عامر بوعزة:ما كانت الذئاب لتكون ذئابا لو لم تكن النعاج نعاجا.

فنانة تونسية شهيرة نشرت على صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يصور حديقة سيدي بوسعيد في حالة مزرية.
الأوساخ متراكمة في كل مكان، ومظاهر الإهمال الشديد بادية للعيان، والفنانة وثقت بالدليل القاطع كيف أصبح التجوال في هذه الحديقة خطرا على الأطفال بوجود خيوط كهرباء عارية يمكنهم لمسها بسهولة، ودعت بكل لطف إلى نشر الفيديو على أوسع نطاق ممكن حتى يصل أمر الحديقة إلى مسامع المسؤولين، وهي محقّة في ما فعلت طالما أن البلاد لا تدار إلاّ بالفايسبوك!
التعليقات على هذا الفيديو كانت غزيرة، يُعبّر أغلبها عن الاستياء الشديد والتحسّر على ما أصاب هذه الحديقة الفاتنة من ضرر بسبب الإهمال والتقصير، إلا أن بعض الأشخاص قالوا لصاحبة الفيديو: لماذا لا تنظمين حملة نظافة وتساهمين في تحسين الوضع بدل التشهير به على الفايسبوك! وقد وجد هذا الاقتراح عددا كبيرا من المتفاعلين معه،
وأكد بعضهم أن صاحبة الفيديو فنانة ويمكنها بسهولة التأثير في المواطنين وإخراجهم من بيوتهم صبيحة الأحد مثلا لتنظيف حديقة سيدي بوسعيد!
إنه فعلا «شعب عظيم» ذلك الذي هو مستعدّ لفعل أي شيء إلا أن يطالب بحقّه، فإذا كانت الحديقة تغمرها الأوساخ والقاذورات من اليسير اتّهامُ المواطن نفسَه بقلّة التحضّر وعدم احترام البيئة، وإذا كانت أعمدة الكهرباء بلا أبواب واقية فأسهل شيء أن توصي الوالدين بعدم ترك أبنائهم في الحديقة دون رقابة، بل إن أحدهم ذكّر أن ارتياد الحديقة مجاني! وكأنه يطالب بفرض إتاوة ما على المواطنين، أفلا يحمدون ربهم؟
هكذا ينهض خطاب التبرير عندنا على تقريع شديد للذات، بدل مواجهة الفاعل الحقيقي، وإن شعبا يقبل بسهولة أن يعيش دائما داخل قفص الاتهام، هو شعب عظيم في عين السلطة التي تحرس نومه ويقظته وتعدّ عليه أنفاسه وترسم له الأفق الذي يتحرّك فيه، شعب عظيم يغبطها عليه العالم ذلك الذي يمول تسعين في المائة من ميزانية الدولة بالجباية ولا يتكلم، يشتري كيلو الموز بأغلى سعر على الأرض ويسرد عليك كل ما قاله الطب الحديث عن أضرار اللحوم الحمراء بدل المطالبة بحقه في أن تكون في متناوله. يطالب فنانة بتنظيم حملة تنظيف في الحديقة ولا يطالب السلطة بتحديد موعد للانتخابات البلدية!
عندما سئل بعض المواطنين في الدنمارك: كيف يمكن أن تكونوا أسعد شعب في العالم وأنتم تدفعون نصف أجوركم لتمويل ميزانية الدولة عبر الضرائب؟ أجابوا دون تردد لأننا نتمتع مقابل ذلك بخدمات اجتماعية راقية.
أما نحن وفي ظل اقتصاد لا يتّجه بأي شكل من الأشكال لخلق الثروة، يمول المواطن ميزانية الدولة، ولا يتمتع بخدمات عمومية تليق به، ورغم ذلك بعض الناس سعداء، مسالمون، ومستعدون للتضحية، فإذا انقطعت الكهرباء يطالبون بتنظيم الانقطاعات وإعلامهم مسبقا، وإذا اقتربت العودة المدرسية يطالبون الأولياء بإصلاح الشبابيك المكسورة ودهن السبورات، وإذا اعترضهم فيديو عن حديقة سيدي بوسعيد اعتبروا ما فعلته الفنانة مسيئا لصورة تونس وسمعتها.
إننا في تونس لا نعاني فقط من سلطة سياسية عاجزة، بل أيضا من الانتهازيين المتملقين الذين يخلطون بين حب الوطن والهوان. أولئك الذين يطالبون بأي شيء المهم ألا يزعجوا راحة ذلك الذي ركب على ظهورهم المحنية ودلدل رجليه ويسوقهم سوقا مثل الأحمرة،
هؤلاء لم يتعودوا على أن يحبوا البلاد برأس مرفوع.
وقد صدق عزيز ناسين حين قال: ما كانت الذئاب لتكون ذئابا لو لم تكن النعاج نعاجا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى