سرية مصادر الصحفي وشروط وإجراءات الكشف عن تلك المصادر
*بالنسبة للفصل 06 من المرسوم 54 يتناقض مع الفصل 16 من إتفاقية بودابست بخصوص مدة حفظ البيانات وتخزينها إذ ينص اتلفصل 06 المذكور على مدة دنيا لا تقل عن السنتين في حين إن الفصل 16 من إتفاقية بودابست ينص على أن المدة القصوى لحفظ وتجزين المعطيات لا لاتتجاوز ال90 يوم، علاوة على أن أتفاقية بودابست تنص على أنه لا يمكنن الإطلاع على البيانات المخزنة إلا بإذن قضائي، وهذه المخالفة للإتفاقية ستكون سببا في عدم تعاون الدول الأخرى مع بلادنا في هذا المدال.
* في علاقة بالفصل 21 المتعلق بإختلاس البيانات المعلوماتية ضرورة إضافة فقرة تنص على ما يلي:
“على أنّه يُعفى الصحفيون من التتبع من العقاب إذا ثبت للمحكمة أنه من المستحيل الحصول على تلك المعلومات بطريقة أخرى، وأنّ من شأن الكشف عن تلك المعلومات أن تقدّم خدمة غير مشكوك فيها للصالح العام”.
من ذلك إختلاس معلومات معلوماتية على ملك مجموعات إرهابية أو رجال أعمال فاتسدين من قبل صحفيين إيستقصائيين
*تنص إتفاقية بودابست في علاقة بتجريم كل الأفعال بضرورة إحترام مبدأين إثنين وهما مبدأ تعمد إرتكاب الجريمة Intentionnel، وأن يكون ذلك دون وجه قانوني sans droit ، وهذان العنصران يدعمان قرينة البراءة ويحميان مستعملي الشبكات عن حسن نية ودون قصد إجرامي، وذلك يسهل التعاون الدولي
وقد لوحظ أن بعض الجرائم التي نص عليها المرسوم 54 تنص على عنصر التعمد ولكن لا تنص على عبارة ّ دون وجه قانوني”.
*تنص الفقرة 03 من الفصل 10 من إتفاقية بودابست أنه يمكن في بعض الحالات عدم تجريم بعض الأفعال المنصوص عليها في الاتفاقية وعدم وضع نظام مسؤولية جزائية بشأنها بشرط أن تكون هناك وسائل تظلم أخرى متاحة للمتضرر، وأن لا يتعارض ذلك مع الإلتزامات الدولية للدولة، من ذلك مثلا أن الإعتداء على الملكية الفكرية المنصوص عليها في الفصل 10 من إتفاقية بودابست يمكن الإكتفاء بشأنه بعقوبات مالية دون العقوبات السجنية، وذلك ضمن الفصل 25 من المرسوم 54 .
ويمكن إتباع منهج عدم تسليط العقوبات البدنية والإكتفاء بعقوبات مالية بخصوص عدة جنح سيبرنية أخرى منصوص عليها في المرسوم 54
*الفصل 28 من المرسوم 54 الذي يجرم إعاقة سير البحث برفض تسليم بيانات معلوماتية أو وسائل النفاذ إليها لقراءة البيانات المحجوزة أو فهمها أو يتعمد إعدامها إو إخفائها قبل حجزها، من الواجب أن لا يشمل المتهم في قضية سيبرنية أو غيرها لأن لكل متهم الحق في الكذب ودفع التهمة عن نفسه وعدم إجباره عن الشهادة ضد نفسه وحقه في فسخ البيانات التي لا يرغب في الإبقاء عليها في الحوامل التي بحوزته، وإذا طبقنا هذا الفصل على المتهم بجريمة سيبرنية فإننا نكون كمن يجرم شخصا فقك من أجل الكذب أو إنكار إرتكاب الجريمة، ومن المفروض ان هذا الفصل لا يطبّق إلا على المسدين للخدمات الإتصالية وبشرط أن يكون هناك تتبع قضائي وإذن قضائي في الموضوع
(شرعية حق الكذب، وقد نشأ من ثلاثة عناصر:
العنصر الأول أن المتهم لا يتم تحليفه أو تحذيره من مغبة الشهادة زور
العنصر الثاني أن المتهم لا يعاقب على شهادة زور ( الفصل 241 من المجلة الجزائية)
العنصر الثالث ان المتهم لا يتم تتبعه من أجل جرائم الإخفاء)
*بالنسبة للفصل 24 من المرسوم 54 فمبادرة التنقيح تقترح حذفه مطلقا للأسباب التالية:
1- أن إتفاقية بودابست التي إستند عليها المرسوم 54 لا تنص مطلقا على جرائم المحتوى باستثناء الجرائم الجنسية ضد القصّر والإعتداء على الملكية الفكرية، وبالتالي فإن تجريم حرية التعبير لكل الفئات والقطاعات المجتمعية مناقض تماما لإتفاقية بودابست وللمرسوم 54 نفسه الذي ينصّ في فصله الأول
” يهدف هذا المرسوم إلى ضبط الأـحكام الرامية إلى التوقي من الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والإتصال وزجرها وتلك المتعلقة بجمع الأدلة الإلكترونية الخاصة بها ودعم المجهود الدولي في المجال، في إطار الإتفىاقيات الدولية والإقليمية والثنائية المصادق عليها من قبل الجمهعورية التونسيبة”.
ويتضح بجلاء أن الفصل الأول المذكور لا يعتبر تجريم التعبير كهدف من أهداف المرسوم.
كما تنص المادة 02 من المرسوم 54 أنه ” تلتزم السلط العمومية عند تطبيق أحكام هذا المرسوم بالضمانات الدستورية وبالمعاهدات الدوليسة والإقليمية والبثناية ذات العلاقة المصادق عليها من قبل الجمهورية التونسية وبمقتضيات التشريع الوطني في مجالي حقوق الإنسان والحريات وحماية المعطيات الشخصية”.
2-تعارض الفصل 24 من المرسوم مع مبادئ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه تونس وخاصة المادة 19 منه.
3- يؤدي وجود الفصل 24 من المرسوم 54 إلى تضخم تشريعي لا مبرّر له إذ أن تجريم التعبير قد يضع القاضي في حيرة من أمره في تكييف التهمة وتطبيق عدد هائل من النصوص القانونية تتعلق بنفس الفعل من ذلك مثلا أن محتوى الثلب يمكن أن يجرّم طبفق المرسوم 115 والمجلة الجزائية والمرسوم 54 ومجلة الاتصالات ومجلة البريد وقانون مكافحة الإرهاب ومجلة المرافعات والعقوبات العسكرية
4- من شأن الإبقاء على الفصل 24 من المرسوكم 54 أن يعرقل ويحول دون التعاون الدولي في مجال الجرائم السيبرنية مع تونس، باعتبار أن الإتفاقية لا تتضمن جرائم الصحافة والتعبير
5-الفصل 24 من المرسوم 54 يُخالف مبدأ المساواة بين المواطنين المنصوص عليها في دستور 2022 وذلك من خلال مضاعفة العقاب إذا أستهدفت الأخبار الكاذبة موظفا عموميا أو شبهه، والمعلوم أن مبدأ المساواة هو مبدأ مطلق وليس للموظف العمومي أي أمتياز على باقي المواطنين في جرائم حق العام العادية، كما أنّ أحكام الحماية الخاصة لا تكون إلا للفئات الهشة والمستضعفة مثل الأطفال والسجناء.
من جهة اخرى في فترات طرح الموضوع طالب البعض بتنقيح الفصل 24 من المرسوم وليس حذفه وإبعاد الصحفيين فقط من داءرة التتبع، فلماذا يجب أن يشمل تنقيح الفصل 24 من المرسوم 54 كافة المعبرين وليس الصحفيين فقط؟
1- الأسباب القانونية:
أولا:
مبدأ المساواة بين المواطنين هو مبدأ دستوري وبالتالي معاقبة الصحفي بالخطية من أجل الثلب أو الأخبار الزائفة وتتبع غير الصحفي على أساس المرسوم ومعاقبته بعقوبة من 5 إلى 10 سنوات سجن يمثل اعتداء على مبدأ المساواة.
ثانيا:
الأصل في الأمور أن الصحفي محكوم بأخلاقيات المهنة الصحفية على عكس المواطنين الذين يمكن أن ينشروا عن قصد أو غير قصد مضامين فيها ثلب أو شتم أو أخبار زائفة ولذلك يجب أن تكون العقوبة دائما أخف عندما يتعلق بالمواطنين مقارنة بالصحفيين.
ثالثا:
كل الجرائم المنصوص عليها في الفصل 24 موجودة في قوانين نافذة كمرسوم الصحافة والمجلة الجزائية ومجلة الاتصالات وبالتالي لا حاجة للسلطة للفصل 24 طالما يمكنها تتبع الأفراد على أساس نصوص أخرى مثلما كان الوضع قبل صدور المرسوم 54
رابعا:
محكمة التعقيب أكدت أن ” المرسوم 54 لا ينطبق على كل شخص عبر في الفضاء العام أو وسائل الإعلام بخصوص موضوع يهم الشأن العام” وبالتالي سواء كان صحفي أو غير صحفي فإن المرسوم 54 لا ينطبق على المعبرين
2- الأسباب المنطقية:
في صورة الحفاظ على انطباق الفصل 24 على غير الصحفيين يمكن أن نجد أنفسنا في وضعيات غير منطقية وفيها حيف كبير. مثلا، لو قام مواطن بمشاركة مقال صحفي فيه ثلب تجاه أحد الأشخاص. سيؤدي التمييز بين الصحفي وغير الصحفي إلى معاقبة الفاعل الأصلي وهو الصحفي بعقوبة أخف من العقوبة التي ستتسلط على المواطن الذي قام بإعادة نشر المقال فقط.




