الاستقلاليّة المغشوشة لهياكل التّسيير الجامعي

في علاقة بالمبادرة التشريعية حول تنقيح الفصل المتعلق بانتخابات أحد هياكل التسيير الجامعي (رؤساء الجامعات) والذي يقضي باستبدال آلية الانتخاب بآلية التعيين، نعيد نشر ما كتبه  الاستاذ الجامعي المولدي قسومي منذ أكثر من 5 سنوات حول الإستقلالية المغشوشة لهياكل التسيير الجامعي.

تتهيّأ الأوساط الجامعيّة التّونسيّة إلى عمليّة التّسليم والتّسلّم في نطاق التّداول على المسؤوليّات العلميّة والإداريّة، وهي عمليّة منبثقة عن انتخابات هياكلها التسييريّة وتشمل كلّ مكوّنات البناء الهرمي للمنظومة بدءا بمجالس الأقسام ورؤسائها، حتّى مجالس الجامعات ورؤسائها.

ولاشكّ أنّ هذا مكسب لا فصال فيه ولا يمكن أن يكون موضع خلاف بالنّظر إلى أنّه من غير الوارد أن نختلف حول أهميّة ديمقراطيّة تسيير هذه المنظومة واستقلاليّة هياكلها الإداريّة والعلميّة.
إلاّ أنّ ما يشاع عن استقلاليّة هياكل التّسيير الجامعي، ولئن كانت حقيقة، فهي غير مكتملة وتحفّ بها العديد من المفارقات، بل هي في تقديرنا حقيقة مغشوشة أصلا من عدّة زوايا نظر يطول الخوض فيها،

وسنكتفي بطرح إحداها في هذا المقال المتّصل بواقع الحال.نعتبرها استقلاليّة مغشوشة إذا ناقشناها من منظور حوْكمي يتّصل مباشرة بقواعد الإدارة والتّسيير وفق مبادئ وقيم من قبيل التقييم، والشّفافيّة، والمسؤوليّة، والمساءلة، والمحاسبة، وسيادة القانون، والنّفاذ إلى المعلومة.

وفي هذا الأمر ما يدعو إلى التّساؤل حول استقلاليّة هذه الهياكل إزاء سلطة الإشراف وفق تلك المبادئ.
فالمفارقة أنّ الجامعي الذي يفتخر بديمقراطيّة منظومته لم يقف على حالة ولو فريدة من حالات تقييم هيئة تسيير متخلّية أو تروم تجديد عهدتها لمنجزها الأكاديمي مقارنة بما وعدت به في الانتخابات السّابقة، ولم يقف على حالة وحيدة اتّخذت فيها الهياكل المنتخبة قرارا مستقلا عن سلطة الإشراف يتعلّق بمسار التّكوين والتّقويم والتّقييم والإشهاد.

هذا فضلا عن أنّ كلّ الهياكل المنتخبة من طرف القاعدة الأستاذيّة بما فيها رئاسة الجامعة تخضع لسلطة الإشراف الإداريّة غير المنتخبة وغير الأكاديميّة، بل إنّها لا يمكن أن تتصرّف خارج مجال امتثالها لصلاحيّات هذه السّلطة الإداريّة والحال أنّها هيئة أكاديميّة ومنتخبة من قبل ممثّلي الهيئات الأكاديميّة.

وفي هذه المفارقة ما يؤكّد أنّه لا وجود لاستقلاليّة بالمعنى القانوني والإجرائي والعملي والتّنظيمي والمعنوي والقيمي إطلاقا، بل لا وجود لما يشاع عن ديمقراطيّة هياكل التّسيير الجامعي. فلا معنى لاستقلاليّة في التّسيير الأكاديمي تنتهي بالتبعيّة الوظيفيّة والهيكليّة لسلطة إشراف معيّنة سياسيّا وإداريّا، ولا معنى لأن تكون الجامعة ديمقراطيّة في اختيار هياكل تسييرها إلى أن تصطدم بسقف التّعيين السّياسي والتّنصيب الإداري الذي لا يستشار فيه الجامعيّون، فتصبح كلّ نتائج الاختيار الدّيمقراطي ممتثلة لقرارات وإجراءات غير ديمقراطيّة.

إنّ هذه الوضعيّة مرتبطة بالإطار التّشريعي متمثّلا في القانون المنظّم للتّعليم العالي والذي يعتبر الجامعات التّونسيّة مؤسّسات مستقلّة ذات صبغة إداريّة، وهذا ما يفرض استدامة استقلاليّتها المنقوصة أو المشوّهة أو المغشوشة، بالنّظر إلى أنّ صبغتها الإداريّة تُخضها إلى سلطة الإشراف ممثّلة في وزارة التّعليم العالي.

وإذا أردنا أن نتطلّع إلى بناء جامعة مستقلّة بالمعنى الأكثر قدرة على الاستجابة لشروط الاستقلاليّة فمن الضّروري مراجعة التّشريعات وتحويل الجامعة إلى مؤسّسات عمومية ذات صبغة علميّة وتكنولوجيّة، وهو أمر ممكن حتّى من داخل منطق القانون عدد19 لسنة 2008 المؤرخ في 25 فيفري 2008 (وهو القانون المنظّم للتّعليم العالي في تونس وليس قانونا منظّما للجامعة) والذي يعتبر مؤسّسات التعليم العالي والبحث العلمي بأنها “مؤسسات عمومية ذات صبغة إدارية يُمكن أن تتحوّل بأمر، في حال استجابتها لشروط محددة، إلى مؤسّسات عمومية ذات صبغة علمية وتكنولوجية وتتمتع بالشخصية القانونية وبالاستقلال المالي، ويُضبط تسييرها بأمر”. وهذا سيسمح لها بأن تنتقل إلى نصاب هيكل تسييري منتخب هو بدوره، ويمكن أن يكون على شاكلة “المجلس الأعلى للجامعات والنّظم المعرفيّة والبحوث العلميّة والتّكنولوجيّة” ويكون هيكلا أكاديميّا مستقلاّ منتخبا بديلا عن وزارة التّعليم العالي، وهذا ما يتطلّب مراجعة عميقة للتّشريعات.

ويراقب هذا المجلس هيكل مستقلّ آخر هو “الهيئة العليا المستقلّة للتّقييم العلمي والأكاديمي”. وتضطلع هذه الهيئة بمراقبة شفافيّة سير كلّ الهيئات الجامعيّة الأخرى، وتقييم مدى سلامة مسارات التّكوين والتّقويم والإشهاد بالجامعات وفي جميع مراحلها، إضافة إلى تقويم أداء اللّجان العلميّة في جميع أشغالها. ونعتقد أنّه دون ذلك ستظلّ هذه المفارقات التي تحفّ بالاستقلاليّة مستمرّة وثابتة في تصنيف الوضع الجامعي العام، بل إنّها ستبقى استقلاليّة مشوّهة ومغشوشة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى