“حُوكِمتُ بثماني سنوات في الطّور الإبتدائي، ورفضت الاستنطاق أمام قاضي التحقيق، وقلت له أنت بصدد تنفيذ التعليمات ولا تبحث عن الحقيقة أو تُفتّش في جريمة. قضيّت 45 سنة من النّضال في مجال الحريّات وحُقوق الإنسان، واليوم قيس سعيّد الّذي لم يجرؤ على فتح فمه أيّام الاستبداد يتّهمنا نحن بالإرهاب.
يا حسرة.. يا حسرة”. بهذه الكلمات واجَهَ المحامي والمناضل الحقوقي العياشي الهمامي هيئة المحكمة خلال جلسة الاستئناف في قضية التآمر على أمن الدّولة التي انعقدت في 27 نوفمبر 2025. قدّمَ العياشي الهمامي خلال تلك الجلسة التي مثُل فيها بصفته مُتَّهَمًا في ملفّ التآمر، وهو عضو ضمن هيئة الدّفاع عن المعتقلين في الملفّ ذاته، مُرافعةً في الشّكل، كشف فيها تهافت الملفّ والخروقات الشكلية، والطابع السياسي للمحاكمات. وحُوكِم إثر تلك الجلسة بخمس سنوات سجن.

في الوقفة الاحتجاجيّة التي انتظمت يوم 29 نوفمبر الفائت، كان العياشي الهمامي في الصفوف الأماميّة مع “الشبيبة”، ماسكًا العصا وضاربًا على الطّبل الّذي يُرافق ترديد الشعارات. كان يبتسم بهدوء الواثق في نفسه، رغم اقتراب موعد تنفيذ الحكم الاستئنافي. ليتم اعتقاله بعد ذلك بأيام قليلة، في 2 ديسمبر 2025.

تبدو مسيرة العياشي الهمامي وكأنّها دائريّة الشكل، يربطها خيط ناظم شفّاف، هو الانحياز للحقوق والحريات وتجميع الفُرقَاء، إذ يبدو وأنّ التاريخ يُعيد نفسَه مع كلّ محطّة يمرّ بها، بَدْءًا بالدّفاع عن استقلاليّة القضاء، مرورًا بالمبادرة الديمقراطية وتوحيد المعارضة (المعارضات)، وصولا إلى الإضراب عن الطعام كحلّ أقصى لمواجهة القمع.
متلازمة “شُوهِدَ من قبل” (déjà vu) تطبع مسيرة المناضل والحقوقي العياشي الهمامي، الّذي تطوّع في الدفاع عن المعتقلين في القضايا السياسيّة، وتعفّف عن الغنائم، إلى أن أصبح بدوره سجينًا سياسيًّا اعتُقِل بسبب معارضته لنظام لا ينفكّ عن قضم هوامش الحياة السياسية.
في البدء كانت المعارضةلم يكن من السّهل اقتفاء أثر العياشي الهمامي، رغم إجماع الشخصيات السياسيّة والحقوقية على مبدئيّته ودفاعه المتواصل عن الحريات وعن دولة القانون. غير أن هذه السيرة النضالية اختارت أن تنأى بنفسها عن الأضواء، إذ خيّر العياشي السّير في الخفاء ولم يُوثّق تجربته الّتي بدأت منذ الثمانينات.
تستحضر زوجته ورفيقة عمره وحيدة الخالدي منتصف الثمانينات، حين كانت تشتغل في التدريس مع العياشي الهمّامي في مدينة “القطار” في قفصة، في الجنوب الغربي للبلاد. تزامنت تلك الفترة مع أحداث الخبز الّتي جدّت في 03 جانفي 1984 احتجاجًا على ارتفاع سعر الخبز ورفع الدّعم عن الموادّ الأساسيّة.
تقول وحيدة للمفكرة القانونية: “زادَ إعجابي بالعياشي عندما قاد مسيرةً من “القْطار” إلى قفصة، واعتلى جدار المستشفى وخطَب في الجموع. تمّ إيقافُه بعد يومَين من تلك المسيرة الضخمة بتُهمة تحريض التلاميذ على التمرّد والعصيان، وحُكم عليه ابتدائيًّا بستّة أشهر سجنًا، وتمّ تخفيف العقوبة إلى ثلاثة أشهر، قضاها في السجن المدني بقفصة”.
بعد قضاء تلك العقوبة، لم يعُد بإمكان العياشي الهمّامي مزاولة مهنة التعليم، بعد أن اتُّهِم بتحريض التلاميذ على الخروج في المظاهرات. فأعاد التسجيل من جديد للحصول على شهادة الباكالوريا الفرنسية، ودرس الحقوق.
تقول زوجته للمفكرة القانونية: “سألتُه لِمَ اخترتَ هذا الاختصاص؟ فقال لي: “حتى لا أخسر عملي عندما يتمّ القبض عليّ في محطّات لاحقة”.
ظلّ العياشي يدرس الحقوق ويشتغل في جريدة الشعب وجريدة الموقف كاتبًا ومترجمًا، إلى أن تحصّل على الإجازة في الحقوق، ومن ثمّ التحق بالمحاماة، لتبدأ مسيرتُه المهنيّة في الدّفاع عن الحريّة والديمقراطيّة مع بداية التّسعينات.
يروي صديقُه المقرّب الرسام الكاريكاتوري توفيق عمران للمفكرة القانونية كيف نشأت صداقَـتهما مُنذ أربعينَ سنة، في إحدى أحياء السّكَن الجامعي ببن عروس في العاصمة.
ثمّ انتقلَا، دون سابق تنسيق، إلى المدرسة الوطنية للإدارة، وتوطّدت العلاقة هناك. بدأ العيّاشي في تكوين نواة نقابيّة في المدرسة الوطنية للإدارة، فتمّ استبعادُه تمامًا مع عدد من رفاقه.
يقول توفيق عمران للمفكرة القانونية: “كنت أقول له، أنت شُجاع إلى حدّ التهوّر، وهو يقول لي أنت شديد الحَذَر إلى حدّ الجُبن”. بعد 25 جويلية 2021، كانت بوصلة العياشي الهمامي واضحة: اعتبر أن اتّخاذ تلك التدابير الاستثنائية انقلابًا على الدستور وعلى مكاسب الديمقراطية، فيما لم يحسم صديقُه موقفَه بعْدُ.
كان العياشي مُتخوّفًا من ملامح الاستبداد التي بدأت تظهر في منظومة حُكم قيس سعيّد، في حين يسعى توفيق إلى تنسيب الموقف، قائلا لصديقه، بلهجة ممزوجة بكلمات فرنسية: “لا تخف، il n’a pas le profil (إنّه لا يمتلك تلك المواصفات)”.
حين تمّ استدعاء توفيق عمران في 21 سبتمبر 2023 على خلفيّة رسوم كاريكاتورية ناقدة لرئيس الحكومة آنذاك أحمد الحشاني، دخل العياشي الهمامي إلى غرفة التحقيق وتوجّه إلى صديقه بالسؤال: “لا يمتلك تلك المواصفات، قلت لي؟ “?il n’a pas le profil”، ودافع العياشي عن صديقه وسُجّل محضر استنطاق ثان عوضًا عن المحضر الأوّل الّذي تمّ دون حضور محامٍ.

أنجَز توفيق عمران بورتريه لصديقه العياشي، كتب عليه عبارة “صديقي”. “هذه الرسمة أنجزتُها منذ جلسة الاستئناف في قضيّة التآمر، كانت تعبيرة عفويّة خطرت ببالي فرسمتُها، قمت بطباعتِها، وضعتها في إطار، وسلّمتها إيّاه في مكتبه قبل أن أنشرَها على صفحتي”.
إضراب عن الطّعام في “قمّة المعلومات”
تميّز العياشي الهمامي طيلة مسيرته النضاليّة بكونه شخصيّة جامِعة، ويسعى إلى خلق مبادرات يجتمع فيها الفُرَقاء حول الحدّ الأدنى السياسي.
كان ناشطا بارزا في المبادرة الديمقراطيّة التي تكوّنت سنة 2004 لتطرح نفسَها كبديل تقدّمي يضمّ شخصيات حزبيّة وحقوقيّة يساريّة. رشّحت المبادرة محمّد علي الحلواني عضو المكتب التنفيذي لحركة التجديد المعارِضة لخوض الانتخابات الرئاسية التي تمّت في 26 أكتوبر 2004 لمواجهة الرئيس-المترشح زين العابدين بن علي، لكنّها تعرّضت إلى تضييقات منعَتها من الحشد والتعبئة، في ظلّ مناخ الاستبداد، وتحصّل المترشح فقط على 0.95% من جملة الأصوات المصرّح بها. كتب الأستاذ العربي شويخة في مقال مشترك مع أستاذ العلوم الاجتماعية الفرنسي فانسون جيسيرمقالا علميًا في 2006، قال فيه “إنّ المبادرة سعت جاهدةً إلى احتلال مكانةٍ بارزةٍ في الساحة العامة خلال الحملة الانتخابية: اجتماعات، ومظاهرات في شوارع تونس -وإن كانت قليلة العدد- احتجاجًا على مصادرة برنامجها الانتخابي، وتنظيم فعاليةٍ ختاميةٍ لحملتها الانتخابية، وهو أمرٌ فريدٌ من نوعه في السنوات العشر الأخيرة، جمعت أكثر من ألفي شخص، من بينهم عددٌ من النشطاء السياسيين والنقابيين السابقين من سبعينيات القرن الماضي”.
لم يكتفِ العياشي باقتراح هذه المبادرة السياسية ودعمها والنّشاط ضمنها، لكنّه كان ضمن نواة التفكير الرئيسية في تنظيم إضراب عن الطّعام، في 18 أكتوبر 2005، بالتزامن مع احتضان تونس للقمة العالميّة لمجتمع المعلومات التي كانت مسبوقة باحتجاجات شعبية بسبب بدعوة وَجّهَها نظام بن علي لمجرم الحرب الإسرائيلي آرييل شارون، ليتراجع عن ذلك في وقت لاحق.
انعقدت قمة المعلومات العالمية في الوقت الّذي كان فيها نظام بن علي يقمع الحريّات ويضيّق على العمل المدني والسياسي ويراقب مواقع الأنترنات ويحجُب بعضَها.
كان الهمامي ضمن نواة حقوقية وسياسية سعت إلى التواصل مع طيف واسع من الأحزاب السياسية المعارضة والمنظمات المستقلة ومناضلين نقابيين واجتماعيين، لضمان أكبر تمثيليّة عن التيارات الفكرية والسياسية.
رفع هذا الإضراب شعار “الجوع ولا الخضوع”، وكان الهدف منه الكشف عن الوجه الحقيقي للاستبداد والمطالبة بإطلاق سراح المساجين السياسيّين وسنّ عفو تشريعي عامّ واحترام حريّات التعبير والصحافة والنشر والتنظّم وتكوين الأحزاب.
في شهادة خَصّ بها المفكّرة القانونية، قال الصحافي في قناة الجزيرة لطفي حجّي الّذي كان ضمن المشاركين في الإضراب: “عندما عُرِضَ اقتراح الإضراب عن الطعام في أحد الاجتماعات التشاوريّة، ووَافقَ الحاضرون على المقترح طُرح سؤالان هامّان: الأوّل من يشارك في هذا الإضراب؟ والثاني حول مكان الإضراب.
وكان هناك اتفاق ألاّ يقع في مقرّ حزب من الأحزاب حتى لا يُحسَب المضربون على أيّ حزب كان، لأنّ جوهر الفكرة كانت أن يشارك فيه سياسيون ونشطاء حقوقيّون من مختلف التيّارات الفكريّة. واحتضانه من حزب بعينه سيُفسد ذلك التوافق. لم يترك العيّاشي مجالا للمشاركين للتفكير، فقال مباشرة مكتبي على ذمّتكم.
نظر الجميع إلى بعضهم البعض ووافقوا في الحال، وأكبروا في العيّاشي هذه الخطوة، لأنّه تجرّد من كل الحسابات وسارع بالتطوّع مضحّيًا بكل المصالح الخاصّة والمنافع الذاتيّة”.
شارك في هذا الإضراب كلّ من أحمد نجيب الشابي عن الحزب الديمقراطي التقدّمي، والعياشي الهمامي كمُحامٍ، وحمّة الهمامي مُمَثّلاً عن حزب العمال الشيوعي التونسي، ولطفي حجّي بصفته صحفيًّا، وسمير ديلو عن حركة النّهضة، وعبد الرؤوف العيادي عن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، والناشط السياسي ذي التوجهات الإسلامية محمّد النوري الذي التحق بالاضراب بشكل متأخر، والقاضي المختار اليحياوي.
كانت زوجة تُسنده في إضرابه، وتزوره كلّ ليلة وهي تحمل معها مغلي البقدونس (تِيزانة) له وللمضربين عن الطعام وتقضي الليل معهم، فيما ساعده صديقه توفيق عمران على نقل الحَشَايا، رغم أنّه يرفض فكرة اللجوء إلى الإضراب عن الطّعام.
تَواصَل الإضراب على مدى اثنين وثلاثين يومًا في مكتب العياشي الهمّامي، الّذي سيتمّ حرقُه لاحقا في أوت 2007.في 30 أوت 2007، التهمت النيران مكتب الأستاذ العياشي الهمامي في نهج المختار عطيّة بالعاصمة، وعَقدَ ندوة صحفيّة يوم 31 أوت من داخل مكتبه المُحترق، اتّهم فيها وزارة الدّاخلية وأجهزة البوليس السياسي بافتعال الحريق، وفق ما وثّقه الصحافي توفيق العياشي.
يقول لطفي حجّي في شهادته للمفكرة القانونية إنّه لمّا انتقل على عجل لمواساة صديقه العياشي وجده في المكتب “صامدا ثابتا، وإن كان متحسّرا على الملفّات المهنية والوثائق الهامّة والمراجع القانونيّة التي التهمتها النيران”، وكانت الشرطة الفنيّة حاضرة آنذاك لمعاينة الحريق ورفع البصمات -إن وُجدت- رغم يقين كلّ الحاضرين بضلوع أجهزة الدّولة في هذا الحادث الّذي أتلَفَ ملفّات ووثائق مهمّة.
“كان مُتهيّئًا لمثل هذه التضييقَات ويقول: أنا أعلم أنّهم لن يتركوني وشأني طالما أنّني أُدافع عن الحقّ”، تقول زوجتُه للمفكرة القانونيّة.
هيئة 18 أكتوبر، واختبار الصراع الديمقراطي في تونس
استطاع مكتب العياشي الهمامي، رغم حَرْقه وإتلاف محتوياته، أن يُبعَث من جديد، وأن يكون حاضنة للنقاشات السياسيّة، وتشكيل مبادرة لمواجهة الاستبداد وقمع الحريات المدنية والسياسيّة. فجاءت هيئة 18 أكتوبر التي تأسست في 24 ديسمبر 2005 كحلقة مرتبطة بنضالات المضربين عن الطّعام وتوسيع دائرة الفعل السياسي، وانعقدت اجتماعاتها التأسيسيّة بين مقّرَيْ الحزب الديمقراطي التقدّمي والتكتّل الديمقراطي من أجل العمل والحريّات، وانتقلت بعد ذلك إلى مقرّات سكن أعضاء هذه الهيئة، في محاولة للمراوغة بعناصر البوليس السياسي في ظلّ المراقبة المفروضة على المعارضة.
أحدثَت الهيئة هيكلًا يُسمَّى “منتدى 18 أكتوبر للحوار” ناقش مسائل خلافيّة بين الإسلاميين والتقدميّين وأصدر نصوصًا تتعلّق بالمساواة بين الجنسين، وحريّة الضمير والمعتقد، والعلاقة بين الدّين والدولة.
دخلت الهيئة في حالة من الانغلاق على نفسها، وتمّ البحث فيها عن صيغ كلامية مشتركة، أكثر من الاتجاه نحو فكرة تطوير الصراع الديمقراطي ووضع كل الخلافات الجوهرية على الطاولة، بخاصة بين الإسلاميين والتقدميين. كما أنها معزولة عن الواقع وفاقدة للبعد الاجتماعي، لتدخل بعد ذلك في أزمة داخلية عجّلَت بانتهائها، خصوصًا بعد موجة من الانسحابات والانتقادات من خارجها وتعليق الأنشطة، وكان تباين المواقف من الترشح لرئاسيّات 2009، أحد مظاهر هذه الأزمة.ترأّس العياشي الهمامي كذلك هيئة الدّفاع عن المحامي محمّد عبّو عندما حُكم عليه بالسجن مدّة ثلاث سنوات ونصف، وساهم في تنظيم اعتصام مدّة خمسين يومًا تضامُنًا معه واحتجاجًا على مضيّ السلطة في الزجّ بالمعارضين في السجن، كما خاض اعتصامًا آخر لتحييد المعهد الأعلى للمحاماة عن تدخّل السلطة، وواصل مرافعَاته ضدّ الظلم دون تفريق بين ضحايا القمع.
يقول محمّد عبو للمفكرة القانونيّة إنّ العياشي الهمامي في مرافعاته يستعمل أسلوبا ساخرا في المحكمة، فيضع القضاة أمام تناقضاتهم: “في مرافعَاته في قضايا الحوض المنجمي، قال العياشي للقاضي الجالس: صلّي على النّبي، فاستجاب القاضي بالصلاة على النبي.
لكنّ العياشي كرّر طلبه مرّتين وثلاثًا إلى أن ضاق القاضي ذرْعًا وسأله: وماذا بعد يا أستاذ؟ فأجاب العياشي الهمامي: “أنتَ ملَلْتَ من ترديد الصلاة على النّبي، فكيف تَعْجَب من شابّ ثلاثينيّ معطّل عن العمل لا يجد قوتَ يومه ولا يقدر على الزواج وهو يطلب دينارًا من والدته؟”.
وفي السياق نفسه يقول بوبكر العكرمي أحد الموقوفين في احتجاجات الحوض المنجمي: “العياشي الهمامي هو شخصيّة نادرة رغم أنّني لا أعرفه عن قُرب. مواقفه متوازنة وكان في مرافعاته في جلسات قضيّة الحوض المنجمي يُركّز على الجانب الاجتماعي ولا يُميّز في دفاعه بين النقابيّين والمعطّلين، بين من لهم تحصيل علمي وشهائد وبين من لم يُسعفهم الحظّ لإتمام دراستهم، ولا يُفرّق بين الملفّات والتُّهَم المنسوبة”.
نضال مستمرّ بعد الثورة
تَواصَلَ نضال العياشي الهمامي بعد ثورة 17 ديسمبر- 14 جانفي، وكان داعمًا للمشاركين في اعتصام القصبة 1، حيث توافد مجموعة من الشباب من منزل بوزيان بسيدي بوزيد، يوم 22 جانفي 2011، للمطالبة باستكمال أهداف الثورة وتحقيق مطالب التشغيل والكرامة. تروي زوجته وحيدة للمفكرة القانونية كيف تنقّلت برفقته إلى القصبة بالعاصمة حيث يوجد مقرّ الوزارة الأولى (رئاسة الحكومة) لاستقبال الوفود القادمة من مختلف الجهات.
“ظَلّ العياشي يتحدّث معهم ويستمع إليهم وأوصى الجيش والشرطة بألّا يُضايقوا المعتصمين القادمين من بعيد بأي شكل من الأشكال، واتَّصلَ كذلك برئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان مختار الطريفي.
وفي الليل، قدّم الأكل للمعتصمين وجاء ببعض الكَراتِين لنجلس عليها ونواصل الحديث معهم. وفي الصباح، انسحب العياشي من المكان في هدوء بعد أن اطمأنّ أنّ كلّ شيء يسير على ما يُرام، وظللتُ أنا هناك أساهم في إعداد الطّعام للمعتصمين”، تضيف وحيدة الخالدي للمفكرة القانونية.
مع اقتراب موعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، كان العياشي الهمامي عضوًا في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، وفكّر في الترشح للانتخابات.
في تلك الفترة، تأسّست الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان واقتُرِح على العياشي الالتحاق بالمنظمة وضمان راتب شهري مُريح لكنّه رفض وفضّل التركيز على الترشّح، لكنّه انتهى برفض كِلا المقترحَيْن. “ما يُحسب للعياشي أنّه لا يُساوم في قناعاته الراسخة، وهو زاهد في المناصب ولا يُساوم على الحقّ”، يقول علاء الطالبي، رفيق العياشي المقرّب.
رُشّح العياشي الهمامي لعضوية المحكمة الدستورية في العهدة البرلمانية الأولى (2014-2019)، غير أنّه لم يحظَ بالأغلبيّة المُعزَّزة الواجب توفّرها (145 صوتًا على الأقلّ) رغم التوافق الزائف الّذي أبدته الكتل النيابيّة الوازنة في ذلك الوقت (كتلتا حركة النهضة ونداء تونس)، بخصوص العياشي الهمامي وأستاذة القانون سناء بن عاشور على وجه الخصوص.
وعند تولّيه حقيبة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية في حكومة إلياس الفخفاخ (2020-2021)، أصبح المكتب الوزاري للعيّاشي الهمامي مفتوحًا للمتطوّعين في حملات التعقيم وتوفير المساعدات المادّية واللوجستية لمستحقّيها، حتّى أنّ إحدى الناشطات قالت: “لا أكاد أصدّق أنّ مقرّ وزارة يصبح مثل خليّة النّحل التي نشتغل فيها بكلّ حريّة ودون مراقبة الأعوان الإداريّين”.
كان العياشي الهمامي من أبرز المدافعين عن استقلالية القضاء، حيث كان من بين الشخصيات التي تمّ منعها من الالتحاق بالمؤتمر الانقلابي لجمعية القضاة التونسيين المنعقد في 22 ديسمبر 2008، لمنع “التشويش” على المؤتمرين التّابعين للحزب الحاكم، وواصلَ نضاله خاصّة بعد “مذبحة القضاء” الّتي قام فيها نظام سعيّد بإعفاء 57 قاضيًا وقاضية بأمر رئاسي في 01 جوان 2022. كان العيّاشي الهمامي منسّقًا لهيئة الدفاع عن القضاة المعزولين، وكان يتحدّث باستمرار عن تدجين السلطة القضائية عبر تحويلها إلى وظيفة وحلّ المجلس الأعلى للقضاء ومنح رئيس السلطة التنفيذية صلاحية عزل القضاة وطردهم.
وقد أُثيرت دعوى ضدّ العياشي الهمامي على خلفية تصريح إعلامي حول وضعية القضاة المعزولين وأُحيل على التحقيق في 03 جانفي 2023 بناءً على المرسوم عدد 54، ولقِيَ آنذاك مساندةً واسعة من الجمعيات وصدر بيان مساندة عن 35 جمعيّة، عبّر عن تضامن هذه المكوّنات المدنيّة مع العياشي الهمامي، وطالب بإلغاء المرسوم 54 لما يُمثّله من تهديد لحرية التّعبير.بعد مرور عشرين سنة على المبادرة الديمقراطية في 2004، تقدّم العياشي الهمامي بمبادرة ثانية أعلن عنها يوم 27 فيفري 2024، اعتبر من خلالها أنّ الانتخابات الرئاسية القادمة يمكن أن تكون” فرصة جديّة لإنقاذ البلاد والتخلّص من الاستبداد والخروج من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة” في صورة توفّر كلّ شروط المناخ الديمقراطي لضمان نزاهة المسار الانتخابي ونتائجه، عبر إطلاق سراح المساجين السياسيين وتركيز هيئة عليا مستقلّة للانتخابات، وبشرط “توحّد طيف واسع من المعارضة السياسية ومكونات المجتمع المدني حول مرشّح/مرشّحة واحد/ة يتمّ اختياره بعد صياغة «أرضية الحدّ الأدنى الديمقراطي الاجتماعي المشترك» تتضمن برنامجا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا مشتركا، ويخوض مسارا نضاليا نحو الانتخابات” ، وفق ما جاء في نصّ المبادرة. بعد مرور شهر تقريبا منذ الإعلان عن هذه المبادرة، أعلن العياشي الهمامي عن بداية الاتصال بالشخصيات السياسية والمناضلين والمنظمات الوطنية التي يُمكن أن تدعمَ المبادرة وتنخرطَ فيها، لكنّها لم تكن قادرة على لمّ شمل المعارضة ولم تحظَ بالالتفاف الذي كان يطمح إليه العياشي.
لحظة الاعتقال: “أعتذر إن أقلقت راحتكم….
”قبل سويعات من اعتقاله، لم يُغادِر العياشي الهمامي مكانَه. ظلّ في مقعده في غرفة الجُلوس في بيته، فيما كانت زوجته تستعدّ لتحضير الغداء. طلبت منه أن ينالَ نصيبَه من الطّعام، رغم أنّ الأجواء ثقيلة والقلوب تعتَصِر من طول أمد الانتظار والترقّب.
فاكتفى ببيضة مسلوقة فقط. قالت له إنّ عدد عناصر الشرطة الّذين يُطوّقون المنزل قد ارتفع مقارنةً بالأيام السابقة، حين بدؤوا يتدفّقون تدريجيًّا منذ يوم الخميس 27 نوفمبر 2025، تاريخ جلسة الاستئناف في قضية التآمر على أمن الدّولة، ما يعني أنّ موعد الاعتقال ليس ببعيد. فقال لها مازحًا إنّ ما سيأكلُه في البيت في كلّ الأحوال لن يسُدَّ رمقَه طيلة فترة الإضراب التي سيخوضها، لأنه كان يستعدّ للدخول في إضراب جوع عندما يتم اعتقاله.
كان العياشي يومَها هادئًا ومُتهيّئًا نفسيًّا لاعتقاله، رغم صعوبة تقبّل الأمر. حزِمَ حقيبتَه مسبقًا وأعدّت له زوجته غطاءً ليتدثّر به في سجنه، في انتظار تنفيذ تعليمات الاعتقال.
أوصى زوجتَه بالاعتناء بالسّلاحف والحرص على تغذيتها بخاصّة مع قدوم فصل الشتاء، والمواظبة على روتين الفسحة للكلاب. كان حريصًا على احترام أدقّ التفاصيل والعناية بحيواناته الأليفة تمامًا مثل حرصه على الدّفاع عن الحرّيات ضدّ الظّلم والاستبداد.
طرق أعوان الشرطة باب بيته في حدود الساعة الخامسة والنّصف مساءً، يوم الثلاثاء 02 ديسمبر 2025.
فتحت زوجتُه الباب، قالت لهم: “أنتم كُثُر، وأنا بيتي صغير لا يسعُكُم جميعًا. هل أتيتُم هنا للقبض على العياشي؟ هو بانتظاركم”. فأخبروها أنّهم هنا فقط “تطبيقًا للتعليمات”.في الأثناء خرج العياشي الهمامي إلى الأعوان، وقال لهم، وفق ما ذكرته وحيدة زوجته للمفكرة القانونية: “مرحبا شباب، آسف لأنّني أقلقتُ راحتَكُم وظلَلتم هُنا مُرابطين أمام بيتي في هذا البرد بعيدًا عن عائلاتكم وأطفالكم. تفضّلوا”.
كان أفراد الشرطة الفنيّة يلتقطون صورًا لتوثيق الحادثة، فأخذت وحيدة هاتفها بدورها وقالت لهم إنّها ستوثّق الحادثة هي الأخرى، واتّصلت بابنتَيْها وقالت لهما: “اليومَ يُزفّ والدُكُما في هذا الموكب، في هذه السيارة الفخمة التي تشعّ أضواءَها”.
قرّر العياشي الهمامي الدّخول في إضراب عن الطّعام منذ اعتقاله، وسجّل مقطع فيديو نُشر مباشرة إثر اعتقاله، التزم فيه بقرار الإضراب، مؤكّدًا أنّ السجون ستتحوّل بدورها إلى ساحات للنضال.
تحدّث العياشي مُسبقًا مع عائلته حول اعتزامه الدّخول في إضراب، وكانت العائلة مُساندة لهذا القرار رغم أنّها خطوة غير محمودة العواقب على صحّته. وكان قد دعا، وهو في سجنه، إلى إضراب عن الطّعام أيام 22 و23 و24 ديسمبر 2025، يشمل كلّ السّجناء والسّجينات السياسيين وسُجناء الرأي والعمل النقابي والمدني، احتجاجًا على الاعتقالات الجائرة والمحاكمات غير العادلة التي تطال المعارضة بمختلف أطيافها. ظلّ في إضرابه عن الطعام مدّة 43 يومًا، وأعلن عن رفعه يوم 14 جانفي 2026، “تقديرًا للنداء الموّجه ممّا يزيد عن ألف من المناضلين والشخصيات الوطنية، وتقديرًا للتظاهرات والفعاليات المساندة في تونس والمهجر وعلى رأسها الإضراب الجماعي عن الطعام في سجون تونس”، وفق ما جاء في رسالة نشرها العياشي الهمامي من سجنه.
منال دربالي

أقرأ التالي
2026-01-21
مركب بلا ربّان
2026-01-15
الولايات المتحدة الأمريكية وإيران
2026-01-22
في هرم الدّولة والسّلطان، وشيخوخة النّظام قبل الأوان
2026-01-18
لا أحد انتبه للمعجزة في بكفيّا، مَن بعدُ يهمّه!
2026-04-28
القاضي المعزول حمادي الرحماني: القضاة المعزولون في مرمى التنكيل مجددا!!
زر الذهاب إلى الأعلى