عندما يُربك التبرير منطق المساءلة داخل البرلمان

بقلم الفاهم بوكدّوس

في افتتاح الجلسة العامة المنعقدة اليوم الثلاثاء 14 أفريل 2026، ألقى رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة كلمة باسم النواب، عبّر فيها عن رفضه لما ورد في تصريحات النائب طارق المهدي خلال مداخلة سابقة أثارت جدلاً واسعاً. وقد سعى بودربالة، من خلال خطابه، إلى تقديم مقاربة برلمانية تستند إلى المنظومة الكونية لحقوق الإنسان، مؤكداً على مبادئ المساواة وعدم التمييز بين الأفراد والمجموعات، خاصة في ما يتعلق بملف الهجرة غير النظامية.
واعتمد رئيس المجلس معجماً قانونياً وحقوقياً واضحاً، حاول من خلاله تعديل خطاب سائد وممارسات متكررة وُصفت في عديد المناسبات بالطابع العنصري والتمييزي، مشدداً على التزام المؤسسة التشريعية باحترام الحقوق الأساسية وصون الكرامة الإنسانية، في انسجام مع المعاهدات الدولية والتشريعات الوطنية.
غير أنّ هذا البناء القيمي والحقوقي الذي قدّمه بودربالة سرعان ما تهاوى في خاتمة كلمته، حين صرّح بأن «ما حصل لا يعبّر حتى بالنسبة للشخص الذي تفوّه بتلك الكلمات بصورة صادقة عمّا يفكّر فيه». فهذه العبارة، بدل أن تعزّز منطق المساءلة، فتحت باباً واسعاً للتأويل، وأضعفت الرسالة الأصلية التي سعى إلى ترسيخها، إذ بدت وكأنها تبرير ضمني أو تخفيف من وطأة التصريح موضوع الجدل.
ويتمثل الخطأ الاتصالي الكبير في كون هذا التصريح ينقل النقاش من مستوى الأفعال والتصريحات إلى مستوى النوايا والضمائر، وهو مجال لا يمكن التثبت منه ولا مساءلته. فالمؤسسات، وخاصة التشريعية منها، تُبنى مواقفها على ما يُقال ويُفعل في الفضاء العام، لا على ما يُفترض أنه مقصود أو غير مقصود. بذلك، يُفقد الخطاب الرسمي دقته وصرامته، ويُربك الرأي العام بدل أن يوضّح له المعايير المعتمدة في التقييم والمحاسبة.
كما أن هذا التفسير يخلق سابقة خطيرة في التعاطي مع التصريحات المثيرة للجدل، إذ قد يُفهم منه أن بإمكان أي مسؤول أو نائب التنصل من تبعات كلامه بدعوى أنه لا يعكس “تفكيره الحقيقي”. وهو ما من شأنه أن يضعف ثقافة المسؤولية السياسية، ويقوّض الثقة في الخطاب البرلماني، خاصة في سياق حساس يتعلق بقضايا الهجرة وحقوق الإنسان، حيث تكون الكلمات محمّلة بدلالات قانونية وأخلاقية عميقة.
الأخطر من ذلك أن هذا الانزلاق الاتصالي قد يفتح المجال لإعادة تأويل تصريحات طارق المهدي بطريقة تفرغها من خطورتها، أو تقلل من أثرها في تغذية خطابات الإقصاء والتمييز، فبدل تثبيت حدود واضحة بين ما هو مقبول وما هو مرفوض، يصبح الخطاب الرسمي نفسه قابلاً للتأويل، بما قد يشجع على تكرار مثل هذه المواقف مستقبلاً، ويضعف الجهود الرامية إلى ترسيخ خطاب حقوقي متماسك داخل المؤسسة التشريعية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى