احمد نظيف: الشاعر والطاغية

كتب أوسيب ماندلشتام في عام 1934 قصيدة قصيرة لاذعة تسخر من ستالين بسبب أصابعه الدهنية الكثيفة، والشعر الذي ينمو من أنفه.
قصيدة تافهة وساخرة، ولكنها قاصمة. وعلى الرغم من أن الشاعر السوفياتي لم يقرأ القصيدة إلا بين دائرة ضيقة من الأصدقاء المقربين، إلا أن شخصًا ما (أو ربما أكثر من واحد) أبلغ الشرطة السرية، وتم القبض على ماندلشتام.
لكن الحكاية الأسطورية المتوارثة من العصر الستاليني التي تتعلق بهذه القصيدة، كانت أساساً حول المكالمة الهاتفية التي دامت ثلاث دقائق بين الشاعر بوريس باسترناك وستالين نفسه والتي جرت في ذلك العام، بعد أن شاع الخبر في موسكو بأن ماندلشتام في السجن.
لا أحد يعرف بالضبط ما قيل، فقد تم تداول أكثر من اثنتي عشرة رواية، بعضها من باسترناك نفسه. لكن ما اتفق حوله الرواة كان كما يلي: رن الهاتف في شقة باسترناك، في الجهة الأخرى كان صوت ألكسندر بوسكريبيشيف سكرتير ستالين، يبلّغ الشاعر والروائي أن الرفيق ستالين يرغب في التحدث معه.
اعتقد باسترناك أنها مجرد مزحة. سأل ستالين باسترناك عما إذا كان ماندلشتام شاعرًا عظيمًا أم لا.
مرعوبًا ومشتبهاً في أن ذلك ربما يكون فخًا يهدف إلى توريطه، تمتم باسترناك قائلاً، إنه وماندلشتام لهما توجهات مختلفة، وأنه لا يستطيع إصدار حكم قاطع حول قيمة شعره.
رد ستالين بهدوء، لابد وأنك صديق سيء يا باسترناك، فالبلشفي الحقيقي سيخاطر بكل شيء لإنقاذ رفيقه، وأنهى المكالمة فجأة.
حاول باسترناك إعادة الاتصال بالرقم ولكن قيل له أن الرقم لم يعد موجودًا، فقد تم إنشاؤه فقط لتلك المكالمة اليتيمة.
لقد تركه الأمر برمته مدمرًا. فشل في إنقاذ ماندلشتام وأراق ماء وجهه أمام السلطة. هذه القصة التي يرويها، سلافوي جيجيك، في “الشاعر والطاغية”، تكشف عن أن ردّة الفعل الأولى، بوصفها بدائيةً وعفويةً، نابعةً من القلب، لا من حسابات العقل، هي التجلي الحقيقي لمعدن الإنسان.
لذلك، فإن المحن – ويا الأسف الشديد – وحدها، تعلمنا دائماً كيف نستخلص روح الحقيقة من أحدهم. حقيقة نفسه وحقيقة مزاعمه حول الخير. ثمة شجاعة عميقة في قلب كل واحد منا، مستعدة للظهور منتفضةً في وجه الشرّ، إلى جوارها جُبن الحسابات ووسوسة الأنا. وفي اللحظة الحاسمة يصعد أحدهما معبراً عن جوهرنا.
  • منشور على صفحة فيسبوك الكاتب الصحفي 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى