حوار فوق رقابة السجّان
بقلم المولدي ڨـسّـومي

احتضنت نقابة الصحفيين التونسيين يوم امس الخميس لقاء تقديم كتاب”لماذا هذه حالنا؟” للدكتور محمد لطفي المرايحي أمين عام الاتحاد الشعبي الجمهوري القابع بسجن الموناقية منذ ايقافه في 3جويلية من العام الماضي
وقد ظهر الكتاب لأول مرة في معرض تونس الدولي للكتاب في دورته الأخيرة، وعرض لمدة يومين ثم اختفى من جناح الناشر”دار مسكلياني” تحوطا وحذرا في ما يبدو بعد الجدل الذي اثاره الكتاب
ويواجه الدكتور المرايحي تهما متنوعة بين المرسوم 54 ذائع الصيت وتقديم عطايا لجمع تزكيات- والحال انه اوقف قبل الاعلان عن موعد الانتخابات اصلا- وثالث التهم تبييض الاموال
وكان الدكتور المرايحي احد اشد المعارضين لمسار 25جويلية وللرئيس قيس سعيد دون مواربة او مناورة
غاب المؤلف مضطرا وحضرت كلماته وتكلمت زوجته الدكتورة نورة عميرة بعفوية معبرة عن قسوة ما يعيشه صاحب الفكر الحر والرأي المعارض في بلادنا على يدي “إخوانه” في الوطن ، وقالت إن لطفي المرايحي قيد السجن ولكن فكره سيظل حرا مادام فيه نفس، ومادام هناك تونسيون يؤمنون بالديمقراطية وحقنا في حياة أفضل في بلادنا
قدم الكتاب الصحفي محمد اليوسفي وتلاه تعقيب من الصحفي محمد صالح العبيدي،
وقد تضمن الكتاب نصين متميزين اولهما للمولدي قسومي-دون صفات اكاديمية فضفاضة لن تضيف لابن محبوبة شيئا ، اذ يكفي ان تقول المولدي قسومي ليعرف الناس قدره-
والمولدي قسومي أستاذ بالجامعة التونسية ولكنه لا يشبه أحدا سواه، فهو إبن بيئته، وفي للتربة التي نشأ فيها، متحرر من الافكار المسبقة، ولا يتردد في الاصداع بمراجعاته حتى لنفسه، إنتمى للوطد-حين كان وتدا للبلاد- وغادره بعد اغتيال شكري بلعيد، ومنذ 14جانفي 2011 ظل قسومي صوتا حرا مستقلا صادعا برأيه دون ان يضع في الاعتبار حسابات مقتطعات البنزين والسيارة الادارية، لأن بوصلته تسير عكس هذا الاتجاه
وثاني النصوص التي شدت انتباهنا فضلا عن المتن الاصلي للكتاب، تصدير لعامر بوعزة، الصحافي السابق باذاعة المنستير واحد صناع مجدها، والذي كافأته مؤسسته المشغلة بعزله عزلا فجا وحرمانه من ابسط حقوقه، وهاهو يضسء مساحات إعلامية خارج البلاد الهايلة
ونبادر بنشر نص المولدي قسومي تحفيزا لكم لقراءة الكتاب بأكمله

شرف هذا التّقديم أنّه ظـفَـرَ بنصّ كُـتب تحت رحمة الذّاكرة والقضبان عندما كان صاحبه يعدّ أيّام الحريّة ويُحصي ساعاتها عددا، ليتضافر معه في الدّفاع عن هذه القيمةالمهدّدة، ويتظافرا (يتناصرا) معا في مواجهة الخوف الذي عمّ البلاد وسيطر على العباد. وشرف هذا التّقديم أنّه يتنافذ مع فكرة نصّ كُـتب من أجل مكابدة الدّخول في الحوزة السّياسيّة للمواطنة واقتحام عتبتها المقدّسة وتخطّي عقبتها التي أصبحت كأداء فوق المتوقّع وأكثر من المُحْتمل.
وشرف هذا التّقديم أنّه ظفر بنصّ كُـتب في بُرهة سياسيّة غائمة، من تاريخ تونس، جاءت بعد انفتاح الأفق الذي تشوّف إليه جميع أبنائها وتطلّعوا من خلاله إلى الدّخول في زمنيّة سياسيّة تمنحهم كلّ مقومات المواطنة، وتُعبّد أمامهم كلّ مسالك الحريّة، إلاّ أنّها انقلبت إلى حالة عصيّة على البلوغ جرّاء وثبة ارتجاعيّة شاهقة إلى ما وراء الوراء الذي لا يمكن أن تجسّده إلاّ حالة الدّولة الأوليّة.
وشرف هذا التّقديم أنّه بمثابة الاستجابةلفريضة كُتبت على المواطن الباحث الذي يؤمن بأنّ القيم المعرفيّة تحتّم الامتثال إلىموجبات المسؤوليّة المواطنيّّة للأكاديمي، ودون هوادة. هذا المواطن الذي لا حجّة له في التّأخّر عن دوره في ممارسة الاعتراض العمومي عن انحرافات السّلطة وفقدان قيمها وانهيار معاييرها، إذا لم يستطع سبيلا إلى مواجهتها علنا وعنوة بكلّ ما أوتي من عدّة وعتاد فكريين. ففي غير هذا النّصاب من الواجب تكون صفة الأكاديمي زيفا واحتيالا وخُسرانا مبينا. فالتّقديم لهذا النّصترسيخلشرف أداء الواجب من داخل المسؤوليّة المواطنيّة للكاتب والباحث في مجال علوم الانسان والاجتماع.
نحاول أن نتجاوز بهذا التّقديم مجرّد التّصدير للنّص أو بسط عناصره تلخيصا أو في صيغة مكثفة، لنناقش أبرز الأفكار التي طرحهاالحكيم (الطّبيب) لطفيالمرايحي من منظور الفاعل السّياسي الذي يستعير من مهنته الأصليّة وظيفتها العلاجيّة ويسخّرها لكتابة هذا النّص الذي يحمل في تضاعيفه رسائل مداواة لتونس المريضة التي تتداعى وراء استفحال العلل وكأنّها تأبى التّعافيوتُعرض عن الحياة. وقد أصّل هذه الرّسائل على أسئلة تكشف عن مشكلات الرّاهن وجذورها الممتدّة في الماضي منبّهاإلى ما يمكن أن تكون آثارها في المستقبل.

تجاوزا لعادة إذعان القارئ للمقروء والتّسليم بما يرد فيه، آثرنا ألاّ يكون هذا التقديم سلبيّا بقدر ما يحاول أن يناقش ما يطرحه هذا النّص، وذلك من باب مناقشة المواطن الباحث الذي يجتهد في الكتابة من داخل حقلمعرفي غير حقلالطّبيب المنشغل بالسياسة وذلك في تنافذ وتآلف بينهما داخل فضاء المواطنة والاهتمام بالشّأن العام. ولذلك نجده أحيانا يبعث برسالة الطّبيب السياسي إلى أبناء وطنه، وبمقتضى وضوح المقترح العلاجي في رسالته، ونجده أحايين أخرى يخاطبهم بصفته السياسي القادم من فعل التّطبيب ليستفتي فيهم التشخيص الملازم لتحديد العلاج. فمُشاغلة الأكاديمي للسياسي– على هذا النّحو – هي التي تعطي هذا التقديم حيويّة تتجاوز الأسْيـِجة الوظيفيّة وتجعل من التكامل بينهما مآلا حتميّا. وعلى هذا الأساسسوف أحاور السجين السياسي في نص الحكيم لطفي المرايحي وسوف يكون نص المحاورة بضمير المتكلّم خلاف لما اعتاد عليه الكُـتّـاب من طقوس الاحتجاب وراء صيغة الجمع المطلقة والاختباء داخل ضمير الغائب. لأنّنا في أوكد الحاجة إلى أن نتحمّل المسؤوليّة ونواجه واقعنا بضمير المتكلّم.
أتى النّص على جملة من المحاور التي تمثّل هواجس فكريّة لصاحبه، ويعتبر معالجتها مداخل ضروريّة للممارسة السياسيّة، ومن هذه المحاور: التّحديث والمسألة الدينية، ومنزلة الفرد في المجتمع،والوطن والمواطنة، والسّلطة، ومكانة الأحزاب في الحياة السياسية، والدّيمقراطيّة والنّظام السياسي، والعولمة وإشكالية الهويّة. ويستهلّ معالجة هذه المحاور بقراءة استعاديّة يعود فيها على الصّراعات التي عرفتها تونس في تاريخها السياسي الحديث، ولكنّ هذه الصّراعات لم تتحوّل إلى نوابض لتنشيط حركة المجتمع في اتّجاه طور سياسي واجتماعي وثقافي أرقى وأكثر قابليّة لشروط الحداثة ومقوّماتها. وأجد أنّ الانطلاق من بعض الدّلائل الإرشاديّة المستقرّة في تاريخ تونس السّياسي يشي بأنّ السّياسي لطفي المرايحي لا يؤمن بالقطيعة بين المراحل والأطوار بقدر ما يؤمن بالتّمرحل التاريخي الذي يمكن أن يفضي إلى بناء النّموذج التونسي الخالص. بل إنّه ضمّن قراءته لمرحلة ما قبل الاستعمار المباشر ترجمة للكثير من ملامح الرّاهن السياسي في تونس، أو على الأقلّ فإنّه أوحي بما يمكن أن أستنطقه من تشابهات بارزة ومحدّدة لطورين متغايرين تماما ولكنّ أحدهما قد ينبئ بمآلات الآخر ومصيره. نقصد هنا التّشابهات بين سنوات الانتفاضة الشعبيّة الكبرى الأولى (بعد 1864) وسنوات ما بعد الانتفاضة الشعبيّة الكبرى الثّانية (بعد 2011). ويمكن أن نستنطق هذه التّشابهات من الدّلالات التي تظهرها أو تضمرها الوقائع والمظاهر والأحداث والتّواريخ التالية:
- أوّلا– التّشابه بين واقع السياسة الاقتصاديّة لدولة المجبى في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر – التي يستفيد منها التّجار والمرابون والمضاربون وكبار الملاّكين العقاريّين ويكتوي بسعيرها الفقراء وصغار الفلاّحين – وواقع الضّغط الجبائي الذي تمارسه الدّولة على المواطنين منذ 2011، نتيجة إفلاس السياسة المالية والاقتصاديّة، وهو خيار يستفيد منه المهرّبون والمضاربون وأباطرة الاقتصاد الموازي وكبار المستثمرين والملاّكين العقاريين ووكلاء الشّركات التّجاريّة الكبرى، ويكتوي بسعيرها العمّال والموظّفون وبقايا الطّبقة الوسطى. ونجد ذلك منعكسا على ما يؤكّد التّشابه بين إفلاس الدّولة وبلوغ المديونيّة أقصاها نتيجة الفساد والنّهب واللّصوصيّة بعد الانتفاضة الشعبيّة الكبرى الأولى (1864) والثّانية (2011)، وإن كانت بمقادير متفاوتة.
- ثانيا، الفساد بعد الانتفاضة الشّعبيّة الكبرى (2011) التي اندلعت لمقاومة الفاسدين والمفسدين. ولكنّ التشابه هذه المرّة عكسي، باعتبار أنّنا في الطّور الأوّل إزاء ساسة فاسدين بطبعهم (مصطفى خزندار ومصطفى بن اسماعيل ومحمود بن عيّاد) تعمّدوا صناعة منظومة الفساد على قياسهم. بينما نحن في الطّور الثّاني إزاء ساسة من صنيعة أثرياء الفساد المضاربين في الحياة السياسيّة، فضلا عن أجهزة الفساد ومنظومتها المتأصّلة في الدّولة ودواليبها، الأمر الذي برّر لصاحب التّدابير الاستثنائيّة رفع شعار محاربة الفساد دون جدوى أو أثر محمود وخوض الحرب على طريقته غير التّقليديّة وبمقارباته الجديدة دون أن يغنم من حربه أيّ شيء لفائدة الشعب.
- ثالثا، التّشابه في واقع التّخلّف والتّقهقر الاجتماعي وانهيار أغلب الفئات والشرائح الاجتماعيّة نتيجة سياسة التّفقير والتّكديح. وأبلغ ما في هذا التّشابه انتشار الأمراض والأوبئة والمجاعة خلال النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر، أمّا المرحلة الحالية فقد عرفت بعودة بعض الأمراض التي يفترض أنّه تمّ القضاء عليها نهائيّا منذ عقود وانعدام الأدوية وموت الرّضّع الجماعي في مستشفيات الولدان التي تضمّ أكفأ الأطبّاء على المستوى الإقليمي والدّولي. وتكرّر انقطاع مياه الشّرب إلى حدّ اندلاع حركات احتجاجيّة عديدة للمطالبة بالحق في الماء. ولأنّه لم يعد زمن مجاعات في تونس فقد حلّ محلّه زمن العطش، وهذا من أبلغ معاني التّشابه بين الطّورين.
- رابعا، التّشابه في انقسام النّخب بين المحافظين والتحديثيّين بعد 1864، وبين المحافظين الجدد والحداثيّين (الذين يتبنّون منجز التّحديثيّين ويريدون تدعيمه) بعد 2011. وأهمّ ما في هذا التّشابه عودة الصّراع بين التيّارين المذكورين على ذات المحاور التي كانت تتصارع عليها نخب القرن التّاسع عشر (منزلة الإسلام في شؤون السّياسة. الدّولة المدنيّة والدّولة الدّينيّة)، بالإضافة إلى تجدّد محاور صراع قديمة مثل الصّراع على الهويّة، وظهور محاور صراع جديدة مثل الصّراع على الحقوق والحرّيات الفرديّة والمساواة بين الرّجل والمرأة، والالتزام بتعاليم القرآن وأحكامه القطعيّة أو تطبيق مبادئ الدّولة المدنيّة والقوانين الوضعيّة.
- خامسا، ضعف السّيادة الوطنيّة وتحوّل البلاد إلى فضاء لتدخّل جميع القوى الأجنبيّة والإقليميّة (قطر، تركيا، الإمارات العربيّة المتّحدة، ومؤخّرا إيران، ناهيك عن القوى العظمى التّقليديّة). فقد تحوّلت البلاد إلى ما يشبه مزرعة يمرح فيها قناصل الدّول الكبرى دون قيود (خاصّة سفراء فرنسا والولايات المتّحدة الأمريكيّة وبريطانيا وألمانيا وسفير الاتّحاد الأوروبي) ويتدخّلون في قرارات البلاد السّياديّة. وهو ما يوحي بكثير من التّشابه مع الفترة الممتدّة بين إعلان قانون عهد الأمان (1857) وتوقيع معاهدة الحماية (معاهدة باردو 12 ماي 1881). وهذا التّشابه ينسحب على أغلب الوقائع التي جدّت على المستوى السّياسي والاقتصادي. وهو الواقع الذي استثمره صاحب الجمهوريّة الجديدة في إعلان حرب أخرى هي “حرب التحرير الوطني” وإحياء السردية المتسامية المتمثلة في “السيادة الوطنيّة”.
- سادسا، التشابه بين دستور 1861 ودستور 2022 في مبدأ الـمَـنْـح. إذ يعدّ كلاهما ممنوحين من قبل الحاكم وهما تباعا: الباي ثم الرّئيس. وإن كان للدستور الأوّل ما يبرّر عمليّة منحه من قبل الباي للرّعيّة، فلا يمكن أن نجد تبريرا لأن يمنح الرّئيس دستورا لمواطنيه. فمن مبررّات منح دستور1861 من قبل الباي كونه الأوّل في العالم العربي الإسلامي، والثاني (بعد دستور قرطاج) في تاريخ تونس، يعني أنّه جاء في سياق سياسي لم يعرف تقاليد العمل بالمؤسسات النيابيّة والتشريعيّة والتّأسيسيّة في سن القوانين أو الدّساتير سواء كانت هيئات برلمانيّة أو مجالس تأسيسيّة. ومن عدم مبرّرات منح دستور 2022 من قبل الرّئيس أنّ المَـنْـح ليس من أسس بناء الجمهوريّة وقيمها، كما أنّه ليس مطابقا لمبادئ دولة المواطنة التي تقتضي احترام مبادئ التّأسيس التعاقدي الذي يتأصّل على حق المشاركة وإرساء السّيادة القائمة على الإرادة الشعبيّة العامّة.
عمدتُ إلىاستنطاق الجزء الاستهلالي لهذا “النّص- الرّسالة” في هذه الصّيغ من التشابهات لأنّها بمثابة الأرضيّة التي بسط عليها المرايحي تساؤلاته والإطار الذي أصّل عليه قراءته للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي في سبيل الإجابة عن سؤاله التّوجيهي الرّئيس الذي وسم به نصّه (لماذ؟ هذه حالنا). وبالتالي فهي المعبر الحدودي بين حقبتين تاريخيتين من الاجتماع السّياسي، وهي الممرّ الإجرائي لمناقشة المحاور التي طرحها السّياسي الطّبيب وفقا لما استعرضه من معالجات بناء على الأسئلة التوجيهيّة المطروحة في كلّ محور. وأقترح في هذا المنحى أن أناقش “النّص- الرسالة” في خمسة محاور، أجد أنّها تلخّص مضامينه وتهيّء للتّعمّق فياستخلاصاتها.
- في محور الحداثة،يتساءل لطفي المرايحي: هل بالإمكان إسقاط الحداثة على مجتمع بالاقتصار على استيراد بعض أدواتها رجالا وعتادا؟
يجيب بأنّه من “الغريب أنّ محاولات كهذه تكرّرت لاحقا حتّى في ظلّ ما يعرف بدول الاستقلال وكللت جميعها بفشل ذريع ولا زالت إلى اليوم مساع وتجارب هنا وهناك تعتمد ذات الأساليب وترجو نتائج مغايرة”.

أعتبر أنّ رسالة الطبيب السّياسي حول إشكاليّة الحداثة والتّحديث، المضمّنة داخل نصّه، ذات وجاهة وراهنيّة لأنّ هذه المسألةتحوّلت إلى موضوع صراع سياسي حاد كاد يقسّم المجتمع التّونسي فعليّا وكاد يعصف بما بقي من عناصر وحدته واندماجه، ولاتزال عناصر التهديد هذه مهيّأة للعودة من جديد في أيّ وقت باعتبار عدم إثبات أصحاب السّلطة الحاكمة قدرتهم على بناء مسار إدماجي لكلّ مواطني تونس ومواطناتها. فقد تعمّق ذلك بعد أن أصبحت السّاحة السّياسيّة متصدّعة بفعل التّضاد المستديم بين نموذجين ونمطين ونظامين مجتمعيّين يتصارعان على نفس الفضاء رغم أنّهما إلى حدّ الآن يحتكمان إلى منطق التّعايش. إلاّ أنّه تعايش غير منطقي وغير مضمون قانونيّا واجتماعيّا وثقافيّا وسياسيّا، بل إنّه تعايش قد يعيد إنتاج التّناقضات والدّفع بها إلى حدّها الأقصى فتؤول إلى حالة نزاعيّة تقتضي غلبة منطق الهيمنة والإقصاء. فالتّحديث قضيّة خلافيّة في الأصل واحتدّت تمظهراتها الخلافيّة بعد ثورة ألهمت الإنسانيّة بعناصرها ما بعد الحداثيّة بدءا بسلميّتها وشعاراتها وصولا إلى مسالمتها ومهادنتها لكلّ الأطياف بمن فيهم أعدائها والوافدين عليها على حدّ سواء. غير أنّ واقع الحال يثبت تدريجيّا بأنّ هذه السّمات الرّاسخة بصدد التبدّد بفعل النّزعة التّقسيميّة التي طغت على الخطاب السّياسي.
يحثّني ما طرحه الطّبيب السياسي إلى اختبار مكتسبات المجتمع التّحديثيّة على مقوّمات الحداثة ومبادئ الحداثيّة، إذ نحن هنا بصدد التّمييز بين التّحديث باعتباره سياقا شاملا (يقابله في الفرنسيّة لفظ Modernisation)، والحداثيّة باعتبارها وعيا نوعيّا (تقابله في الفرنسيّة عبارة Modernisme)، الحداثة باعتبارها بنية كليّة (تقابلها في الفرنسيّة كلمة Modernité).
يعني مفهوم التّحديث مجموعة من السّيرورات التّراكميّة التي تتدعّم فيما بينها كما يعني تجميع وحوصلة الموارد وتعبئتها ونمو قوى الانتاج وزيادة إنتاجيّة العمل. ويعني مفهوم التّحديث كذلك إقامة سلطات سياسيّة ممركزة وبناء هوّيات وطنيّة. كما يشير أيضا إلى انتشار حقوق المشاركة السّياسيّة وأشكال الحياة الحضريّة والتّعليم العمومي. ويعني في النّهاية علمنة القيم والمعايير.
أمّا نظريّة التّحديث فتقوم بتجريد ذي نتائج خطيرة مقارنة بمفهوم الحداثة، ذلك أنّها تفصل هذا الأخير عن أصوله وتقدّمه كنموذج عام لسيرورات التّطوّر الاجتماعي الذي لا يكترث بالإطارين الزّماني والمكاني اللذين يطبّق عليهما. إضافة إلى أنّها (نظريّة التّحديث) تقطع الصّلة بين الرّابط الدّاخلي بين الحداثة والاستمراريّة التّاريخيّة للعقلانيّة الغربيّة حيث يصبح من المستحيل فهم عمليّات التّحديث على أساس أنّها عقلنة، أي باعتبارها موضعة تاريخيّة لبنيات عقلانيّة. وميزة هذه المقاربة أنّها تتجلّى في تخفيف حمولة مفهوم التّحديث المعمّم عبر نظريّة تطوّريّة لفكرة اكتمال الحداثة، وبالتّالي، لحالة غائبة حتميّة تليها تطوّرات ما بعد حداثيّة.
أمّا الحداثة فليست مجرّد مفهوم مجرّد أو كامن في تضاعيف التّفكير السوسيولوجي أو السّياسي، وليست بالتّمام مفهوما تاريخيّا بل هي نمط حضاريّ خاص يتعارض مع النّمط التقليدي، أي مع كلّ الثّقافات السّابقة عليه أو التّقليديّة. فمقابل التنوّع الجغرافي والرّمزي لهذه الأخيرة تفرض الحداثة نفسها على أنّها شيء واحد متجانس رائع انطلاقا من الغرب. ومع ذلك فهي تظلّ مدلولا ملتبسا يشير إلى تطوّر تاريخي وإلى تغيّر في الذّهنيّة. إنّ الحداثة من حيث هي معطى متشابك تتلاحم فيه الأسطورة بالواقع، واقع يتميّز في كلّ المجالات: دولة عصريّة، تقنية عصريّة، موسيقى ورسم، وعادات وأفكار عصريّة على هيئة مقولة عامّة وضرورة ثقافيّة. ومن حيث أنّها نشأت عن بعض التّحوّلات العميقة في التّنظيم الاقتصادي والاجتماعي فهي تتحقّق على مستوى العادات وطرائق العيش وأنماط الحياة اليوميّة. وقد تبلغ أحيانا صورة كاريكاتوريّة في النّزعة التّحديثيّة. وقد تكون متحوّلة في أشكالها وقراراتها في الزّمان والمكان، فهي ليست ثابتة وليست قابلة للرّجوع إلاّ كمنظومة من القيم، وكأسطورة. وبهذا المعنى يتعيّن كتابتها بحروف بارزة تماما مثل التّقليد.
وبما أنّها ليست مفهوما يصلح كأداة للتّحليل – بقدر ماهي موضوع للدّراسة والفهم والتّفسير – فإنّه ليس هناك قوانين للحداثة بل فقط معالم للحداثة. ليست هناك أيضا نظريّة للحداثة بل منطق للحداثة وإيديولوجيا للحداثة. ومن حيث أنّها أخلاقيّة مقنّنة للتّغير فهي تتعارض مع الأخلاقيّة المقنّنة للتقليد، لكنّها تحترس مع ذلك من كلّ تغيّر جذريّ وتلك هي تقاليد البحث عن الجديد. أمّا الحداثيّة فهي الذّهنيّة المستوعبة على المستوى الفكري والنّظري لكلّ شروط التّحديث ومقوّمات الحداثة، وهي نمط من التّفكير يعكس العقليّة الحداثيّة بكلّ ما يمكن أن ينتجه في كلّ مجالات الحياة. ولذلك – خلافا للحداثة التي توجد في الواقع أكثر ممّا توجد في الفكر – فهناك قوانين حداثيّة ونظريّات حداثيّة وتصوّرات حداثيّة ورؤى حداثيّة، لأنّ الحداثيّة توجد على مستوى الفكر أكثر ممّا توجد على مستوى الواقع.
إزاء كلّ ذلك يذهبالمرايحي إلى أنّ“أنصار الحداثة عادة ما تشتبه عليهم المفاهيم والمساعي بين الحداثة والاستغراب وبين الحداثة والتقدّم، فيجمعونهم في سلّة واحدة تقود في كلّ الحداثة إلى القطيعة مع الموروث، فهو سبب الانحطاط والتخلف، والتخلّص منه سبيل النهضة واللحاق بالأمم المتطورة، أما دعاة المحافظة فحجتهم تقوم على الاستشهاد بحقب الازدهار التي عرفتها الأمة ويعتبرون أن التخلي عن منظومة القيم بل حتى نمط الحكم والعيش والمعاملات التي كانت سائدة حينها قادت إلى الانحلال والتقهقر.
لو نظر فرقاء الحداثة والمحافظة إلى الحضارات التي يرومون الاستلهام منها لوجدوا أنّها مهّدت لنهضتها بالعلم والعمل الذين تترجمان إلى ثروة وقوّة، فعلى ما يبحثان وفيما يختلفان والأسباب التي ينشدانها ماثلة بين أيديهما تكاد تدعوهما إلى أن يأخذا بي وهما في سجالهما لا يبصران”.
لا أجد حجّة في معارضته برأي ضدّي طالما أنّ ما يطرحه يحظى بدلائل إرشاديّة بليغة لتأكيده، ومن ذلك أنّ هذا الانحراف أو التّيه عن معايير الحداثة الملائمة لمجتمعنا تعود إلى دور النّخبة الغائب بشكل عجائبي وتأثير هذا الغياب الملموس في علاقة باختيار النّموذج الأمثل للانتقال من عدمه. وبقطع النّظر عن غياب المقترحات ووسائل الضّغط من أجل تقبّلها إن وجدت في حالات عارضة، فإنّ النّخبة في تونس تداعت في أكثريّتها نحو المحاكاة لما يُعتبر تجارب ناجحة في إطارها، أو نحو الانفعال بما يفرضه السّياسيّون من خلال أحزابهم. لذلك لم يسجّل التّاريخ الآني عملا أو فكرا بنّاء صدر عن النّخبة ووجد طريقه للإنفاذ، أو حتّى للنّقاش الذي يمكن أن يفضي إلى التّنبيه في أضعف حالات الإيمان بمضمونه. وقد أدّى هذا القصور إلى الانخراط في منطق الموجة الثّالثة من التّحوّلات الدّيمقراطيّة في بلدان غربيّة،وقد تبيّن أنّها سوابق مضلّلة للمسار الانتقالي في تونس لأسباب كثيرة من أبرزها أنّ الواقع الثّقافي والاجتماعي في تلك البلدان لا يقف على أيّ تشابه مع واقعهما في تونس، وهنا لا يكفي أن يكون التّشابه في عفويّة الثّورات واستعجاليّتها الملوّنة كافيين لاستنساخ التّجارب.كما أنّ ما تقدّمه رحلة أوروبا الطّويلة والمؤلمة في مسار بناء الدّيمقراطيّة، لا يمكن أن يعدّ النّموذج الأفضل، بالنّسبة إلى التونسيّين، لأنّها التّجربة التي أثبتت تأصّلها على ثورة علميّة وفكريّة في مرحلة أولى، لتبنى عليهما الثّورة الاجتماعية والسّياسيّة في مرحلة ثانية.

يرى الطّبيب السّياسي، صاحب هذا “النصّ- الرّسالة”، أنّه“يمكننا فهم كيف أمكن لشعوب أخرى بناء حداثة مغايرة عن الحداثة الغربيّة، إذ بأخذها بجوهر التقدّم العلمي وتطبيقه برزت داخلها متغيرات وتطورات مختلفة عما شهدته المجتمعات الغربية، وذلك لاختلاف البيئة والمنطلقات. فكل طارئ لابدّ أن يحدث تغييرا لملاءمته واستيعابه، وليس هناك مجتمعا يظلّ منحطّا ثابتا لا يتفاعل. لذلك فالهويّة بدورها تشهد تحيينا تلقائيّا لعناصرها حتى تتلاءم مع الواقع الجديد”. وهنا أجد في التجربة الانتقاليّة في اليابان الكثير ممّا يؤيّد الفكرة القائلة بأنّه كان بالإمكان ابداع نموذج تونسي خالص. إذ تمثّل ثورة الميجي 1868 في اليابان حالة فريدة في التّجارب الثّوريّة العالميّة، بالنّظر إلى السّرعة الكبيرة التي مرّت بها فترة الانتقال من نظام اجتماعي واقتصادي مغلق إلى نظام طموح ومتحفّز للتّغيير والتّنمية. فقد شكّل عهد الميجي عمليّة تغيير سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة كبرى في تاريخ اليابان، وقد تمّت في زمن قياسي وفريد في تاريخ التّحوّلات العالميّة. فلم تمر فترة 25 سنة حتّى تمّ تحديث المؤسّسات المختلفة وإصدار القرارات الحاسمة في تاريخ اليابان الحديث.فقد ركّزت هذه التّجربة على حركة المجتمع واختارت الذّهاب إلى إعادة بناء الاستعدادات داخله لتقبّل التّغيير والانتقال إلى طور جديد ومختلف تماما عمّا كان يعيشه في عزلة شبه تامّة عن العالم. وقد تجسّد دور الميجي في صياغة شكل من أشكال التّعاقد الاجتماعي لبناء نمط معيّن من التحكّم السّياسي والاجتماعي والأمني، ولكنّه احتاج إلى مرجعيّة فكريّة تسوّغه وتمنحه طابع المشروعيّة والإلزام.
- هل الدّين عائق للتّقدّم؟
“هل أنّ واقع الدّين الإسلامي وعلاقته بالمجتمع تماثل ما كان عليه الدين المسيحي وتمركزه داخل سلطة القرار السياسي وترامي مصالح الكنيسة التي لم تستثن مجالا من مجلات النّفوذ؟”
لكأنّني متحفّز إلى أن أجيب بشكل مباشر على هذا السّؤال لأنّني مهيّا إليه بقراءات سابقة ومعمّقة من داخل منطق العقل العلمي المطبق على حركة تطوّر المجتمعات، لا من داخل منطق العقل الدّيني الذي لا أجد فيه مبرّرا أو حجّة لإدارة شؤون الدّنيا والسياسة. وعلى هذا الأساس أجيب الحكيم لطفي المرايحي بأنّ الدّين ليس هو العائق، فأغلب الدّيانات كانت في محيطها التاريخي الأوّلي والأصلي ثوريّة، وخصوصا لحظة كان الدّين بمثابة الحاجة المجتمعيّة الملحّة والمطلب الإجماعيConsensuel لحلّ تناقضات السّائد في واقع المجتمعات المادّي والرّمزي. أمّا وقد أصبح العلم كفيلا بذلك فقد أصبحت بعض أنماط التديّن وبعض أنماط الفكر الدّيني تعيق التقدّم.وبالتّالي فإنّ المشكلة تكمن في كيفيّة تدبير العلاقة الحدوديّة بين الدّنيوي والمقدّس في النّصاب السّياسي.
يثير المقدّس مسألة الإيمان ويفضي إلى التدبير العقائدي للحياة، ويثير الدّنيوي مسألة المعرفة ويفضي إلى التّدبير العقلاني للحياة. حينئذ، فالعلاقة بينهما مبنيّة على التّنافي المتبادل. فمن يؤمن لا يأخذ من المعرفة إلاّ معرفته بالإيمان ويعمل على فرض اعتقاده الإيماني المبني على العقائد القاطعة (الدّوغمائيّة) وتحويله إلى مشترك مرجعي ملزم للجميع. ومن يعرف لا يأخذ من الإيمان إلاّ إيمانه بالمعرفة ويعمل على فرض اعتقاده القاطع بفاعليّة العقل وتحويله إلى مشرك مرجعي للجميع أيضا. وهنا يتجدّد التّنافي المتبادل بين الدّنيوي والمقدّس.
والإنسان منذ أن امتثل إلى سنن النّظم المجتمعيّة تغافل على أنّ العقائد كانت من متطلبات التّدبير الدّنيوي، وحجب فكرة أنّ الإيمان والعقائد القاطعة هي وليدة حالة من المتخيّل المشترك حول ما يمكن أن يعدّ من باب المقدّس في تسيير أمور الدّنيا إذعانا لما يُتمثّـلُ في نطاقٍ ما فوق دنيوي ولأجله. وفي المحصّلة فإنّ المقدّس في حدّ ذاته لا يتشكّل إلاّ في نطاق الدّنيوي التّعاقدي بين النّاس من أجل بناء ضوابط (غيبيّة ومتخيّلة) تستخدم لمعالجة تناقضات السّائد المجتمعي في شتّى تجلّياته ومظاهره.
والحصيلة الأيضيّة أنّه إذا كان لابدّ لنا من مقدّسات فلا ينبغي أن تكون سوى مقدّسات دنيويّة ولا يمكن أن تأخذ قدسيّتها إلاّ من بُعدها الإنساني ومن كونها ملزمة ونافعة لكامل الإنسانيّة وفي نطاق منفعة كلّ الإنسانيّة دنيويّا، على غرار قدسيّة الحريّة، والمساواة، والحقوق، والواجبات. حينئذ، لا يمكن أن يكون هناك مقدّس إلاّ إذا كان في خدمة الإنسانيّة، ولا يمكن أن يكتسب قدسيّته إلاّ تبعا لموجباته الدّنيويّة. فالمقدّسات المجتمعيّة (الملزمة لمجتمع دون غيره) لا تعدو أن تكون سوى عقائد قاطعة ودوغمائيّة وظيفيّة لم يبتدعها الإنسان إلاّ في نطاق معادلة احتكار السّلطة (امتلاك وسائل الحكم بمعناه الواسع والشامل ومتعدّد الأبعاد) واحتكار الثّروة (السّيطرة على الملكيّة بمعناها الواسع والشّامل) باسم المقدّس الذي يمثّل أقوى أنماط الإكراه اللاّمادي.
في هذه المطارحة غير المحايدة، بل واضحة التّحيّز، أنطلق من فكرة أنّ المقدّس يستمدّ قدسيّته من مدى نفعيّته الدّنيويّة ومدى جدواه في تنظيم وجود النّاس وحياتهم، ويستمدّ الدّنيوي أحقيّته من كونه مصدر القيم التي تصبح نواميس لإدارة النّظام المجتمعي، ولكونه أساس المبادئ المرجعيّة التي تأخذ منزلة المقدّس بقدر ما تنفع الناس في تدبير أمور حياتهم الدّنيا فتمكث في الأرض.
تصطدم هذه المطارحة بمركزيّة الدّين في حياة النّاس التي ساهمت في إنتاج مركزيّة الفكر الدّيني في الفضاء السّياسي والاجتماعي في كثير من الأحيان. ولعلّ هذا ما يوحي بأنّ تعطّل الانتقال إلى الدّيمقراطيّة إنّما يعود إلى هيمنة هذا النّوع من الفكر الذي بعدّ نكوصا وانتكاسا وتقليصا للمساحة العقلانيّة التي قام بتوسيعها روّاد الفكر الحداثي في تونس. وهو ما اعتبر تأسيسا لإشكاليّة سوف تتّخذ مع الوقت طابعا انقساميّا على مستوى الفكر والحركة بين القوى الاسلاميّة والقوى العلمانيّة كمعبّرين ميدانيين عن الطّابع الانقسامي بين من يسعى إلى فرض الانتقال وفق مبادئ العقلانيّة الدّنيويّة ومن يعمل على فرضه وفق مبادئ القداسة الدينيّة.
ولا تصطدم هذه المطارحة بمركزيّة الدّين كمعطى مجرّد ومطلق، بل تصطدم بأهم عناصره ومصدر قوّته وسبب تمركزه في المجتمع، وهو قانون الدّين، باعتباره نظام من المعايير والقيم الإنسانيّة التي تقوم على الإيمان بنظام فوق بشري، إذ ترى الأديان أنّ هناك نظاما خارقا، وليس نتاجا لنزوات البشر أو اتّفاقاتهم. وبناء على هذا النّظام فوق البشري يضع الدّين القواعد والقيم التي تعتبر ملزمة. فتزيح كلّ المعايير والنواميس والقواعد البشريّة الدّنيويّة.
- محور التّأليف بين البحث عن منزلة الفرد في الجماعة والبحث عن الدّيمقراطيّة الأمثل.
تناول”النّص- الرّسالة” مكانة الفرد في المجتمع وفق طرح استفهامي مقامه الفرديّة أم الجماعيّة؟ وأجد أنّه في صلب طرحه للمسألة الدّيمقراطيّة منذ أن بادر بالتّفكير عشرين سنة مضت حول“الفرد الغائب في مشروع التّحديث”.لذلك أجده ينتهي إلى القول بأنّ “مجتمعنا هو مجموعة أفراد متساكنة تتعامل بعضها مع البعض في حدود ما تتطلبه الضرورة المعيشية، ولكنها لا تؤلّف بين بعضها جملة مفيدة لأنّه تعوزها قيم الروابط ومعايير الإعراب في صيغة الجمع”.
بإمكاني أن أجدالإجابة عن هذا التساؤل المحدّد بالإطار المجتمعي في نصّ بالغ المعنى من حيث مطابقته لكلّ ما تطرحه الإنسانيّة في ذات المنحى منذ أن كتب إيتيان دو لابوييسي سنة 1541 مقالة العبوديّة الطّوعيّة، وهو أحد أهمّ الكتب على الإطلاق في الفكر السياسي، لأنّه فسّر أسباب ظهور الطّغاة انطلاقا من تاريخ الطّغيان الطّويل، ولأنّه نبّه من شرور الشّعوب التي تقترفها ضدّ حرّيتها من خلال سعيها الطّوعي إلى الإذعان والعبوديّة. فهو يقول بأنّ الشعوب هي التي تنقاد بنفسها وأنّ الشعب الذي يستسلم بنفسه للاستعباد يعمد إلى قطع عنقه. فهو يرى أنّها طبيعة شوهاء لدى النّاس، فالطّموح إلى الحريّة بتناغم مع العقل يميّز مخطّط الوضع البشري. مع ذلك يكفي أن يتمنّى النّاس الحريّة حقيقة حتّى ينالوها، وينتهي بالقول إلى أنّ الشعوب حمقاء وعمياء ولا يبذل النّاس من جهد ليروا أنّ ذاك الذي يتحكّم فيهم ليس سوى الميزة التي يصنعونها له لكي يقوم بتدميرهم.
يعتبر لابوييسي أنّ تشوّه الحاكمين هو العلّة العميقة الثانية لعبوديّة الشّعوب، بعد إذعانهم الطّوعي، ويتساءل عن الأسباب التي تجعلنا نغفل عن الخطر الملازم لكلّ حكم، بل إنّه لا يقيم تعارضا بين الطّاغية السّيء والملك الصّالح،ومادامت كلّ ملكيّة هي حكومة فرد واحد فإنّها تحمل في ذاتها الدّاء السّياسي. فهو يرى أنّ حكم الفرد طغيان، إمّا في حالة كمون أو بالفعل، وهو لا يسلّم أبدا بإمكانيّة وجود طاغية صالح. وهنا نجدهيندّد بقوّة، قبل مونتسكيو بزمن طويل، بتشويه طبيعة السّلطة السّياسيّة الذي يحدثه طغيان فرد واحد. ويرى أنّ القوّة اللاّذعة لكل الأنظمة الاستبداديّة تكمن في إفساد الحياة الاجتماعيّة، وأنّ البنى الاجتماعيّة السّياسيّة لدولة خاضعة للطّغيان ذات خصائص سيّئة تجرّ النّاس إلى دروب سيّئة تتلاشى فيها كلّ فضيلة. فالطّبائع الاجتماعيّة التي هي ظلّ منتشر للأنظمة السّياسيّة هي – في نظره – محرّك السّيطرة وسرّها، فيتيح أثر الطّغيان هذا مثلما يتيح علله أن نفهم معانيه. ومن أبرز معانيه أنّ أذى الطّاغية ليس مردّه هيبة الطّاغية، حقيقة كانت أو افتراضيّة، ولا حتّى عدد المستبدّين، بقدر ما هو الخمول النّفسي لكلّ هؤلاء الذين يستسلمون للإغراء على أيدي رجالات البلاط الذين يحرّكهم الطّمع. وهكذا إذن، فلكي يكون الطّاغية كلّ شيء ينبغي ألاّ يكون الشّعب شيئا. أي أنّ الطّاغية ينتزع كلّ شيء من الكل.
صدّرت تفاعلي مع صاحب المطارحة الذي وجدته هذه المرّة سياسيّا قبل أن يكون طبيبا، بما يسمح به المجال من التضمين المستخلص من أحد أهم النّصوص التي تعود إلى حوالي خمسة قرون لأنّني أدافع عن أطروحة مفادها أنّ الدّيمقراطية بوصفها ناموسا مجتمعيّا هي الإجابة السياسيّة والعمليّة عن السّؤال الرّئيسي في هذا المحور. والدّيمقراطيّة بوصفها ناموسا مجتمعيّا يعني أنّها ليست فقط شأنا خاصّا أو فئويّا، وليست شأنا سياسيّا صرفا، وليست قضيّة دستوريّة خالصة، ولا هي مجرّد آليّة لتنظيم العلاقة بين السّلط العموميّة، ولا هي أيضا نظام حكم محض، بل هي شأن مواطني عام يتعلّق بحريّة اختيار نمط الحياة وضمان الحقوق والحريّات بناء على مبدأ المساواة، وتمكين المواطنين، لا فقط من اختيار من يحكمهم، بل من الحقّ في الاعتراض العمومي عليه. وهو ما يؤصّل الدّيمقراطيّة وفق هذا النّموذج على أربعة أركان أساسيّة لا تقبل انتقاص أيّ ركن منها لئلاّ تختلّ مبادئها:
- الرّكن الأوّل، يتمثّل في التّوليف بين الحريّات السّياسيّة (حريّات القدامي) الضّامنة للمشاركة والحرّيات الفرديّة (حرية المحدثين) الضّامنة لحماية الفرد من بطش المرجعيّات الجماعيّة، حتّى تكون الدّيمقراطيّة نظاما إدماجيّا يستجيب لاتّجاهات الكلاسيكيّين بشكل عام، وخصوصا النّموذج الجمهوري الذي يولي الأهميّة للسيادة الشعبيّة بقدر ما يستجيب للنّموذج الليبرالي الذي يعطي الأولويّة للمسألة الحقوقيّة.
- – الرّكن الثّاني، يتمثّل في الانصهار بين قيمة الفرد باعتباره أرقى صفات الإنسان الاجتماعيّة، وقيمة المواطن باعتباره أرقى صفاته السياسيّة، ليكون التدامج بينهما على أساس الضّمان المزدوج للحريات السياسيّة والحريّات الفرديّة بنفس القدر في إطار أرقى مستويات الاجتماع السّياسي.
- الرّكن الثالث، يتمثل في عدم انحصار الدّيمقراطيّة في الأدائيّة السياسيّة في حدود ما تفرضه الأنظمة الدّستوريّة، بل تتجاوز ذلك لتدرج القيم الثقافية التاريخية التي تجعل من الدّيمقراطيّة ناموسا مجتمعيّا قبل أن تكون نظام حكم، أو شكلا من أشكال تنظيم الحياة السياسيّة.
- الرّكن الرّابع: يتمثّل في التّداول التّواصلي على قاعدة إيتيقا الحوار في الفضاء العام،فضاء النقاشات الشكليّة واللاّشكليّة، ومن ثمّ فهو شرط إمكان قيام ديمقراطيّة تداوليّة. إذ أنّه يساهم – باعتباره فضاء للنقاش الاجتماعي والسّياسي، ومن خلال التبادل الحر للمعارف والأفكار – في تشكيل رأي المواطنين وإرادتهم، كما أنّه يجعل من الممكن مراقبة السّلطة ونقدها بطريقة عموميّة.
في إشارة إلى البعض من العقبات الكأداء أمام إمكانية بناء الدّيمقراطيّة الأمثل لمجتمعنا يرى لطفي المرايحي أنّ“تاريخ الدّيمقراطيّة لم يسر بشكل متواز مع صيغها”، كما أنّ“الممارسات السياسية المثلى لا تحدّدها الدساتير والقوانين والعهود والمواثيق مهما تفنن في ديباجاتها وصياغتها، ومهما كان حرص واضعيها على سد منافذ التلاعب بها وتجاوزها، وإنّما سلامتها والحرص على تطبيقها والالتزام بها رهين الوعي الشعبي والإيمان العميق لدى النّاس بأنّ الذّود عليها والحيلولة دون انتهاكها ضمان لسيادتهم وإعلاء لصوتهم وحفاظا على مصالحهم وصمام أمان لحرياتهم، فإن فرّطوا فيها فقدوا مواطنتهم وتحوّلوا إلى رعايا”. ويبقى هذا الأمر رهين طبيعة النّظام السياسي الذي يحدّد طبيعة نظام الحكم وشكله، وما إذا كان ضامنا لفضيلة المواطنة بدل رذيلة الرعيّة.
- أيّنظام سياسي يكون الأنسب يا ترى؟
“كان هذا من الأسئلة الحرجة التي كان على التونسيين وخاصّة مجلسهم التّأسيسي المنبثق عن الثورة حسمه. كانت في الحقيقة لحظة استثنائيّة، إذ قلّ أن طرحت مسألة اختيار نظام الحكم في العالم العربي، لا على الشعوب ولا عمّن ينوب عنها. نظام الحكم في الأقطار العربيّة كالدّين، تفتح عينيك على ملكيّة أو سلطة شموليّة، وعليك أن تقنع بقدرك غاية ما هو متاح لك تعداد المتعاقبين على سدّة الحكم”.
إنّني أجد ما يطرحه لطفي المرايحي أمرا عزيز المذهب صعب المنال لأنّه يتطلّب وجودسياسيين من ذوي السّعة المعرفية الأكثر عمقا وامتدادا من أغلبيّة أولئك الذين سيطروا من حيث العدد والعدّة والعتاد على المجالس النيابية التي عرفتها تونس منذ انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011. والسّعة المعرفيّة المطلوب تملّكها هي التي تمكّنهم من التّمييز، أوّلا، بينشكل الدّولة ونظام الحكم،وثانيا، بين النّظام السّياسي ونظام الحكم.
يقتضي التّمييز الأوّل أن نفرّق بين أشكال الدّولة Formes d’Etat وأشكال النّظم السّياسيّة Formes de régimes politiques. وأفضّل أن ستخدم اصطلاح أشكال النّظم السّياسيّة، بدلا من اصطلاح أشكال الحكم Formes de gouvernement الغامض. قد يتّخذ أيّ شكل من أشكال الدّولة صورا متباينة من النّظم السّياسيّة. فالدّولة اللّيبراليّة مثلا قد تتّخذ شكل النّظام الملكي الدّستوري (بريطانيا)، أو شكل النّظام الجمهوري البرلماني (فرنسا). كما أنّ هناك صورا مختلفة للدّولة التي تأخذ مبدأ التدخّل في النشاط الاقتصادي. تتمثّل في نظم الحكم المختلفة التي تعبّر عنها، كالنّظام الرّئاسي الأمريكي، والنّظام البرلماني الإنجليزي القائم على وجود حزبين، والنّظام البرلماني الأوروبي القائم على تعدّد الأحزاب. وهكذا فإنّ التّباين في النّظم السّياسيّة لا يفترض دائما تطابقا آليّا معه في التباين بين نظم الحكم، كما لا يمكن ردّه مباشرة إلى اختلاف مراحل تطوّر تكوين اجتماعي معيّن، وإنّما يرجع هذا الاختلاف إلى أنّ للمستوى السّياسي زمن خاص، ومن ثم فهو يرتبط بأبنيته الشرعيّة. فلهذا المستوى، المستقل نسبيّا، زمنه وإيقاعه الخاص، الذي يشكّل في ارتباطه بأزمنة المستويات الأخرى، مرحلة تاريخيّة معيّنة، في تطوّر التّكوين الاجتماعي.
يُـبنى النّموذج المثالي لتصنيف الأنظمة السّياسيّة انطلاقا من التّحليل المقارن لأنظمة واقعيّة لاستخلاص السّمات والخصائص المشتركة، لعدد منها، ذات طابع مجرّد وممنهج يساعد على تفسيرها. ولتصنيف المنظومات السّياسيّة وفقا لهذا التّمشّي جمع موريس دوفرجيه بين تعارضين: بين الأنظمة اللّيبراليّة والأنظمة التسلطيّة من ناحية، وبين المنظومات الرّأسماليّة والمنظومات الاشتراكيّة من ناحية ثانية. يستند التّعارض الأوّل إلى بنية المؤسّسات السّياسيّة، ويستند التعارض الثّاني إلى الظّروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة. وبجمعه لهذين التّعارضين انتهى دوفرجيه إلى اقتراح أربعة نماذج من المنظومات السّياسيّة، منها ثلاثة نماذج برزت بشكل لافت خلال القرن العشرين، وهي: الدّيمقراطيّات الرّأسماليّة (المنظومة الغربيّة)، الدّكتاتوريّات الاشتراكيّة (منظومات بلدان أوروبا الشرقيّة)، والأنظمة الاستبداديّة الرّأسماليّة (ملكيّات قديمة ودكتاتوريّات فاشيّة أو محافظة). أمّا النّموذج الرّابع الذي وسمه بالدّيمقراطيّات الاشتراكيّة، فهو لم ير النّور بفعل اجتهاد الأمّتين الكبيرتين اللّتين تهيمنان على العالم – الولايات المتّحدة والاتّحاد السّوفياتي – حتّى لا يرى هذا النّظام النّور. فهو يرى أنّه كلّما حاولت دكتاتوريّة اشتراكيّة التطوّر نحو الدّيمقراطيّة دون التّخلّي عن الاشتراكيّة، قطعت الجيوش السّوفياتيّة تجربتها بعنف (براغ 1968). وكلّما حاولت ديمقراطيّة رأسماليّة أن تتطوّر نحو الاشتراكيّة دون التخلّي عن الدّيمقراطيّة، تدخّلت الاستخبارات الأمريكيّة لإغراق التّجربة بالدّم (سانتياغو 1973).
ويقتضي التّمييز الثّاني إدراك أنّ النّظام السّياسي هو كيان متشابك من العلاقات والتّأثيرات المتداخلة في نطاقه، كما تندمج فيه أنظمة فرعية مختلفة. وهو مرتبط، مثل كلّ نظام، بعلاقات وظيفيّة مع البيئة الخارجيّة المحيطة به، بحيث يؤدّي وظائف لها، بالإضافة إلى أنّه يحظى بخدمات مكتسبة منها، وفي هذا النّطاق فإنّ الهيئات التّوجيهيّة المركزيّة للنّظام السّياسي هي التي تشكّل ما تطلق عليه تسمية نظام الحكم. وتندرج ضمنه بالمعنى الأضيق الحكومة نفسها، والبرلمان والمحاكم العليا. وتضاف إلى هيئات وسطيّة وظائف مفصليّة أو توصيليّة بين مراكز النّظام السّياسي الاجتماعي الشامل وبين عناصره الفرعيّة. وهذه الهيئات هي الممثلة في المحاكم الفرعيّة والدّوائر الرّسميّة وعناصر النّظام التوسّطي (المتألّف من الأحزاب والرّوابط والمبادرات المدنيّة ووسائل الإعلام)، على سبيل المثال.
استخلاصا لما ورد من عناصر ناظمة لكيفيّة التّمييز بين النّظامين، واعتمادا على بعض فروض النّموذج المثالي فإنّ العلامة المميّزة للنظام السياسي هي بحدّ ذاتها قدرته على حلّ مشكلاته في ميادين سياسيّة محدّدة، وهي العلامة التي تسمح بإمكانيّة إدراجه بحثيّا في إطار النظريّة الاجتماعيّة الثقافيّة، كما تنهي إلينا ذلك مصنّفة موريس دوفرجيه. أمّا العلامة المميزة لنظام الحكم فتُستنطق من خلال الأنظمة الإجرائيّة التي تبني قواعد اللّعبة الموجّهة للتّعامل مع مكوّنات النّظام السياسي الوظيفيّة. وبالتالي، فمن الممكن اعتبار النّظام السياسي نظاما فرعيّا للمجتمع في نطاق علاقته بالسّياسة، أو هو صداه الأكثر تطابقا معه من النّاحية السياسيّة، بينما يناط لنظام الحكم إيجاد الأحكام الضروريّة لتدبير تلك العلاقة ين المجتمع والدّولة (كالمعايير والقوانين والمراسيم، إلخ)، وإدارة وسائلها التّنفيذية. وهذا الاستخلاص يجد صداه في راي المرايحي بقوله “إنّ السلطة التي تدير الشّأن العام وكثيرا من الشأن الخاص لأيّة مجموعة بشريّة وأيّا كان المصدر الذي تستمدّ منه شرعيتها للحكم لابدّ لها أن ترضى ضرورة بتقاسم سلطتها بقدر مع غيرها وهي مكرهة عليه بفعل الواقع، وإن كابرت وأحجمت عرّضت نفسها لمخاطر تتهدد سلطتها ونفوذها، وقد تقود إلى زوالها، والقول بأنّ السّلطة لا تُـتقاسم قول باطل ولا يستقيم… نظام الحكم هو هندسة تفضي إلى توزيع الأدوار بين الماسكين بالسّلطة من مجالات تنفيذية وتشريعية وقضائيّة”.
- محور الوطن… ما الوطن؟
إنّ السّؤال حول الوطن هو قبل كلّ شيء سؤال في المواطنة، وتصريفه الإجرائي، في واقع نظام الاستثناء (ما بعد 25 جويلية 2021)، يترجمه على النّحو التالي:على ماذا يواطن شعب الجمهوريّة الجديدة؟ وإذا غابت شروط المواطنة التي تعدّ الدّيمقراطيّة بوصفها ناموسا مجتمعيّا إطارها العام وأساسها العملي– كما سبق وأشرت إلى ذلك– فسوف نكون إزاء نهاية مجتمع المواطنة. ونهاية مجتمع المواطنين تعنيالعودة إلى مجتمع الرّعايا. وهذه العودة تحتمل وثبة ارتداديّة إلى الوراء تطوي قرونا من التّشكّل التراكمي والبناء التّعاقبي لقيم المواطنة ومبادئها منذ صيغتها الأوّليّة مع الدّولة المدينة حتّى الثّورات الحديثة الكبرى التي أرست حقوق الإنسان والمواطن.
إنّ ما يؤكّد وجاهة ما أقترح الخوض فيه هو المفارقة التي فرضها مسار نظام الاستثناء وبناء الجمهوريّة الجديدة. فقد بُني هذا المسار على الانقلاب الصّريح والعلني على كلّ المكتسبات المواطنيّة التي تحقّقت في نصاب السياسة منذ إسقاط النّظام القديم. وقد تجسّدت أبرز مظاهر الانقلاب على المكتسبات المواطنيّة من خلال نمطين من الفعل السّياسي تمّ إقرارهما على مرحلتين:
النّمط الأوّل الذي فُرض خلال المرحلة الأولى هو نمط تقويضي، وقد تمثّل في إلغاء كلّ نتائج التّأسيس المواطني خلال عشر سنوات، بدءا بإلغاء الدّستور المنبثق عن مجلس وطني تأسيسي، وصولا إلى حلّ المجالس البلديّة، مرورا بحلّ البرلمان، وهي جميعها وليدة المشاركة السياسيّة الحرّة إضافة إلى كونها كانت خيارات التّداول العام حول المشترك المواطني. ورغم أنّ ذلك لم يعط أفضل النّتائج ولم يقدّم أفضل المتوقّع أو المنتظر لكنه يظلّ دائما نتاجا للدّينمايكيّة المواطنيّة في حدود مسؤوليتها السياسيّة وثقافتها السياسيّة وآدابها السياسيّة، وأهمّ ما في الأمر أنّه كان نتيجة مسار من تشكل الدّيناميكيّة المواطنيّة والمُضيّ تدريجيّا نحو اكتمال شروطها ومبادئها الشاملة والكليّة. وهو ما يؤهّلها إلى أن تتطوّر ذاتيّا وتتجاوز معاطبها وانحرافاتها.
أمّا النّمط الثاني فيتمثّل في فرض مسار انفرادي في إعادة التّأسيس دون الالتزام بالضّوابط السياسيّة والقيميّة والأخلاقيّة والقانونيّة سواء لمفهوم العقد الاجتماعي أو لمعنى التّأسيس التعاقدي، وذلك بإلغاء أهم مبادئ المشاركة السياسيّة وأشكالها، منذ أن انفرد صانع نظام الاستثناء بالتّشريع والتّأسيس للبناء الجديد، ومنذ أن أعلن أنّه صاحب السّلطة التّأسيسيّة الأصليّة، ومنذ أن مارسها فعلا وذلك بمنحه دستورا لمحكوميه الذين فرض عليهم الخروج نهائيّا من فضاء المواطنة السياسي إلى فضاء الرّعيّة ما قبل السّياسي. فمعلوم أن الفضاء السياسي العام الذي يدير في نصابه صاحب الجمهوريّة الجديدة علاقة الدّولة بالمجتمع لا يمكن أن يستوعب أدنى مقوّمات المواطنة، بل هو مطابق تماما لمقوّمات الرّعيّة والساكنة.
قد يكون من موجبات التّحقيب أن نقسّم التّاريخ البشري إلى أطوار متعاقبة ومتسلسلة بحيث تكون لواحقها متّصلة عليّا وسببيا بسوابقها، ولا إمكانيّة لأن نقفز فيها على مراحل الخط الزّمني التّطوري، ولا أن نرتد فيها بوثبة ورائيّة فنطوي بها حقبا بكاملها أو نلغيها من هذه السلسلة الزّمنية. غير أنّ ذلك أصبح ممكنا بالنّسبة إلى التّحقيب السياسي، بمنطوق الواقع، وهو تحقيب قد يخلّ بقوانين التّاريخ البشري ويُنكر سمات الزّمن الحضاري للإنسان من حيث إمكانيّة عدم التّوافق بين الطّور السياسي والطّور التّاريخي. فالمعادلة وإن كانت صعبة وغير مستساغة من منظور تاريخاني، إلاّ أنّها أصبحت ممكنة في نصاب الفعل السياسي، إذ من الممكن ألاّ يتوافق الطّور السياسي مع الطّور التاريخي فيصبح السياسي صورة من صور اللاّتاريخانيّة عندما يستحضر أنماطا من التّدبير التي تجاوزها الاجتماع السياسي وأدرجها في عداد التراث الذي لم يعد مجديا إلاّ لمجرّد استحضاره صلب الدّراسات التّاريخيّة. فأمام خصائص نظام الاستثناء الذي يهيّئ للانتقال إلى جمهوريّة جديدة، سقطت المطابقة التعاقبيّة بين السياسي والتّاريخي، وعندئذ أصبح من الضّروري تقويم الطّور السياسي بمواصفاته على خلاف منطق التّقويم التاريخي التعاقبي. وهو ما يستوجب طرح تساؤلات موجبة للبحث:
ماذا بقي من مقوّمات المواطنة ومبادئها ونواميسها في ظلّ دولة الاستثناء ونظامها؟ وعلى ماذا يمكن أن يواطن شعب الجمهوريّة الجديدة؟ وهل نحن فعلا إزاء مواجهة بين المواطنة والدّولة؟ وأيّهما أساس الآخر والضّامن لوجوده؟ وهل تبدو الجمهوريّة الجديدة انقلابا على كلّ ما راكمته البشريّة على مدى تاريخ الاجتماع السّياسي الطّويلومنذ أن عرّف أرسطو المدينة على أساس حقوق المواطن السياسيّة؟ وبناء على ذلك، هل يمكن أن يكون للجمهوريّة الجديدة أفقا ديمقراطيّا؟
لا يمكن أن أجد إجابة خارج نطاق الدّولة الوطنيّة التي نشأت في الغرب بعد معاهدةويستفالياWestphalie (24 أكتوبر 1648) وتشكّلت نهائيّا بعد الثّورة الصّناعيّة والثّورات السّياسيّة والاجتماعيّة، فقد أقامت تلك التّجارب الدّليل على أنّ المواطنة هي التي بنت دولتها، لذلك كانت الدّولة الوطنيّة هي دولة المواطنة، ولذلك فإنّ الذي يصل إلى الحكم لا يسلك طريقا غير طريقها، لأنّه محمول عليه أن يحكم بذهنيتها وبقيمها وبآدابها وبمسؤوليّتها. فكلّ ذلك كان من أهداف الثّورات الحديثة الشّاملة، لذلك حرّرت الانسان وزرعت قيم المواطنة والدّيمقراطيّة وأسّست الدّولة الجديدة التي تستوعب كلّ ذلك وتشتغل به، وتلتزم بقاعدة أنّ المواطنة هي الأساس والدّولة هي البناء، لذلك لم تحدث ثورات في الغرب بعد الثّورات البرجوازيّة التي أرست دعائم الدّولة المواطنيّة في نصاب الدّولة الوطنيّة. غير أنّ هذا المفهوم فقد معناه تماما بمقتضى أحكام دستور الجمهوريّة الجديدة، إذ تنصّ فاتحة فصله الخامس على أنّ “تونس جزء من الأمّة الإسلاميّة”. فأن ينصّ القانون الأسمى لتنظيم الحياة السياسيّة على أنّ الكيان السياسي الذي ينظّمه بكامل مكوناته وأركانه وحصيلته العامّة لعلاقة مجتمعه بترابه عبر التاريخ الطّويل هو جزء من ذاتيّة سياسيّة وثقافيّة ومجاليّة أخرى، فهذا يدعو إلى مراجعة معنى الوطن، ومعنى السيادة الوطنيّة ودلالتها لدى كوجيتوالرّئيس المؤسّس، لأنّه لا يمكن الحديث عن سيادة وطنيّة تامّة ومطلقة لدولة هي في مقام الجزء من ذاتيّة أخرى وكيان أشمل. لأنّ هذا المعنى المباشر في الجملة الأولى من الفصل الخامس يضع سيادة تونس في إطار سيادة الأمّة الإسلاميّة. والأمّة الإسلاميّة تشكّلت ثقافيّا وسياسيّا وتاريخيّا في إطار دولة الخلافة، ولم تتشكّل لا في إطار نظام جمهوري ولا في إطار نظام ديمقراطي. فضلا عن أنّ مفهوم السيادة الوطنيّة بدأ يأخذ معناه السّياسي في إطار العلاقات الدّوليّة منذ مؤتمر ويستفاليا الذي وضع شروط السّيادة الوطنيّة ومقوّماتها في تلازم مع أسس الدّولة الوطنيّة ومقوّماتها. كما أنّ الدّولة الوطنيّة في صيغتها الواستفاليّة فرضها تطوّر الاجتماع السياسي على نطاق كوني واستوجب القطع مع نمط الدّولة الدّينيّة الإمبراطوريّة المقدّسة وأشكال الحكم بحق إلهي. وهذا ما يمكن أن نختبر عليه الأحكام الواردة في بقية الفصل الخامس، بعد فاتحته التي تضع تونس في مقام الجزء من كلّ أشمل. تقول بقيّة الفصل: “وعلى الدّولة وحدها أن تعمل، في ظلّ نظام ديمقراطي، على تحقيق مقاصد الإسلام الحنيف في الحفاظ على النّفس والعرض والمال والدّين والحريّة”. وبقطع النّظر عن أنّ عبارة “في ظل نظام ديمقراطي” تتعلّق بالإطار الذي يوجب على الدّولة أن تحقّق فيه مقاصد الإسلام، فإنّ الانفتاح على بسط هذه الأحكام الدّستوريّة في فضاء التّداول العام قد يستنطق منها إرساء أسس الدّولة الدّينيّة.
هكذا يمكن أن نستخلص الإجابة من الدّستور الممنوح–الذي جبّ كل ما قبله من الدّساتير– عن السّؤال الذي طرحه الطبيب الذي يقبع في السّجن بسبب شغفهبالمشاركة السّياسية من باب المسؤوليّة المواطنيّة حول معنى الوطن ومفهوم المواطنة وشروط السيادة الوطنيّة.
تونس في 12 فيفري 2025




