عامر بوعزة يكتب عن “عقيدة” الادارة التونسية، وزارة التربية نموذجا

نشر الصحفي التونسي المغترب عامر بوعزة تدوينة عما تعرض له احد ابناء هذا الوطن في الداخل، اذ امتنعت  مدرسة اعدادية باريانة عن  تسليمه شهادة خضور  لابنه بحجة  ان الاب منفصل عن زوجته وان الحضانة تتمتع بها الام 
وهو تصرف لا يستند الى اي نص قانوني،  بل  يندرج ضمن ما يصفه عامر بوعزة بعقيدة الادارة في تونس، عقيدة يستوي فيها المنع  بالايجاب  مع ميل طبيعي الى كلمة لا وموش ممكن وارجع غدوة وتوة نشوفو واللجنة ستنظر، وهي عقيدة تعمقت في غياب الامان الوظيفي بعد 25جويلية 2021 تحت راية  محاربة الفساد فاصبح كل اجتهاد  قابلا للتاويل على انه فساد 
وما يؤلم حقا ان الادارة تتدخل في تفاصيل حياة الناس دون موجب  وتخلط بين الحضانة والولاية، فان يكون الاب منفصلا عن زوجته او مطلقا لا يفقده صفته كاب  مسؤول عن ابنائه الا اذا ارادت الادارة  ان تحصر دور الاب في دفع النفقة
الغريب هو  ان بعض التعليقات على ما نشره عامر بوعزة    انغمست في نقاش  عديم الجدوى من قبيل ” علاش ما ياخوش الشهادة من الام؟ وعلاش هو يطلب فيها؟ ” وغيرها من الاسئلة التي تعري  حجم الخراب الذي اصاب البلاد حجرا وبشرا 
واليكم نص ما كتبه عامر بوعزة لعل هذه الصرخة تصل الى وزير التربية  او غيره ممن مازال للقانون معنى عنده 

المعذبون في الأرض
رفضت إدارة مدرسة إعدادية في ولاية أريانة تسليم أب شهادة حضور ابنه بتعلة أنه منفصل عن زوجته، وأنها هي صاحبة الحضانة. هذه واحدة من القصص الواقعية المسكوت عنها، في مجتمعنا، والتي لئن تبدو للبعض بسيطة هينة فإنها تنضح بالمرارة والمعاناة.
إدارة المعهد لا سند لها في القانون يمنعها من تسليم «شهادة حضور» للأب لأنه مطلق! والإدارة هنا تجتهد، لكن اجتهادها يتجه دائما إلى تبرير المنع قبل تشريع الإباحة. لاحظوا أننا لا نتحدث هنا عن سند ملكية من إدارة الأملاك العقارية أو بطاقة رمادية من وكالة النقل البري، ولا عن أي شهادة أخرى لها تداعيات قانونية حاسمة ويشترط التحري في صفة طالبها وموجبات طلبها، نتحدث فقط عن شهادة حضور مدرسية، عن ولي أمر لم يحرمه الطلاق من صفة الولاية، وعن مدير مدرسة. والاثنان مواطنان قد يلتقيان في نهاية الدوام في المقهى ليتذمرا سويا من غلاء المعيشة وركود الحال، وقد يلعبان الورق ويشربان الشاي الأخضر بالنعناع، ويدخنان النارجيلة ويحبان فريقا واحدا ويسهران كل في بيته مع السبوعي، لكن في أوقات العمل الرسمي تستحيل المسؤولية الإدارية جدارا من الخرسانة الصلبة الرمادية يحول بينهما. المسؤولية تفعل ذلك لأنها تشترط عقلا يكبله الخوف فيبدع في ابتكار العراقيل ولأن الإدارة عندنا عموما تبجل النصوص وتقدسها على حساب الإنسان.
قصة هذا المواطن قد تكون فردية خاصّة، لكنها وأمثالها تشكّل ظاهرة عامة في مجتمعنا المعطوب، هذا الأب لا يحتاج في قضية الحال إلا إلى من يمتلك سلطة أعلى من سلطة المدير والمندوب وربما الوزير ليقول له إن ما فعله لا يبرره القانون ولا تقبله الإنسانية، هل يعقل أن يذهب مثلا إلى المحكمة الإدارية لرفع قضية في التعسف من أجل شهادة حضور مدرسية؟! إن آلاف القضايا التي تملأ حياتنا هي قضايا تافهة بلا معنى تشكلت بفعل هذه الرغبة الجامحة التي تجعل صغار الموظفين عندنا ومن هم في مواقع المسؤولية يبالغون ويزايدون ويقدمون المواطن قربانا في معبد القوانين الجائرة والاجتهادات غير الضرورية.
غير بعيد عن قصة الحال، حدثني صديق منذ يومين عن معاناته خلال إجازة قصيرة قضاها (بين أحضان الوطن) في الحصول على شهادة إقامة لاستخراج بطاقة تعريف وطنية لأن فواتير الماء والكهرباء التي يملكها لا تحمل اسمه، ولأن شهادة الملكية لا يسجل عليها عنوان العقار!! وقد عشت تجربة شبيهة عندما طلبت من شركة التأمين مدي بنسخة من عقد تأمين السيارة فامتنعت، ولم يتسنّ لي الحصول على نسخة إلا بعد تقديم تصريح على الشرف معرف بالإمضاء في البلدية يفيد بأن الوثيقة الأصلية ضاعت.
القاسم المشترك بين هذه الأمثلة كلها وفي مقدمتها قصة صاحبنا الذي لا يدري ما ينبغي فعله للحصول على شهادة مدرسية تخص ابنه، هو اجتهاد بعض صغار الموظفين. ما يقيم الدليل على أن البيروقراطية لا تقوم فقط على القوانين البالية التي لم ينفض عنها أحد غبار السنين، بل يحميها موظفون يعشش الغبار في أدمغتهم، ويجعلهم يتفانون في التنكيل بالإنسان خدمة للقوانين، حتى إذا أدى الأمر إلى ابتكارها!
يثبت ذلك أيضا أن في داخل كل مواطن تونسي ديكتاتورا صغيرا يعيش كالمارد المسجون في زجاجة تتقاذفها الأمواج، هذا الديكتاتور يحتاج فقط مساحة صغيرة يتجلّى فيها اسمها (المسؤولية)، أما إذا كانت هذه المساحة في حجم الوطن فأقم علينا مأتما وعويلا..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى