عامر بوعزة:ما بعد قيس سعيّد…

الحديث عن مستقبل تونس شأن تونسي. هذا ما ينبغي أن نتّفق فيه، فها هنا الحدّ الفاصل الحقيقي بين معارضة النظام بشكل مشروع وخيانة الوطن.
,إن تفريغ الساحة الوطنية من كل جدل ديمقراطي حرّ لا يؤدي إلا إلى مثل هذا الطريق: أن يقترح علينا مقال مشبوه في صحيفة إيطالية خليفة الرئيس، ويا للمفارقة! فكثير من القمع الذي طال الصحفيين سببه العلاقة المشبوهة مع إيطاليا، وها هي تبادر اليوم عبر صحافتها الحرة إلى طرح مسألة الخلافة في تونس!!
نتحدّث عن مرحلة «ما بعد قيس سعيّد»، لأنه لم يوجد في مختلف مراحل التاريخ حاكم خلد في منصبه وظلّ ماسكا بصولجانه إلى الأبد، ومن المؤكد أن لا أحد كان يجرؤ في ذلك الزمن البعيد على أن يقول لفلاديمير لينين وهو يحكم: إن جسده الممدّد في كسوته والمحنّط في هيبته سيصبح جزءا من مسار سياحي لزوار موسكو والساحة الحمراء!، إن الحديث عن المستقبل ليس جريمة أو أمرا لا يعنينا، حتى وإن كان يهمّ الأجيال المقبلة أكثر مما يهمّنا نحن.

يميل البعض إلى اعتبار ما حدث بالونا للاختبار تطلقه بعض الجهات الأجنبية لتحدّد مواصفات الرئيس المقبل في تونس. وذلك في إطار النظرية العامة التي تعتقد أن كل ما يحدث من تحولات في بلادنا منذ سقوط نظام بن علي هو من صنع أجهزة المخابرات و«الغرف المظلمة» في الدول العظمى، وفي الدول «الشقيقة والصديقة» التي نالت نصيبها من الكعكة أيضا، ففي خضم الانفلات الذي عاشته البلاد بعد السقوط الدراماتيكي لذلك النظام انفتحت الأبواب على مصراعيها أمام الجميع..
وهذه النظرية مريحة جدا للجميع! للأطياف السياسية التي تريد أن تتطهّر من ذنوبها، وتطمس معالم مسؤوليتها فيما حدث، فسردية المؤامرة التي تغذيها مثل هذه الكتابات المشبوهة التي تدسّ أنفها بوقاحة لا نظير لها في ما لا يعنيها تقطع الطريق أمام كل مساءلة سياسية محلية، وهكذا بدل تحديد مسؤولية النخب في ما آل إليه الوضع السياسي من اختناق وتصلب، يتبنى أغلبهم سردية المؤامرة و يعلقون على مشجب الخيانات كل التفاسير الممكنة لإقناع الرعاع بالمظلومية وبأنهم محكومون من الخارج.
أما الرأي العام فلا يختلف كثيرا عن نخبته، لأن نظرية اليد الخفية التي تحدّد من يحكم تونس في كل العهود جذابة ومغرية، ومليئة بالإثارة والتشويق، وهي فضلا عن كل ما يكتنفها من غموض تعفي المواطن الكريم من الإحساس بمسؤوليته، هو الذي ذهب إلى صناديق الانتخاب في ثلاث مناسبات خلال عشرية الانتقال الديمقراطي وقال كلمته بكل حرية واختار، وهو الذي يصفق ويهتف لكل من يركب صهوة الاستبداد، وتظاهره بأنه مجرد متفرج في مسرح للدمى يعفيه من استخلاص الدروس وتحمل المسؤولية.
قطاع عريض من الرأي العام وقع في الفخّ وبدأ يناقش «مواصفات الرئيس المقبل» بينما المشكلة ليست في «من يخلف قيس سعيد؟» بل كيف نذهب إلى «الديمقراطية» بشكل لا رجعة فيه، الديمقراطية التي يتغير فيها الرؤساء وتظل المؤسسات أقوى من الأشخاص، الديمقراطية التي تعني التنافس على البرامج السياسية، والتداول السلمي على السلطة، وتعني المسؤولية المجتمعية القائمة على الحق والواجب، كيف نقطع الطريق أمام كل من يتطاول على الحرية، وكيف نلائم بين جاذبية الشعار السياسي وإمكان تحققه في الواقع.
نحن أمام تحدّ حضاري حقيقي وهم يبحثون لنا عن صنم جديد نعبده!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى