عامر بوعزة:التاريخ في باطنه نظر وتحقيق

ديبلوماسي سابق قال في برنامج تلفزيوني: «إن الرئيس بن علي طلب من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في زيارة الدولة التي قام بها إلى واشنطن ألا يضرب العراق وصدام حسين، وتحدّث عن القضية الفلسطينية» مؤكدا أن مصادر أمريكية أبلغته إثر ذلك بأن «عرفه (أي رئيسه في العمل) انتهى» بما يفهم منه أن انتصار بن علي للقضايا القومية العربية جعلت الولايات المتحدة تناصبه العداء!
يقول المتحدث: إن الزيارة وقعت إما 1991 أو 1992، دون أن يذكر التاريخ، بينما الدقة في مثل هذه السياقات ضرورية كي يميز المتفرج بين الحقيقة التاريخية والتخيلات.زار الرئيس بن علي الولايات المتحدة الأمريكية ثلاث مرات: المرة الأولى في 1989 حيث ألقى خطابا أمام الجمعية العامة يوم 13 نوفمبر، ثم التقى الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب يوم 14 نوفمبر، الجلسة حضرها من الجانب التونسي عبد الحميد الشيخ وزير الخارجية، ومنصر الرويسي وزير الشؤون الاجتماعية، وعبد العزيز الحمزاوي سفير تونس بواشنطن، وأسامة الرمضاني بصفته مترجما. وتركزت فيها المحادثات على المخاطر الأمنية التي تهدد تونس، وعدم ثقة الطرفين في القذافي، أما بخصوص اقتناء تونس صواريخ «ستينجر» فقد خلص الرئيس الأمريكي إلى أن هذه الصفقة مشروطة بموافقة الكونجرس وستختار الإدارة الأمريكية الوقت المناسب لذلك
الزيارة الثانية في 15ماي 1990 وكانت «زيارة دولة» أقيمت للرئيس بن علي فيها مراسم استقبال عسكرية رسمية في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، تلاها حفل عشاء رسمي.
وتركزت محادثاته مع الرئيس جورج بوش الأب في المكتب البيضوي حول الوضع الأمني في تونس وفي المغرب العربي بسبب الحرب الأهلية التي اندلعت في الجزائر، 
الجلسة حضرها هذه المرة من الجانب التونسي السفير عبد العزيز الحمزاوي والمترجم عفيف قربوج، وعرض فيها بن علي مقاربته الخاصة لموضوع الإسلاميين مؤكدا عدم ثقته فيهم رغم فسحه المجال لهم للمشاركة في الحياة العامة (كذا)،
ونقل للرئيس الأمريكي اتهاماتهم له بأنه عميل للولايات المتحدة! وقال: «إنهم يكذبون ومواقفهم مزدوجة»، والواضح من هذه الجلسة أن بن علي كان يسعى لكسب ودّ الأمريكان، باعتباره الطرف الأكثر اعتدالا في المغرب العربي. خاصة في ظل النزاع الدائر بين الجزائر والمغرب حول الصحراء الغربية وفقدان الجميع الثقة في معمر القذافي.
أما الجلسة الموسعة فقد حضرها إلى جانب السفير والمترجم محمد الجري بصفته مدير الديوان الرئاسي، وإسماعيل خليل وزير الشؤون الخارجية، والمولدي الزواوي كاتب الدولة للصناعة والتجارة، وصالح البكاري وجمال الدين الشيشتي بصفتهما مستشارين.
وتحدث فيها الرئيس بن علي عن حاجة تونس إلى الدعم الأمريكي اقتصاديا لا سيما في ظل انخراطها في اتفاقية التجارة العالمية، ودعا إلى تحويل خدمة الدين لتمويل التنمية، وفيما يبدو مقايضة سياسية قال جورج بوش الأب: «يمكن النظر في استثناء تونس من مسألة العقوبات الاقتصادية المفروضة على ليبيا».
ومن اللافت للنظر أن الرئيس بن علي طرح في هذه الجلسة موضوع اعتماد اللغة الإنكليزية في الجامعة التونسية، ما جعل الرئيس بوش يعده بالترفيع في عدد المنح الدراسية لفائدة الطلبة التونسيين مشيدا باهتمام تونس بالتعليم
القضية الفلسطينية فرضت نفسها في هذه القمة، باعتبار تونس المقر الدائم لمنظمة التحرير الفلسطينية والجامعة العربية، ولأهمية الدور الذي قامت به في تسهيل الحوار بين الطرفين الأمريكي والفلسطيني، وهوما أشاد به جورج بوش.
وقد نقل بن علي في هذه الجلسة إلى الرئيس الأمريكي مقترحات ياسر عرفات بخصوص تقدم عملية السلام وناقشها معه. وقد سأل بوش الرئيس التونسي: «هل يسيطر عرفات على كل المتطرفين؟ فأجابه بن علي بقوله: لا يسطر عليهم كلهم، بل معظمهم!»
صحيفة «واشنطن بوست» اعتبرت هذه الزيارة الفرصة الأخيرة لبوش لتبادل الآراء مع زعيم عربي قبل انعقاد قمة رؤساء الدول العربية في بغداد، القمة التي تنعقد وسط توترات بشأن هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل، ونقلت أن بن علي طرح قضية المستوطنات في المحادثات الأولية وهو لا يختلف عن الموقف الأمريكي فكلاهما ليسا ضد استيطان اليهود السوفيات دخل الأراضي المحتلة قبل 1967.
الزيارة الثالثة وقعت العام 2004 والتقى فيها بن علي جورج بوش الإبن في سياق سياسي مختلف تماما، والإدارة الأمريكية لم ترفع بعد السرية عن وثائقها كما فعلت مع الزيارتين السابقتين، فكل ما سردناه انطلقنا فيه من وثائق رسمية صادرة عن البيت الأبيض ومحفوظة في الأرشيف الوطني الأمريكي، ومتاحة بقليل من الجهد لعموم مستخدمي الانترنت، ما يجعلنا نعتقد أن طرح هذه المواضيع في البرامج التلفزيونية المباشرة مهم جدا لا سيما في ظل تقاعس المرفق العام الذي يموله دافعو الضرائب عن دوره التاريخي في التوثيق المحكّم، لكن شريطة أن يتحلّى الضيوف لا سيما من رجال الدولة والديبلوماسيين المتقاعدين بكثير من الانتباه والتحري احتراما للجمهور وخدمة للحقيقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى