عامر بوعزة:ديبلوماسية الغياب

لم يسافر الرئيس التونسي قيس سعيد إلى قطر لتقديم واجب العزاء بشكل مباشر، ولم يوفد أحدا للقيام بذلك نيابة عنه، ولم يرفع حتى السماعة لمكالمة هاتفية سريعة.
توافد على الدوحة خلال ثلاثة أيام عدد كبير من الرؤساء والقادة وكبار الشخصيات من مختلف دول العالم، جاء عبد الفتاح السيسي، جاءت جورجيا ميلوني، جاء رجب طيب اردوغان وغيرهم، وبينما كأس العالم في أوجها شوهد انفانتيني في زيارة خاطفة إلى العاصمة القطرية التي كان يخيّم عليها حزن شديد اندلع منذ لحظة الإعلان عن وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.

منطقيا لا يوجد أي مبرّر لهذا، فالاكتفاء ببرقية تعزية أمر ينمّ على قدر كبير من سوء التقدير من القيادة التونسية وديبلوماسيتها لعدة أسباب في مقدمتها استمرارية الدولة.
فأمير قطر حضر بنفسه مع بعض أفراد أسرته لتوديع الرئيس الباجي قايد السبسي وإلقاء النظرة الأخيرة عليه يوم جنازته العام 2019 ولم يكتف بإرسال برقية.
وقيس سعيد المتشبّث دوما بقيم الدين الإسلامي الحنيف ومقاصده يعرف أن العزاء سُنّة مؤكدة ومظهر من مظاهر التراحم والمواساة، بدليل أن سفرته الأولى إلى الخارج بصفته رئيسا للجمهورية سنة 2020 كانت نحو سلطنة عمان للتعزية حين وفاة السلطان قابوس، وسافر إلى الكويت في وفاة الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، في 2023، كما إنه سافر إلى إيران في وفاة إبراهيم رئيسي العام 2024، وأوفد منذ أيام مفتي الجمهورية للمشاركة في توديع جثمان مرشدها الأعلى علي خامنئي.
نحن في سياق حدث إنساني كبير، فكل من يعرف قطر عن قرب يدرك مكانة الأمير الوالد في وجدان الشعب القطري ويلمس صدق أحاسيس الناس وهم يبكونه يوم جنازته. لحظة الموت هذه تغطي على كل شيء لهيبتها وغموضها واشتمالها على جوهر الوجود: الفناء.
ولا أدري كيف يجد الكثير من (صناع الرأي) في بلادي الرفاهية المناسبة لتقييم المواقف النسبية أمام جثامين الموتى وكأنهم من أعوان الديّان الأكبر، وإنني هنا أربأ برئيسنا عن الانسياق وراء وجهات نظر خصوم الشيخ حمد الإيديولوجيين في الفايسبوك التونسي. فالدولة لا تدار على حد قوله هو ذاته بالفايسبوك.
عندما قام الرئيس قيس سعيد بزيارة رسمية إلى قطر في نوفمبر 2020 استقبل استقبالا فاق من الناحية البروتوكولية كل مظاهر الفخامة التي يستقبل بها عادة الرؤساء، وكل المؤشرات الاقتصادية ما تزال تؤكد أن قطر في طليعة المستثمرين العرب الذين وضعوا ثقتهم في تونس، وإن كانت استثماراتها مقتصرة على القطاع المالي والسياحة والاتصالات، فإن ذلك خيارنا نحن.
ويشهد تضاعف عدد التونسيين العاملين في قطر في العشر سنوات الأخيرة على الحظوة التي تتمتع بها الكفاءات التونسية في سوق العمل القطري مع ما يمثله ذلك من مردود مالي بالنظر إلى ارتفاع الدخل في دول الخليج عامة وفي دولة قطر على وجه الخصوص، يمكنك التأكد من أن العلاقات القطرية التونسية لا تشوبها شائبة بمشاهدة تسجيل لمأدبة إفطار رمضاني نظمتها السفارة القطرية في تونس العام الماضي، سترى كبار المسؤولين في كامل مشمشهم هناك.
لقد ضيّع قيس سعيّد الفرصة لفكّ الطوق الذي فرضه هو ذاته على تونس، ولكسر العزلة التي لا ينكرها أحد. فحدود العالم أصبحت تتوقف عند معتمديات تونس الكبرى، ولا تتجاوز نطاق «الهلال الخصيب» الذي يمتدّ من حي الانطلاقة ليصل إلى المنيهلة عبر حيّ التضامن. وإذا ما توسّعت رقعة هذا العالم الذي لا يشبه القرية الصغيرة فإنها لا تتخطى حدود الجزائر وإيران. وهكذا تظل الرؤية من خليج قابس محكوما عليا ألا تتجاوز الميل أو الميلين في كل الأحوال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى