شهدت مواقع التواصل الاجتماعي ليلة البارحة تداولًا واسعًا لمقاطع فيديو صادمة توثق اعتداءات وممارسات عنيفة استهدفت عددًا من المهاجرين القادمين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء.
وقد أثارت هذه المشاهد موجة واسعة من الإدانة والاستنكار في صفوف التونسيات والتونسيين، الذين عبّروا عن رفضهم لهذه الأفعال الوحشية واعتبروها جرائم تتنافى مع القيم الإنسانية والأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع التونسي.
وفي المقابل، أعادت هذه الأحداث إلى الواجهة النقاش حول ملف الهجرة غير النظامية، وما يرافقه من توترات ومخاوف وخطابات متباينة، تتراوح بين التعبير عن هواجس مشروعة وبين السقوط في التعميم والكراهية.
تُعدّ الهجرة غير النظامية اليوم من أبرز القضايا التي تفرض نفسها على الواقع التونسي، ليس فقط بوصفها ظاهرة عابرة، بل كمسار مركّب تتداخل فيه أبعاد اقتصادية واجتماعية وأمنية وإنسانية.
وقد أصبحت تونس، بحكم موقعها الجغرافي القريب من أوروبا وتطور مسارات الهجرة عبر المتوسط، نقطة عبور واستقرار مؤقت لعدد متزايد من المهاجرين القادمين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما جعل هذا الملف في قلب النقاش العام.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن شريحة واسعة من التونسيين تنظر إلى هذه الظاهرة بقدر من القلق المشروع، يرتبط أساسًا بتراكم الضغوط الداخلية، مثل ارتفاع نسب البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، وتفاقم التفاوتات الجهوية، إلى جانب الإحساس العام بضعف الخدمات العمومية في بعض المناطق. هذه العوامل تجعل جزءً من الرأي العام أكثر حساسية تجاه أي تحولات ديمغرافية أو اجتماعية سريعة، خاصة عندما يُنظر إليها من زاوية التنافس على فرص الشغل أو الضغط على البنية التحتية والخدمات.
كما أن غياب المعلومات الدقيقة والشفافة حول حجم الهجرة غير النظامية، وأنماط وجود المهاجرين داخل البلاد، يساهم في تغذية التصورات المبالغ فيها أو غير الدقيقة. ففي كثير من الأحيان، يتم تضخيم بعض الحوادث الفردية أو تقديمها كأنها ظواهر عامة، وهو ما يعمّق مناخ الشك ويزيد من صعوبة بناء فهم موضوعي ومتوازن للواقع.
وفي المقابل، فإن الجرائم أو الاعتداءات التي يتعرض لها المهاجرون أنفسهم لا يجب أن تُقابل بالصمت أو التبرير، لأن احترام القانون وكرامة الإنسان يجب أن يظل مبدأ ثابتًا لا يخضع للهوية أو الجنسية أو الوضعية القانونية للأفراد.
ومع ذلك، فإن معالجة هذه المخاوف لا يمكن أن تتم عبر التعميم أو الانغلاق، بل من خلال الاعتراف بوجود تحديات حقيقية تستدعي سياسات واضحة وفعالة.
فالدولة مدعوة إلى بلورة مقاربة شاملة للهجرة غير النظامية، تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الأمنية المرتبطة بتنظيم الحدود ومكافحة شبكات التهريب، وفي الوقت نفسه تحترم الالتزامات الإنسانية والقانونية تجاه الأفراد الموجودين على التراب التونسي، مهما كانت وضعيتهم.
كما أن إدارة هذا الملف تتطلب تعزيز التواصل العمومي وتقديم معطيات دقيقة للرأي العام، بما يحد من انتشار الإشاعات ويخفف من مناخ التوتر. فغياب المعلومة الرسمية يفتح المجال أمام التأويلات، ويجعل الخوف يتغذى على الفراغ المعرفي بدل الحقائق.
ومن جهة أخرى، فإن التعامل المتوازن مع الهجرة غير النظامية يقتضي أيضًا الاستثمار في التعاون الإقليمي والدولي، باعتبار أن الظاهرة لا يمكن لأي دولة مواجهتها منفردة. فالأسباب العميقة للهجرة، من نزاعات وفقر وتغيرات مناخية، تتجاوز الحدود الوطنية، ما يستدعي مقاربات مشتركة ومستدامة.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين الهواجس المشروعة لقطاعات واسعة من المجتمع، والتي ترتبط أساسًا بالأمن الاجتماعي والاقتصادي، وبين الخطابات التي قد تنزلق نحو التعميم أو الإقصاء أو التحريض.
Screenshot
فالمخاوف في حد ذاتها يمكن أن تكون نقطة انطلاق لنقاش عقلاني وبنّاء، شرط أن تُدار ضمن إطار من المسؤولية والهدوء، بعيدًا عن التوتر أو الكراهية. كما أن إدانة الاعتداءات التي تستهدف المهاجرين لا تعني إنكار التحديات المرتبطة بالهجرة غير النظامية، تمامًا كما أن المطالبة بتنظيم الظاهرة لا يمكن أن تتحول إلى مبرر للمساس بحقوق الأفراد أو كرامتهم.
وتظل الهجرة غير النظامية واقعًا معقدًا يتطلب مقاربة متوازنة، تضمن من جهة حق الدولة في تنظيم حدودها وحماية استقرارها، ومن جهة أخرى احترام الكرامة الإنسانية وتفادي الانزلاق نحو سياسات أو خطابات قد تزيد من حدة الاحتقان بدل معالجته. فالمجتمعات تُقاس بقدرتها على إدارة أزماتها بحكمة وعدالة، لا بمدى استعدادها للتخلي عن قيمها الإنسانية عندما تشتد الضغوط وتتفاقم التحديات.