بين السجن والتاريخ: لماذا لا يليق بمعتقلي اسطول الصمود إلا الحرية؟

بقلم الفاهم بوكدّوس

ليس كافيًا اليوم أن نطالب بالإفراج عن معتقلي اسطول الصمود بوصفهم أفرادًا، بل يجب أن يُطرح الملف في إطاره الحقيقي: كقضية سياسية بامتياز، تمسّ موقع تونس في معادلة الصراع، وحدود الفضاء المدني، ومعنى الالتزام التاريخي تجاه فلسطين.
هؤلاء ليسوا مجرد نشطاء. إنهم جزء من جيلٍ أعاد تعريف الفعل التضامني، ونقله من مستوى الخطاب إلى مستوى المبادرة. في زمنٍ اكتفت فيه كثير من الدول بالإدانة اللفظية، نجح هؤلاء الشباب في ما يشبه “الدبلوماسية الشعبية”، فبنوا جسورًا عابرة للحدود، وأطلقوا قافلة برية وأسهموا في تأسيس أسطول بحري دولي، وجعلوا من تونس نقطة انطلاق لفعلٍ أمميّ لم تقدر عليه مؤسسات رسمية بما تملكه من إمكانيات.
هنا يكمن جوهر المفارقة: أن يتحول من رفعوا راية البلاد عاليًا في المحافل المدنية الدولية، إلى متهمين داخل وطنهم.
إن قيمة هؤلاء لا تُقاس فقط بما أنجزوه، بل أيضًا بما مثّلوه. لقد جسّدوا صورة تونس التي نعرفها: تونس التي لم تكن يومًا على الحياد في القضايا العادلة، تونس التي احتضنت النضال الفلسطيني، وجعلت من دعم الشعوب المظلومة جزءً من هويتها السياسية والأخلاقية. لم يكونوا خارج هذا السياق، بل كانوا امتدادًا طبيعيًا له، بل وتطويرًا له في شكل جديد أكثر جرأة وفاعلية.
ثم إن تجربتهم لم تكن نظرية. هؤلاء واجهوا بالفعل آلة القمع الصهيوني، ووجدوا أنفسهم في الزنازين الصهيونية ولم ينكسروا. ولم يتراجعوا، ولم يبدلوا خطابهم، ولم يقبلوا أن يُحوَّل تضامنهم إلى تهمة. تلك اللحظة وحدها كافية لتضعهم في مقام مختلف: مقام من اختبروا القناعة في أقسى ظروفها، وخرجوا منها أكثر ثباتًا.
فهل يُعقل بعد ذلك أن يُكافَؤوا بالسجن في بلدٍ يُفترض أنه يشترك معهم في نفس الموقف المبدئي؟
إن الإبقاء عليهم موقوفين لا يمكن فصله عن سياق أوسع، يتسم بتضييق متزايد على الفعل المدني عندما يلامس قضايا حساسة سياسيًا. وهنا يطرح السؤال بصراحة: هل نحن أمام تطبيق محايد للقانون، أم أمام انزلاق نحو منطق يُعيد تعريف التضامن باعتباره خطرًا يجب احتواؤه؟
ان القانون التونسي واضح في إتاحة إمكانية التحقيق في حالة سراح، خاصة عندما يتعلق الأمر بأشخاص لا يشكلون خطر فرار، ولم يعملوا في الخفاء. وبالتالي فإن استمرار الإيقاف لا يبدو ضرورة قانونية بقدر ما يبدو خيارًا سياسيًا في كيفية إدارة هذا الملف.
ان هذا الخيار له كلفة. ليس فقط على هؤلاء الأفراد وعائلاتهم، بل على صورة تونس نفسها، وعلى حيوية مجتمعها المدني. فحين يُرسل هذا النوع من الإشارات، فإن الرسالة الضمنية التي تصل إلى الشباب واضحة: أن المبادرة قد تُكافأ بالملاحقة، وأن الجرأة قد تُقابل بالعقاب. وهي رسالة خطيرة في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى عكس ذلك تمامًا.
ثم إن البعد الإنساني هنا يتقاطع مع البعد السياسي بشكل مؤلم. فهؤلاء الذين كانوا من مهندسي “أسطول الصمود الثاني”، والذين بذلوا جهدًا كبيرًا ليكون لتونس حضور في هذه المبادرة الدولية، يجدون أنفسهم اليوم خارجها قسرًا. يُحرمون من لحظة تاريخية كانوا جزءً من صناعتها. وهذه ليست مجرد مفارقة، بل خسارة رمزية وسياسية أيضًا، لأن حضورهم كان سيعني حضور تونس، وصوتها، وعلمها في مشهد دولي متضامن مع غزة.
إن الدفاع عنهم اليوم هو دفاع عن فكرة أوسع: أن يبقى التضامن مع فلسطين فعلًا مشروعًا، وأن لا يُختزل في حدود الخطاب الرسمي أو يُحاصر داخل خطوط حمراء غير معلنة. هو دفاع عن حق المجتمع في أن يكون فاعلًا، لا مجرد متفرج.
ان إطلاق سراحهم ليس فقط إجراءً قانونيًا ممكنًا، بل هو قرار سياسي يعكس ثقة الدولة في نفسها وفي مجتمعها. هو تأكيد على أن تونس لا تخشى من حيوية مواطنيها، بل تعتبرها مصدر قوة. وهو أيضًا انسجام مع تاريخ طويل من الانحياز إلى القضايا العادلة، لا تراجع عنه.
هؤلاء الشباب ليسوا عبئًا على الدولة، بل رصيدًا لها. ليسوا متهمين بالمعنى الأخلاقي، بل شهود على زمنٍ اختاروا فيه أن لا يكونوا صامتين. مكانهم الطبيعي ليس خلف الجدران، بل في قلب الفعل… حيث تُصنع المبادرات، وتُرفع الرايات، ويُكتب المعنى الحقيقي للتضامن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى