قراءة في تحركات المحامين في تونس: بين الدفاع عن المهنة وإنقاذ مرفق العدالة

الفاهم بوكدّوس

يشهد مرفق العدالة حالة من الاحتقان المتصاعد على خلفية التحركات التي برمجتها الهيئة الوطنية للمحامين، والتي ستأخذ أشكالاً متعددة من حمل الشارة الحمراء إلى الإضرابات الجهوية ثم الدعوة إلى إضراب وطني عام.
وقد حاولت بعض القراءات اختزال هذه التحركات في مجرد مطالب مهنية أو قطاعية ضيقة، غير أنّ التمعن في خلفيات الأزمة وفي الخطاب الصادر عن المحامين يكشف أن الأمر يتجاوز بكثير حدود المطالب الفئوية، ليمسّ جوهر مرفق العدالة ومستقبل الحقوق والحريات في تونس.

أزمة تتجاوز المحامين إلى العدالة نفسها:
لا يمكن فهم غضب المحامين بمعزل عن الوضع العام الذي يعيشه القطاع القضائي خلال السنوات الأخيرة.
فالمحامون، بحكم احتكاكهم اليومي بالمحاكم والمتقاضين، كانوا من أوائل الفئات التي عاينت التدهور المتسارع لظروف التقاضي والعمل القضائي. ويتعلق الأمر هنا ليس فقط بالنقائص المادية والبشرية داخل المحاكم، بل أيضاً بما يعتبره عدد واسع من المهنيين تراجعاً خطيراً في استقلالية القضاء وفي شروط المحاكمة العادلة.
فقد برزت خلال الفترة الماضية انتقادات متزايدة لطريقة إدارة المرفق القضائي، خاصة في ما وصفوه بإبعاد بعض القضاة المعروفين بالكفاءة أو الاستقلالية عبر الإعفاء أو النقل أو التجميد، مقابل صعود شخصيات يُنظر إليها باعتبارها أكثر قرباً من السلطة التنفيذية إلى مواقع مؤثرة داخل الجهاز القضائي.
كما اتسعت المخاوف من تراجع احترام الإجراءات القانونية في بعض القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي، قبل أن يصبح التعطيل والبطء والإرباك سمة تكاد تشمل أغلب الملفات القضائية بمختلف أنواعها.
وفي الجانب العملي، يواجه المتقاضون والمحامون يومياً واقعاً صعباً داخل المحاكم، حيث تعاني المؤسسات القضائية من نقص فادح في الموارد البشرية والتجهيزات الأساسية، بما في ذلك الكتبة والموظفون ووسائل العمل والتقنيات الحديثة.
وأدى هذا الوضع إلى تراكم الملفات وتأخر الفصل في القضايا لسنوات طويلة، في ظل تعقيدات إدارية متزايدة جعلت الوصول إلى العدالة أكثر صعوبة بالنسبة للمواطنين.
تحركات منظمة ومسار تصعيدي:
أمام هذا الواقع، اتجهت الهيئة الوطنية للمحامين إلى تصعيد تحركاتها بشكل تدريجي. فقد أُعلن عن حمل الشارة الحمراء بداية من منتصف ماي 2026 كخطوة رمزية للتعبير عن الغضب والاحتجاج، قبل المرور إلى تنظيم إضرابات جهوية حضورية بمختلف محاكم الجمهورية، وصولاً إلى الدعوة إلى إضراب عام وطني يتخلله تجمع احتجاجي أمام قصر العدالة بتونس.
وتؤكد الهيئة في مختلف بياناتها أن هذه التحركات لا تهدف فقط إلى الدفاع عن مصالح المحامين، بل تسعى أساساً إلى إصلاح مرفق العدالة وتحسين ظروف التقاضي وضمان المحاكمة العادلة. كما عبّر عدد من المحامين عن أن الأزمة الحالية أصبحت تمسّ بشكل مباشر حقوق المواطنين، خاصة مع بطء الإجراءات، وتراكم القضايا، وتواصل الجلسات إلى ساعات متأخرة بسبب العدد الكبير للملفات المعروضة أمام الدوائر الجنائية والجناحية.
وقد سبقت هذه الخطوات جلسة عامة استثنائية للمحامين انعقدت في بداية ماي 2026، ناقش خلالها القطاع أوضاع المهنة ومستقبلها، إلى جانب علاقة المحاماة بالحريات العامة واستقلال القضاء.
وخرجت الجلسة بجملة من التوصيات التصعيدية، من بينها تنظيم إضرابات دورية، والتنسيق مع مكونات المجتمع المدني، ومقاطعة بعض الدوائر التي يعتبرها المحامون غير مستجيبة لمعايير المحاكمة العادلة، مع إبقاء إمكانية التصعيد نحو إضراب مفتوح مطروحة في حال غياب أي استجابة رسمية.

المحاماة في تونس: تاريخ من الانخراط الوطني:
لفهم أهمية هذه التحركات، لا بد من العودة إلى التاريخ النضالي للمحاماة التونسية، فمنذ فترة الاستعمار، لعب المحامون أدواراً مركزية في الحركة الوطنية وفي الدفاع عن الحقوق والحريات.
وقد برز عدد كبير من المحامين ضمن قيادات الحركة التحررية والسياسية في تونس، باعتبار أن مهنة المحاماة كانت دائماً مرتبطة بفكرة الدفاع عن الوطن وسيادته وعن القانون والعدالة وكرامة الإنسان.
وخلال العقود اللاحقة، لم تنحصر تحركات المحامين في القضايا المهنية البحتة، بل انخرطوا باستمرار في المعارك المتعلقة بالحريات العامة واستقلال القضاء وحقوق الإنسان. ففي سنوات الاستبداد، كان المحامون من أكثر الفئات التي واجهت المحاكمات السياسية ودافعت عن المعارضين والنشطاء والصحفيين.
كما لعبت الهيئة الوطنية للمحامين دوراً بارزاً خلال الثورة التونسية وبعدها، سواء عبر دعم الحراك الشعبي من موقع متقدم وقيادي أو من خلال المشاركة في النقاشات الوطنية المتعلقة بالدستور والعدالة الانتقالية.
ومن هذا المنطلق، يرى كثيرون أن التحركات الحالية تندرج ضمن هذا الإرث التاريخي، حيث يعتبر المحامون أن الدفاع عن استقلال القضاء وعن شروط المحاكمة العادلة ليس دفاعاً عن امتيازات مهنية، بل عن حق المجتمع كله في قضاء مستقل ومنصف.
تداعيات الأزمة على الدولة والمجتمع:
تحمل الأزمة الحالية أبعاداً أعمق من مجرد خلاف بين السلطة وقطاع مهني، فاستمرار التوتر داخل مرفق العدالة يهدد بتعميق أزمة الثقة بين المواطنين والمؤسسات القضائية، خاصة في ظل شعور متزايد لدى فئات واسعة بأن الوصول إلى الحقوق أصبح أكثر تعقيداً وبطئاً.
كما أن غياب الحوار بين السلطة ومختلف مكونات الأسرة القضائية قد يؤدي إلى مزيد من الاحتقان والتصعيد، خصوصاً إذا اتسعت دائرة التضامن مع المحامين من قبل منظمات المجتمع المدني والحقوقيين والقضاة والنخب عموما.
فمرفق العدالة لا يمثل فضاء عادياً داخل الدولة، بل يشكل أحد أعمدة الاستقرار السياسي والاجتماعي، وأي اهتزاز عميق داخله ينعكس مباشرة على صورة الدولة وعلى ثقة المواطنين في القانون.
وفي المقابل، يدرك المحامون أن مواصلة التصعيد تحمل بدورها كلفة على المتقاضين وعلى سير المحاكم، لذلك تحاول الهيئة تقديم تحركاتها باعتبارها وسيلة ضغط اضطرارية من أجل دفع السلطة إلى فتح حوار جدي حول إصلاح العدالة، وليس مجرد تعطيل للمرفق القضائي.
تكشف التحركات الأخيرة للمحامين في تونس عن أزمة أعمق يعيشها مرفق العدالة برمته، تتداخل فيها الإشكالات المهنية بالمخاوف الحقوقية والسياسية، فالمعركة التي يخوضها المحامون اليوم لا تتعلق فقط بتحسين ظروف العمل داخل المحاكم، بل ترتبط أيضاً بمستقبل استقلال القضاء وبحق التونسيين في محاكمة عادلة وناجزة.
وبغض النظر عن المواقف المختلفة مما يحصل ، يبقى من الواضح أن إصلاح العدالة لا يمكن أن يتم عبر تجاهل الأصوات المهنية والحقوقية أو عبر إدارة الأزمة بمنطق الصدام الدائم، فالقضاء المستقل والفعال ليس مطلب المحامين وحدهم، بل هو شرط أساسي لدولة القانون ولمجتمع يشعر أفراده بأن حقوقهم مصانة وأن العدالة متاحة للجميع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى