ينعقد في باريس من 4 إلى 7 ماي الجاري المؤتمر الانتخابي المئوي لـالاتحاد الدولي للصحفيين، بحضور ممثلين عن أكثر من 600 ألف صحفية وصحفي يمثلون حوالي 187 منظمة ونقابة مهنية، تحت شعار “100 عام من التضامن الدولي من أجل صحافة ونقابة قوية”.
وقد برزت مسألة حماية الصحفيين كأحد أكثر القضايا إلحاحًا، في ظل تزايد الانتهاكات والاعتداءات، خاصة في مناطق النزاع، مع استمرار ظاهرة الإفلات من العقاب، وهو ما يهدد ليس فقط حياة الصحفيين بل أيضًا حق المجتمعات في الوصول إلى المعلومات.
في السياق ذاته، فرضت التحولات التكنولوجية نفسها بقوة، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا فاعلًا داخل غرف الأخبار، بما يحمله من فرص لتطوير العمل الصحفي، لكنه في المقابل يفتح الباب أمام مخاطر جدية، مثل انتشار الأخبار المضللة والتلاعب بالمحتوى، فضلًا عن تنامي أدوات المراقبة الرقمية التي قد تقوض استقلالية الصحفيين وتضعف قدرتهم على العمل بحرية.
كما سلط المؤتمر الضوء على التحديات الاقتصادية التي تواجه المؤسسات الإعلامية، والتي تؤثر بشكل مباشر على جودة العمل الصحفي واستقلاله، في ظل هشاشة الموارد وتراجع نماذج التمويل التقليدية. ويزداد هذا الوضع تعقيدًا مع تزايد الحاجة إلى حماية حقوق المؤلف في البيئة الرقمية، حيث يسهل إعادة إنتاج المحتوى دون ضمان حقوق أصحابه.
ولم تغب القضايا الاجتماعية عن النقاش، إذ تم التأكيد على أهمية تحقيق المساواة بين الجنسين داخل الوسط الإعلامي، ومواجهة أشكال التمييز والعنف التي تتعرض لها الصحفيات، بما يضمن بيئة عمل أكثر عدلًا وأمانًا.

من جهة أخرى، برزت مسؤولية الإعلام في التعامل مع القضايا العالمية الكبرى، وعلى رأسها التغير المناخي، حيث بات مطلوبًا من الصحافة أن تلعب دورًا أكثر فاعلية في التوعية ونقل الحقائق العلمية بشكل دقيق ومتوازن.
وقد عكس المؤتمر بذلك إدراكًا متزايدًا بأن الصحافة تعيش مرحلة تحول عميقة، تتقاطع فيها التحديات الأمنية والتكنولوجية والاقتصادية، ما يفرض ضرورة إعادة التفكير في دورها وآليات حمايتها لضمان استمرارها كركيزة أساسية في المجتمعات.
لكن من أبرز اللحظات التي عرفها المؤتمر، تلك الفرحة التي عبّر عنها كل من زياد دبار نقيب الصحفيين التونسيين وناصر أبو بكر نقيب الصحفيين الفليطينيين لحظة فوزهما بعضوية الهيئة الإدارية للاتحاد الدولي للصحفيين، بوصفها أعلى سلطة قرار في الاتحاد. ولم تكن هذه النتيجة مجرد تتويج شخصي، بل حملت دلالة سياسية ونقابية عميقة، تعكس حضورًا متقدمًا للنقابتين التونسية والفلسطينية داخل دوائر القرار الدولية.

ويُعدّ وجود زياد دبار وناصر أبو بكر داخل الهيئة الإدارية للاتحاد معطى نوعيًا يعزز من قدرة هذا التحالف النقابي على التأثير الفعلي في السياسات والقرارات الدولية المتعلقة بحرية الصحافة وحماية الصحفيين الفلسطينيين.، فبعد أن كان التنسيق قائمًا أساسًا على مستوى المواقف والبيانات، أصبح اليوم مدعومًا بتمثيل مباشر داخل أعلى هياكل القرار، بما يتيح نقل القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، من هامش النقاش إلى صلب صناعة القرار.
كما يمنح هذا التمثيل المشترك دفعًا جديدًا للتحرك النقابي العربي على الساحة الدولية، حيث يمكن توحيد الجهود بشكل أكثر فاعلية داخل الاتحاد، وبناء تحالفات أوسع مع نقابات ومنظمات من مختلف القارات. وهو ما من شأنه أن يعزز حضور الرواية الفلسطينية، ويدعم مساعي فضح الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون في الأراضي الفلسطينية، خاصة في ظل تصاعد الاستهداف الصهيوني.
وفي ظل ما يشهده الشعب الفلسطيني البطل من تواصل للارهاب الاحتلالي الاستيطاني ، يكتسب هذا الحضور داخل الهيئة الإدارية أهمية مضاعفة، إذ يتيح الدفاع عن حق الصحفيين في التغطية، والترافع من أجل مساءلة مرتكبي الانتهاكات على المستوى الدولي. كما يعزز من دور الإعلام في كسر الحصار المعلوماتي، وتقديم رواية مهنية تستند إلى الحقائق، في مواجهة محاولات التعتيم والتضليل.
أخيرًا، يندرج هذا التطور في سياق أوسع يتجه نحو مواصلة العمل لتعزيز العزلة الدولية للكيان الصهيوني، عبر العمل الإعلامي والنقابي المنظم، الذي يراكم الضغط الأخلاقي والمهني داخل المؤسسات الدولية. ومن خلال هذا الحضور المؤثر، يصبح التحالف بين النقابتين التونسية والفلسطينية رافعة حقيقية لحشد الدعم الدولي للقضية الفلسطينية، وتعزيز مكانتها كقضية عادلة في الوعي العالمي
أقرأ التالي
2026-01-21
مركب بلا ربّان
2026-01-15
الولايات المتحدة الأمريكية وإيران
2026-01-22
في هرم الدّولة والسّلطان، وشيخوخة النّظام قبل الأوان
2026-01-18
لا أحد انتبه للمعجزة في بكفيّا، مَن بعدُ يهمّه!
2026-02-19
محمّد بوغلاّب: عام، ملّي خرجت م الحبس الصغير لحبس أكبر
زر الذهاب إلى الأعلى