عامر بوعزة:أكاذيب وحقائق

بين ايديكم مقال من جنس المقالات التي تكتب بنبضات القلب ورفة العين ، مقال يعلق فيه الكاتب والشاعر والصحافي التونسي عامر بوعزة  المقيم بعيدا عن ّ” البلاد الهايلة ” على تدوينة الاستاذة رجاء بن سلامة  التي ادرجتها  في  خانة النقد الذاتي الذي دعت جميع الاطراف الى القيام به  للمساهمة في بناء مستقبل افضل للاجيال القادمة(العجيب ان من يدعون البناء يرفعون هذا الشعار وكذلك من يخربون البلدان بمعاول الهدم، الكل يزعم البناء والتشييد  للاجيال القادمة تحديدا اما الاجيال الحاضرة فلا يهم ان القينا بها في سبخة الكلبية او في ظلمات المرناقية) 

بطبيعة الحال ، رافعو شعار” نكبتنا في نخبتنا”  لا ننصحهم بقراءة المقال فقد يسبب لهم  مغصا في الامعاء  بسبب عسر الهضم، واولئك الذين لا يقوون على خط فقرة سليمة لغويا يمكنهم الاكتفاء بسب رجاء بن سبلامة او مديحها على الفيسبوك،  المقال موجه حصرا لمن يريد ان يعمل الفكر ويرى الامور بعينين مفتوحتين لا من ثقب الباب،وبا ليت كثيرين من  اساتذة الجامعات  الذين يعدون بالالاف يساهمون في النقاش العام – على الاقل  خلال عطلهم الصيفية- وينسون ولو مؤقتا انهم يعملون فقط من اجل الخبزة ويتخلون ولو مؤقتا عن الصفة التي التي اسندها لهم “زميلهم”  المشاكس المولدي قسومي ” افندية الرغيف” 
وهذا نص مقال عامر بوعزة” 

غيّرت الدكتورة رجاء بن سلامة في تدوينة مقتضبة موقفها من أربع قضايا سياسية حارقة دفعة واحدة: قضية التعويضات المالية التي قيل إنها أسندت إلى مناضلي الاتجاه الإسلامي، وقضية الهبة الصينية التي قيل إنها حُوِّلت لحساب رفيق عبد السلام صهر راشد الغنوشي لما كان وزيرا للخارجية، واتهام النهضة بتدبير الاغتيالات السياسية، وأخيرا شيطنة العدالة الانتقالية واتهام رئيستها بالاستيلاء على المال العام. ولئن كانت «اعترافات المطر الأخير» هذه حقّا شخصيا لصاحبتها لا ينازعها فيه أحد، فإن إمكانية الاعتداد بها في سياق أي حملة يمكن أن تهدف إلى تغيير الحقائق وتزييف التاريخ والتفصّي من المسؤولية، تدفع إلى التفاعل معها، فالأمر يتعلّق بالمستقبل بقدر ما هو عالق في شباك الماضي.
إنّ هذه المسائل الأربعة التي أصبحت الدكتورة تعتبرها اليوم في إطار نقدها الذاتيّ وبجرة قلم «أكاذيب قاتلة» ليست إلا العلامات الظاهرة التي تبدو على جسم المريض عندما يتطوّر في داخله المرض، وكثيرة هي البثور والدمّل التي يشخّصها الأطبّاء بتسرّع مجرّد التهابات جلديّة عابرة بينما هي في الحقيقة تخفي وراءها انتشارا مميتا لداء عضال.
وأكاذيب الفايسبوك ليست سوى أعراض جانبية لأمراض أشدّ خطرا على المجتمع، تك الأمراض التي فتكت بالانتقال الديمقراطي وأفضت بنا إلى ما نحن فيه، ولا يمكن الآن لهذه الطرف أو ذاك أن يتبرأ منها بسهولة، فالنقد الذاتي الذي تدعو إليه الدكتورة لا معنى له إذا لم يكن بشجاعة أخلاقية وباستعداد تام لتحمل المسؤولية.
قضية التعويضات المالية مثلا، يُنظر فيها اليوم إلى القائمات الطويلة التي أعدتها هيئة الحقيقة والكرامة في إطار «جبر الضرر»، ويعتقد قطاع كبير من الرأي العام أن مناضلي الاتجاه الإسلامي حصلوا بموجبها على أموال طائلة، وهذا فعلا غير صحيح لأن «صندوق الكرامة» لم يُفعّل إلى آخر لحظة قبل 25 جويلية 2021، لكن الاحتجاج بهذه الكذبة لا ينبغي أن يحجب عنا أن الآلاف تمتعوا بموجب العفو التشريعي العام لا بالعودة فقط إلى الوظائف التي أبعدوا منها بل بترميم المسار المهني كاملا، وقد شكّل ذلك عبئا ماليا ضخما  وأغرق الوظيفة العمومية وجعل نفقات الدولة في القطاع العام تتجاوز الخطوط القصوى.
ويبدو الآن الخلط في الأذهان بين المسألتين متعمدا في سياق تعزيز المظلومية.
أما رفيق عبد السلام، فهو لوحده عنوان بارز للمحسوبية السياسية، وقد أقامت حركة النهضة بتعيينه وزيرا للخارجية وهو صهر لرئيسها الدليل على استخفافها الواضح بوجدان الشعب التونسي الذي كانت «العائلة» أحد أهم أسباب ثورته على نظام بن علي، فهل كان صعبا على رئيس الحركة آنذاك أن «يعفّ عن المغنَم» ويترفّع عن شهوات بطانته ويتخيّر شخصا آخر لذلك المنصب درءا للشبهات، لا سيما أن صهره ليس كفاءة استثنائية يصعب تخطيها، ولم يعرف له ماض في السلك الدبلوماسي يبرر توليته تلك الوزارة؟!
أما عجز القضاء عن إثبات أي دور ملموس للنهضة في عمليتي الاغتيال الشهيرتين للعام 2013، فلا يحجب عنا المسؤولية السياسية التي ينبغي ان تتحملها الترويكا في انتشار ظاهرة الإرهاب، بداية من دفاع النهضة بقوة على ضرورة ألا يستثني العفو التشريعي العام المسجونين في «قضية سليمان»، وكثير من هؤلاء بعد أن أخرجوا من السجون ومنحوا حق التظاهر والنشاط إسوة ببقية الأحزاب رغبة من السلطة في إدماجهم عنوة في المشهد السياسي رفعوا في وجه الدولة السلاح مجددا.
 لقد مثل الخلط بين «سجناء الانتماء» و«الإرهابيين» نقطة جوهرية حاسمة في علاقة «الحكام الجدد» بالتاريخ والنظام والشعب، إذ سبقت إعلان علي العريض «أنصار الشريعة» منظمة إرهابية العديدُ من المواقف المرتبكة التي بدا فيها التداخل واضحا بين حركة النهضة والقواعد السلفية. ولئن كانت الإشاعات التي طالت أحد وزراء النهضة مثلا واتهمته بامتلاك يخت فاخر تبدو مضحكة بلهاء قد تصدقها الدكتورة رجاء، فإن دعواته تحت قبة المجلس النيابي إلى اعتبار أحد منفذي الاعتداءات الإرهابية على فنادق المنستير في 1987 والذي نفذ فيه حكم الإعدام شهيدا أمر لا يمكن تجاهله (وقد كتبت عن ذلك في الإبان ووثقته في أحد إصداراتي، فلست ممن يكتبون بعد فوات الأوان).
أما شيطنة هيئة الحقيقة والكرامة واتهام رئيستها بشتى الاتهامات، فلا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة فشل هذه الهيئة، وهو فشل لا يقتصر ضرره على المال العام، بل قد يكون ذلك بلا معنى في سياق التحول المجتمعي الذي كنا على أبوابه بعد سقوط نظام بن علي. بماذا بررت النهضة والترويكا عموما مشروع العدالة الانتقالية؟ لقد قيل لنا آنذاك: حتى لا يعود الاستبداد! واستقبل التونسيون الهيئة وفعالياتها المختلفة أملا في أن تكون المصارحة سبيلا للمصالحة (كما قيل لنا أيضا)، لكن لم يحدث شيء من هذا إطلاقا، فقد عاد الاستبداد، ولم تعرف بلادنا أي نوع من المصالحة، بل ازدادت الجروح تعفنا وتوسعت رقعة الانقسامات.
لو قارنا أنفسنا برواندا التي أزهقت فيها الحرب الأهلية ملايين الأرواح ثم اهتدت إلى السلم الاجتماعي، أو جنوب إفريقيا التي عصف بها الميز العنصري ثم تداوت من جراحها، لرأينا في الأمر ما يثير الاستغراب، لكأن الرغبة كانت منذ البداية عكس ما وقع التصريح به، وكأن السلطة آنذاك لم تكن جادة منذ البداية في تحقيق الصلح مع مختلف مكونات المجتمع وطيّ الصفحة، ما يعزز هذا الانطباع إصرارها في نطاق «المحاصصة الغنائمية» على رئيسة الهيئة تلك والتي بصرف النظر عن كل ما يطالها من أكاذيب وشائعات قد لا يصدقها العقل، لم تكن تحظى بالإجماع الذي يقتضيه ذلك المنصب!
لقد بسّطت الدكتورة رجاء بن سلامة بتدوينتها المسألة وميّعتها إلى الحدّ الذي جعلها تختصر ما حدث في الدور السلبي لصفحات الاجتماعي، وحتى في هذه يجدر بنا أن نذكرها بما فعله «الذباب الأزرق» بنا وكيف لوثت الصفحات التي كانت تأتمر بأوامر صادرة من «مونبليزير» المناخ العام، وبعد أن كان الفايسبوك أداة من أدوات التعبير عن الذات في ظل القمع المفروض على الصحافة، صار بعد «الثورة» أداة تستخدمها السلطة للتلاعب بعقول العوام، ثم بتلازم الفعل ورد الفعل غرقنا شيئا فشيئا في العفن.
لا معنى للنقد الذاتي إذا لم يكن على قاعدة الاعتراف والنزاهة والمسؤولية، فالتاريخ الحقيقي لا يمكن تغيير وجهته بالتدوينات، فما قول الدكتورة مثلا عن مسؤولية النهضة في صعود قيس سعيد إلى الحكم؟ وفي عدم منحها الثقة لحكومة هي التي اختارت رئيسها؟ ما جعل المبادرة تنتقل إلى الرئيس بمقتضى الدستور! ما قولها في إسقاطها حكومة الفخفاخ ولها فيها ستة وزراء بينما التونسيون يموتون في الشوارع جراء الكوفيد؟ ما قولها في تهديدات عبد الكريم الهاروني بتحريك الشارع إذا لم يتم تفعيل صندوق الكرامة قبل يوم 25 جويلية 2021 موفرا لتفعيل الفصل 80 حاضنة شعبية هائلة؟!
إن مشكلتنا الحقيقة اليوم ليست مع الأكاذيب الصغيرة، بل مع الحقائق الكبيرة، والأكثر إزعاجا في الموضوع هو هذا التلازم الأبدي بين مقاومة الاستبداد والتبشير بالإسلام السياسي، فكلما ادلهمت الآفاق الديمقراطية يعود الحديث عن الإسلاميين وتعزيز مظلوميتهم بتقديمهم في صورة «المفترى عليه دائما وأبدا» وكأنما لا وجود لخطط سياسي بديل أو مقترح ديمقراطي خارج هذه الثنائية. لا علاقة لهذا بفوبيا الاستئصال لكن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تتقدم دون مساءلة وتحمل شجاع للمسؤولية قبل التقدم مجددا لأي استحقاق وإن كان الأمر يبدو شبه مستحيل الآن.
زر الذهاب إلى الأعلى