الفاهم بوكدوس:وداعًا للساعة… أهلاً بجدول انقطاع الكهرباء

كنا في الماضي نشتري الساعات الصينية الرخيصة، ونمزح بأنها تسبق أحيانًا وتتأخر أحيانًا أخرى. ومع ذلك، كانت هي المرجع الوحيد لتنظيم حياتنا: موعد العمل، وموعد الحافلة، وموعد الطبيب، وموعد النوم، وحتى موعد اللقاء مع الأصدقاء.
أما اليوم، فقد دخلنا مرحلة جديدة من التطور الحياتي والإداري. لم تعد الساعة هي التي تضبط إيقاع يومنا، بل جدول انقطاع الكهرباء.
لم يعد السؤال: “كم الساعة؟”، بل أصبح: “قصّوا الضو والا مازال؟” أو “وقتاش يجي دورنا؟”.
وصارت حياتنا اليومية تُدار بمنطق جديد:
اشحن الهاتف… قبل القصان.
شغّل الغسالة… قبل القصان.
اطبخ الغداء… قبل القصان.
اشحن الحاسوب… قبل القصان.
استحم… قبل القصان.
وإذا كان لديك اجتماع أو عمل عن بعد، فالأفضل أن تستشير جدول الانقطاعات قبل أن تستشير الساعة.
حتى المواعيد بين الأصدقاء تغيرت لغتها. لم نعد نقول: “نتلاقاو الثمانية”، بل: “نتلاقاو بعد ما يرجع الضو.”
أما الحياة العاطفية، فقد أثبتت هي الأخرى قدرة تونسية عجيبة على التأقلم مع الأزمات. لم يعد العشاق يختلفون حول اختيار المطعم أو المقهى أو توقيت اللقاء، بل حول جدول الانقطاعات. صار السؤال الأول قبل أي موعد: “عندكم الضو موجود في الوقت هذا؟”.
وإذا كان أحد الطرفين يعيش في منطقة ينقطع فيها التيار، فقد أصبح من الحكمة تأجيل الرومانسية إلى إشعار آخر.
أما داخل البيوت، فقد أصبحت الحميمية نفسها تحتاج إلى تخطيط مسبق. ليس لأن الحب فقد عفويته، بل لأن الإنارة، والمكيف، والماء الساخن، وشحن الهواتف، كلها أصبحت عناصر تدخل في حسابات اللحظة. وكأن العلاقات الإنسانية تحولت إلى مشروع يحتاج إلى دراسة جدوى، وجدول زمني، وخطة بديلة في حال جاء القص قبل الموعد بدقائق.
وربما قريبًا ستظهر تطبيقات جديدة لتنسيق المواعيد العاطفية لا تسأل عن توافق الأبراج، بل عن توافق مناطق التزويد بالكهرباء. وقد تصبح العبارة الأكثر رومانسية في تونس: “اطمئن… عندنا الضو حتى للعشرة.”
أما بطاقات الأفراح، فقد يُضاف إليها تنبيه صغير يقول: “يرجى الحضور قبل موعد انقطاع الكهرباء، حفاظًا على أجواء الاحتفال.” وحتى عبارة “عشاء على ضوء الشموع” ستفقد معناها الرومانسي، لأنها لن تكون اختيارًا، بل جزءً من برنامج الشركة.
أما السياسة؟ فلا خوف عليها… فهي منذ سنوات تعيش أصلًا على وقع التجفيف. المجال العام مقطوع، والحياة السياسية تعاني انقطاعات أطول بكثير من انقطاع الكهرباء. الأحزاب غائبة أو مغيّبة، والنقاش العمومي يزداد ضيقًا، والاختلاف أصبح يستهلك طاقة أكثر مما تنتجه البلاد. لذلك قد تكون السياسة القطاع الوحيد الذي لن يتضرر كثيرًا من انقطاع التيار، لأنها اعتادت منذ زمن العمل في العتمة.
والأطرف من كل ذلك أننا أصبحنا نتلقى رزنامة الانقطاعات فنشعر للحظة أننا أمام دولة تخطط بدقة. صحيح أن الكهرباء ستنقطع، لكن على الأقل ستنقطع في موعد معلوم! لقد تحقق أخيرًا حلم التنظيم… ليس بتنظيم الخدمات حتى تستمر، وإنما بتنظيم مواعيد توقفها.
وهكذا، انتقلنا من ضبط حياتنا بالساعات إلى ضبطها ببلاغات الانقطاع. أصبح يوم التونسي مقسمًا إلى فترتين لا ثالث لهما: قبل القص وبعد رجوع الضو.
لقد نجحت الدولة أخيرًا في توحيد التونسيين حول رزنامة واحدة. ليست الروزنامة المدرسية، ولا الروزنامة الانتخابية، ولا حتى الروزنامة الإدارية… بل روزنامة انقطاع الكهرباء. فهي الوثيقة الوحيدة التي ينتظرها الجميع، ويبنون عليها مواعيدهم، وأعمالهم، وعلاقاتهم، وحتى تفاصيل حياتهم الخاصة.
ولعل المفارقة الأشد سخرية أن الكهرباء وحدها أصبحت تُقطع وفق برنامج معلن، بينما تُقطع أشياء أخرى في صمت: السياسة، والنقاش العام، والثقة، والأمل في المستقبل. غير أن الفرق يبقى بسيطًا؛ فالكهرباء، مهما طال انقطاعها، تعود في نهاية اليوم… أما ما انقطع في الحياة العامة، فما زال ينتظر منذ سنوات جدولًا رسميًا يعلن موعد عودته
كنا في الماضي نشتري الساعات الصينية الرخيصة، ونمزح بأنها تسبق أحيانًا وتتأخر أحيانًا أخرى. ومع ذلك، كانت هي المرجع الوحيد لتنظيم حياتنا: موعد العمل، وموعد الحافلة، وموعد الطبيب، وموعد النوم، وحتى موعد اللقاء مع الأصدقاء.
أما اليوم، فقد دخلنا مرحلة جديدة من التطور الحياتي والإداري. لم تعد الساعة هي التي تضبط إيقاع يومنا، بل جدول انقطاع الكهرباء.
لم يعد السؤال: “كم الساعة؟”، بل أصبح: “قصّوا الضو والا مازال؟” أو “وقتاش يجي دورنا؟”.
وصارت حياتنا اليومية تُدار بمنطق جديد:
اشحن الهاتف… قبل القصان.
شغّل الغسالة… قبل القصان.
اطبخ الغداء… قبل القصان.
اشحن الحاسوب… قبل القصان.
استحم… قبل القصان.
وإذا كان لديك اجتماع أو عمل عن بعد، فالأفضل أن تستشير جدول الانقطاعات قبل أن تستشير الساعة.
حتى المواعيد بين الأصدقاء تغيرت لغتها. لم نعد نقول: “نتلاقاو الثمانية”، بل: “نتلاقاو بعد ما يرجع الضو.”
أما الحياة العاطفية، فقد أثبتت هي الأخرى قدرة تونسية عجيبة على التأقلم مع الأزمات.
لم يعد العشاق يختلفون حول اختيار المطعم أو المقهى أو توقيت اللقاء، بل حول جدول الانقطاعات. صار السؤال الأول قبل أي موعد: “عندكم الضو موجود في الوقت هذا؟”. وإذا كان أحد الطرفين يعيش في منطقة ينقطع فيها التيار، فقد أصبح من الحكمة تأجيل الرومانسية إلى إشعار آخر.
أما داخل البيوت، فقد أصبحت الحميمية نفسها تحتاج إلى تخطيط مسبق. ليس لأن الحب فقد عفويته، بل لأن الإنارة، والمكيف، والماء الساخن، وشحن الهواتف، كلها أصبحت عناصر تدخل في حسابات اللحظة. وكأن العلاقات الإنسانية تحولت إلى مشروع يحتاج إلى دراسة جدوى، وجدول زمني، وخطة بديلة في حال جاء القص قبل الموعد بدقائق.
وربما قريبًا ستظهر تطبيقات جديدة لتنسيق المواعيد العاطفية لا تسأل عن توافق الأبراج، بل عن توافق مناطق التزويد بالكهرباء. وقد تصبح العبارة الأكثر رومانسية في تونس: “اطمئن… عندنا الضو حتى للعشرة.” أما بطاقات الأفراح، فقد يُضاف إليها تنبيه صغير يقول: “يرجى الحضور قبل موعد انقطاع الكهرباء، حفاظًا على أجواء الاحتفال.” وحتى عبارة “عشاء على ضوء الشموع” ستفقد معناها الرومانسي، لأنها لن تكون اختيارًا، بل جزءً من برنامج الشركة.
أما السياسة؟ فلا خوف عليها… فهي منذ سنوات تعيش أصلًا على وقع التجفيف. المجال العام مقطوع، والحياة السياسية تعاني انقطاعات أطول بكثير من انقطاع الكهرباء. الأحزاب غائبة أو مغيّبة، والنقاش العمومي يزداد ضيقًا، والاختلاف أصبح يستهلك طاقة أكثر مما تنتجه البلاد. لذلك قد تكون السياسة القطاع الوحيد الذي لن يتضرر كثيرًا من انقطاع التيار، لأنها اعتادت منذ زمن العمل في العتمة.
والأطرف من كل ذلك أننا أصبحنا نتلقى رزنامة الانقطاعات فنشعر للحظة أننا أمام دولة تخطط بدقة. صحيح أن الكهرباء ستنقطع، لكن على الأقل ستنقطع في موعد معلوم! لقد تحقق أخيرًا حلم التنظيم… ليس بتنظيم الخدمات حتى تستمر، وإنما بتنظيم مواعيد توقفها.
وهكذا، انتقلنا من ضبط حياتنا بالساعات إلى ضبطها ببلاغات الانقطاع. أصبح يوم التونسي مقسمًا إلى فترتين لا ثالث لهما: قبل القص وبعد رجوع الضو.
لقد نجحت الدولة أخيرًا في توحيد التونسيين حول رزنامة واحدة. ليست الروزنامة المدرسية، ولا الروزنامة الانتخابية، ولا حتى الروزنامة الإدارية… بل روزنامة انقطاع الكهرباء. فهي الوثيقة الوحيدة التي ينتظرها الجميع، ويبنون عليها مواعيدهم، وأعمالهم، وعلاقاتهم، وحتى تفاصيل حياتهم الخاصة.
ولعل المفارقة الأشد سخرية أن الكهرباء وحدها أصبحت تُقطع وفق برنامج معلن، بينما تُقطع أشياء أخرى في صمت: السياسة، والنقاش العام، والثقة، والأمل في المستقبل. غير أن الفرق يبقى بسيطًا؛ فالكهرباء، مهما طال انقطاعها، تعود في نهاية اليوم… أما ما انقطع في الحياة العامة، فما زال ينتظر منذ سنوات جدولًا رسميًا يعلن موعد عودته




