ترامب يتراجع، والحكومة الليبية تخفف اللهجة

قررت الحكومة  الليبية المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد سحب بيانها ضد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وذلك بعد تراجع الأخير عن تصريحاته المسيئة ضد ليبيا والتي قوبلت بانتقادات واسعة من مختلف الأطراف الليبية.
وأكدت الحكومة في بيان نشرته عبر صفحتها على «فيسبوك»، «أن الشعب الليبي يقابل المواقف الإيجابية بروح من المسؤولية والانفتاح، ويثمن كل ما يعزز الاحترام المتبادل بين الشعوب»، وذلك في بيان رقم (16) لسنة 2026، إلحاقًا ببيانها رقم (14) لسنة 2026، و«في ضوء ردود الأفعال الشعبية التي عكست اعتزاز الليبيين بوطنهم، وما يجسدونه من أصالة وتسامح وكرم وضيافة».
تعزيز العلاقات الليبية – الأميركية

وانطلاقًا من ذلك، قررت الحكومة «سحب البيان المشار إليه»، مرحبة «بالبيان الإيجابي الصادر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وما تضمنه من تعبير عن احترامه للشعب الليبي».

وأعربت الحكومة المكلفة من مجلس النواب عن تقديرها للشعب الأميركي ورئيسه، وتطلعها «إلى تعزيز العلاقات الليبية – الأميركية وفتح آفاق أوسع للتفاهم والتعاون بين البلدين والشعبين الصديقين».
وقالت ‎سفارة ليبيا لدى الولايات المتحدة الأميركية، اليوم الثلاثاء، إن مديرة شؤون شمال أفريقيا بوزارة الخارجية الأميركية ليزلي هايدن، «أعربت عن أسفها واعتذارها عمّا وقع خلال الأيام الماضية»، في إشارة إلى التصريح المسيء الصادر عن الرئيس دونالد ترامب تجاه ليبيا، والذي تراجع عنه قبل يومين.
تراجع ترامب عن تصريحه

لكن ترامب تراجع عن تصريحه المسيء لليبيا، مساء الأحد، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تحترم الشعب الليبي والتضحيات التي قدمها الليبيون الشجعان في محاربة داعش، كما شدد على التزام بلاده بدعم توحيد ليبيا ومؤسساتها الذي طال انتظاره.

وكتب ترامب في تغريدة عبر حسابه على «تروث سوشال» أن «الشعب الليبي شعب فخور وصامد ومضياف، ويستحق السلام والازدهار» لافتًا إلى أن الولايات المتحدة وليبيا تربطهما شراكة قوية ومستمرة في مكافحة الإرهاب، وقد «حققنا معًا نجاحًا تاريخيًا في هزيمة تنظيم داعش داخل ليبيا».
وفي بيانها رقم (14) لسنة 2026 الصادر بتاريخ 25 أكتوبرالجاري، طالبت حكومة حماد، الرئيس الأميركي بالتراجع الصريح عن تصريحاته المسيئة، وتقديم اعتذار رسمي وواضح إلى الدولة الليبية والشعب الليبي، بما يتناسب مع جسامة الإساءة، مشيرة إلى أن الرئيس الأميركي «أحد رواد جزيرة إبستين القذرة».
ونشرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي على صفحتها البيان 
 اما صدام حفتر نائب القائد العام للجيش الليبي فنشر تدوينة قبل يومين جاء فيها” 
إن ما صدر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تصريحات مسيئة بحق ليبيا وشعبها أمر مستنكر ومرفوض، ولا يمكن أن تكون السجالات الانتخابية أو الاعتبارات السياسية الداخلية مبررًا للإساءة إلى الدول والشعوب أو الانتقاص من كرامتها.
إن ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة، وكرامتها الوطنية فوق أي اعتبار، ولا يمكن أن نقبل بأن تكون موضع إساءة أو انتقاص تحت أي ظرف أو مبرر سياسي.
ومن هذا المنطلق، أدعو إلى اتخاذ موقف رسمي واضح، وأحثّ الجهات المعنية، كلٌّ في نطاق اختصاصه، على مباشرة الإجراءات التي تكفلها القواعد والأعراف الدبلوماسية، بما في ذلك إبلاغ الجانب الأمريكي احتجاجًا رسميًا، والمطالبة بمعالجة هذه الإساءة بما يتناسب مع جسامتها.
ونؤكد أن حرصنا على علاقات التعاون والصداقة مع الولايات المتحدة الأمريكية لا ينفصل عن التمسك بالاحترام المتبادل، باعتباره أساسًا ثابتًا في علاقات ليبيا مع جميع الدول” 
وكانت تصريحات الرئيس الأمريكي قد أثارت ردود فعل من مؤسسات ليبية في الشرق والغرب، كما استدعت وزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس القائم بالأعمال الأمريكي للاحتجاج رسميا.
في خضم أزمة دبلوماسية أشعلتها تصريحات مسيئة أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بحق ليبيا، ، سارع ترمب إلى احتواء الموقف بتأكيد التزام بلاده بتوحيد مؤسسات ليبيا ودعم انتخاباتها.
لكن هذا التراجع السريع يضع التموضع الأمريكي الراهن في مساحة رمادية، تتأرجح بين انخراط حقيقي في مسار التسوية، ومجرد تدارك لزلة لسان انتخابية لحماية “مبادرة غير مكتوبة” يقودها مستشاره مسعد بولس بعيدا عن أروقة الأمم المتحدة.
اعتذار ضمني وإنقاذ للمبادرة
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي إبراهيم بلقاسم أن الليبيين التقطوا تدوينة ترمب الأخيرة بوصفها “اعتذارا ضمنيا” نادرا من رئيس عُرف بعدم تراجعه عن إساءاته.
ووفق حديث بلقاسم لبرنامج “ما وراء الخبر” على الجزيرة، فإن هذا التدارك هدّأ الغضب الليبي الذي كاد يطيح بجهود مسعد بولس ويجمدها.
وكان ترمب قد أثار غضبا ليبيًّا بسبب وصفه دولا -بينها ليبيا- بكونها “دولا قذرة”، لكنه اعتذر ضمنا لاحقا، وقال إن الشعب الليبي يتميز بالعزة والصمود وحسن الضيافة ويستحق السلام والازدهار، مشيرا إلى أن واشنطن وطرابلس تجمعهما شراكة قوية وراسخة في مجال مكافحة الإرهاب.
وأشار ترمب إلى أن الولايات المتحدة تظل ملتزمة التزاما راسخا بتعزيز العلاقات الثنائية مع ليبيا، ودعم توحيد البلاد ومؤسساتها، والوقوف إلى جانب الشعب الليبي في مسيرته نحو إجراء انتخابات وطنية ناجحة.
ويتفق المسؤول السابق بالخارجية الأمريكية توماس واريك مع طرح بلقاسم، مؤكدا أن ترمب تحدث خلال تجمع انتخابي ارتجالا فأخطأ، ثم لجأ إلى منصته “تروث سوشيال” لتصويب خطئه دون اعتراف صريح به، لضمان عودة جهود مبعوثه إلى مسارها الدبلوماسي.
مقاربة رجال الأعمال والمصالح
على الأرض، تتجاوز التحركات الأمريكية الجانب السياسي الكلاسيكي، إذ يوضح بلقاسم أن مبادرة بولس، التي بدأت لتوحيد السلطة التنفيذية، تشعبت اليوم لتشمل 5 مسارات، أبرزها توحيد الجيش (برعاية تركية-أمريكية)، وتوحيد السلطتين القضائية والرقابية.
وتندفع واشنطن في هذا المسار -حسب بلقاسم- لحماية مصالحها الاقتصادية، حيث حصدت شركاتها مؤخرا 14 امتيازا نفطيا من أصل 22، مما يحتم وجود قوة عسكرية موحدة تحمي هذه المكاسب.
ويفسر واريك بقاء مبادرة بولس “غير مكتوبة” حتى الآن، بخلفيته كرجل أعمال يفضل إبرام الصفقات وعقد التفاهمات المباشرة أولا، ثم ترك صياغة الأوراق للمراحل اللاحقة؛ وهو أسلوب يتناسب مع بيئة ليبيا المعقدة، رغم خطورته المؤسسية.
وتقوم مبادرة بولس على توحيد الحكومة والمؤسسات السيادية، وضمان استقرار قطاع النفط، وتشجيع الاستثمارات الأمريكية، بالتوازي مع بناء قنوات تعاون بين القيادات العسكرية والأمنية في الشرق والغرب.
تجاوز الأمم المتحدة وتغييب المجتمع
هذا الاندفاع الأمريكي المنفرد يثير مخاوف جدية من تهميش المسار الأممي، إذ يشير أستاذ تسوية الصراعات محمد الشرقاوي إلى أن إدارة ترمب تنطلق من نظرة تاريخية تعتبر ليبيا “دولة فاشلة ومليشياوية”، ولا تضع ثقلها خلف مجلس الأمن، بل يعمد بولس للعمل مبعوثا شخصيا وكأنه “يكتب التاريخ من جديد”.
ويقول واريك إن غياب التنسيق مع المبعوثين الأمميين نابع من تشكيك إدارة ترمب في مبادرات المنظمة الدولية.
وتكمن الخطورة الكبرى للمقاربة الأمريكية الحالية في اعتمادها الكلي على تقاسم السلطة بين الطرفين الأقوى في الصراع الساعيين لابتلاع البقية -بحسب بلقاسم- مع إقصاء تام للأحزاب والقوى الوطنية والمجتمعية التي كانت شريكة في حوارات سابقة.
وفي المحصلة، يحذر الشرقاوي من أن توزيع الليبيين لآمالهم بين عواصم النفوذ الخارجي لن يصنع حلا، مؤكدا أن القاعدة الذهبية للاستقرار تتطلب “توافقا ليبيا-ليبيا” داخليا أولا، وألا يتجاوز الدور الخارجي حدود التحفيز.
ولفت إلى أن انتخابات عام 2014 التي لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 18% تقف شاهدة على أن فرض الحلول الفوقية لن يضمن تحقيق إرادة الليبيين واستدامة الاستقرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى