الفاهم بوكدوس:بعد قتل السياسة، وصلنا إلى التهديد بقتل السياسيين؟

ليس من الطبيعي أن يتحول الخلاف السياسي إلى دعوات صريحة للقتل أو التصفية. فمهما بلغت حدة الاختلافات، ومهما كانت المواقف متناقضة، فإن الحق في الحياة والأمن الشخصي حق لا يقبل المساومة، كما أن التحريض على العنف لا يمكن اعتباره رأيا أو شكلا من أشكال حرية التعبير، بل هو اعتداء على أسس الدولة والقانون.
ان التهديدات التي استهدفت الأمين العام لحزب العمال حمة الهمامي، إلى جانب شخصيات سياسية أخرى، تستوجب إدانة واضحة وصريحة، ليس بسبب هوية المستهدفين أو مواقعهم السياسية، وإنما دفاعا عن مبدأ أساسي: لا يمكن أن تستقيم الحياة العامة إذا أصبح التهديد بالقتل إحدى أدوات إدارة الخلاف السياسي. فالدفاع عن حق الخصم في الأمن والحياة هو دفاع عن حق الجميع في ممارسة السياسة دون خوف.
لقد شهدت تونس خلال السنوات الأخيرة تراجعا متواصلا في المجال السياسي. فبدل أن يكون التنافس قائما على البرامج والأفكار، تقلصت مساحات الحوار، وتراجعت الوسائط الديمقراطية، وتحول جزء مهم من الصراع السياسي إلى مسارات قضائية، وتزايد خطاب التخوين والتشويه والإقصاء. ومع إضعاف السياسة وإفراغها من وظائفها الطبيعية، يصبح المجال العام أكثر قابلية لاستقبال خطاب الغضب والكراهية والعنف.
ولم يعد خافيا أن شبكات التواصل الاجتماعي تحولت في كثير من الأحيان إلى فضاء تديره صفحات وحسابات تقوم على التحريض والسب والتشهير أكثر مما تقوم على النقاش، بما ساهم في تطبيع العنف اللفظي وتجريد الخصوم من إنسانيتهم.
وعندما يصبح العنف في اللغة أمرا عاديا، فإن الانتقال إلى التهديد بالعنف المادي لا يعود مجرد احتمال نظري، بل يصبح خطرا حقيقيا يجب التعامل معه بكل جدية.
ويزيد من خطورة هذا المشهد أن الذاكرة الوطنية ما تزال تحتفظ بتجربة أليمة، حين سبقت حملات التحريض والتخوين اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. لذلك فإن أي دعوة إلى القتل، لا ينبغي التقليل من شأنها أو التعامل معها باعتبارها مجرد انفعال عابر، لأن خطابات الكراهية كثيرا ما تبدأ بكلمات وتنتهي بأفعال.
وفي هذا السياق، فإن المسؤولية الأولى هي مسؤولية سياسية وقانونية تتحملها الدولة. فمن واجب السلطة أن تعلن موقفا واضحا لا لبس فيه برفض التحريض على العنف والقتل، وأن توفر الحماية لكل المواطنين دون تمييز، وأن تضمن التطبيق الصارم للقانون على كل من يهدد أو يحرض أو يدعو إلى تصفية خصومه السياسيين، بصرف النظر عن انتمائه أو موقعه أو الجهة التي يستهدفها. فالدولة التي تحتكر استعمال القوة لا يجوز أن تتسامح مع الدعوات إلى ممارسة العنف خارج إطار القانون، لأن ذلك يقوض هيبتها ويهدد السلم الأهلي.
وتأتي بعد ذلك مسؤولية الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والنخب الفكرية في رفض هذا الخطاب دون انتقائية، وفي ترسيخ ثقافة الاختلاف السلمي، وعدم توفير أي غطاء سياسي أو إعلامي أو أخلاقي لخطابات الكراهية والتحريض، لأن الصمت عنها أو تبريرها لا يقل خطورة عن إنتاجها.
إن الديمقراطية لا تعني غياب الصراع، بل تعني تنظيمه وفق قواعد القانون والاحترام المتبادل. والسياسة لا تزدهر إلا عندما يكون الخصم منافسا في الرأي لا هدفا للإلغاء أو التصفية. أما إذا أصبح التهديد بالقتل لغة مقبولة في المجال العام، فإن الخطر لن يقتصر على الأشخاص المستهدفين، بل سيمتد إلى المجتمع والدولة ومستقبل الحياة السياسية بأكملها.
إن الدفاع عن حق أي سياسي،هو دفاع عن فكرة السياسة نفسها، وعن حق المجتمع في أن تدار خلافاته بالحجة والاحتكام إلى القانون، لا بالخوف والعنف. فحين تُقتل السياسة، يصبح قتل السياسيين احتمالًا يهدد الجميع، وحينها لا يكون أحد بمنأى عن داءرة العنف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى