عامر بوعزة:حين يشير الرئيس إلى القمر

جريا على عادته ينهل رئيس الجمهورية في بياناته من معين التراث العربي شعرا ونثرا، ويستخدم أساليب بلاغية قد لا يكون السياق السياسي مناسبا لها، لكنه لم يتخلّ عن عادته، فذلك طبعه الذي عرفناه منذ روى حكاية من «كليلة ودمنة» في النشرة الرئيسية للأنباء، قبل أن يصير رئيسا.
ولا يمكن أن نفهم قوله «إنّنا نشير إلى القمر ليلة التمام… ولا تعنينا السبّابة التّي تشير إليه» إلا في ضوء مفاهيم البلاغة العربية القديمة وأدواتها.
يدخل هذا الأسلوب في باب «التعريض»، وهو باب واسع من أبواب البلاغة عرّفه الزمخشري بقوله (أن تذكر شيئاً تدلّ به على شيء لم تذكره)، وأشهر صوره أن تتحدّث عن شخص دون أن تسميه أو تخاطبه من قبيل «التورية بالشيء عن الشيء».
يُستدلّ على ذلك بقول الله عزّ وجلّ مخاطبا الرسول (لئن أشركت ليحبطنّ عملك)، إذ يذهب المفسّرون إلى أن المقصود بما ورد في الآية عموم المؤمنين لا المخاطب، لاستحالة أن يكون الرسول معنيا بالشرك.
أما أشهر أمثلة التعريض في الموروث الشعبي فالمثلُ القائل: «إِيَّاكِ أعْنِي وَأسْمَعِي يَا جَارَهْ» الذي يتداوله التونسيون وسائر أهل المغرب العربي بقولهم: «الهدرة عليكْ والمعنى على جارْتِكْ».

ومن المرجح أن تكون عبارة «أنا أشير إلى القمر فينظر الأحمق إلى سبابتي» حكمة صينية قديمة، استخدمها بعض العرب بغير ضمير المتحدث في قولهم «يشير الحكيم إلى القمر فينظر الأحمق إلى سبابته» وفي كلتا الروايتين، هناك أحمق لم يذكره الرئيس وإنما عرّض له أو عرّض به (الصيغتان جائزتان)، فقد استعار صورة مجازية وأطنب فيها، حين قال: إن القمر في ليلة التمام «هو السّيادة التّونسية وشعارات ثورتها الشّغل والحرية والكرامة الوطنيّة»، والطريف في الأمر هنا أنه يعرض مرة أخرى داخل التعريض الأول حين لا يكتفي كما يفعل المثل بالسبابة وحدها بل يضيف إليها الإبهام لأنّهما حين يتلامسان يشيران إلى الصّفر أو إلى مجموعة من الأصفار»!
من هو الأحمق الذي يعنيه الرئيس بخطابه دون أن يذكره؟ بما أن التعريض لا يفهم إلا داخل سياقه فلا يحتاج الأمر ذكاء خارقا لندرك أن الأحمق المشار إليه تلميحا في النص الرئاسي البليغ هو المعارض الذي يقود حملة شعواء ضد المبادرة الرئاسية المقدمة إلى مجلس نواب الشعب حول الانتقال الطاقي، ويعتبرها تفريطا في السيادة الوطنية، ما يؤكد أنه هو المقصود لا غيره تعريض الرئيس بصورة السبابة والإبهام إلى نعت (الصفر فاصل) التي يوصم به طيف واسع من اليسار في تونس ينتمي إليه هذا الذي لمح الرئيس إلى حمقه.
ثنائية «الحكمة والحمق» في التلميح إلى اختلاف وجهات النظر بين السلطة ومعارضيها تمثل انزياحا طفيفا عن الخطاب الرئاسي المألوف الذي يتّسم عادة بالصراحة والمباشرة، لا سيما في اعتباره السلطة منتهى النظام والمعارضة غاية الفوضى، انسجاما وتصوره التيوقراطيى لوظيفة الرئاسة باعتبارها «ابتلاء»، ولا شيء يفسر في رأينا هذا الانزياح إلى التلميح إلا انتماء المعارضة المقصودة هذه المرة إلى تيار «المساندة النقدية»، ما يجعل تذكيرهم بحكاية «الصفر فاصل» والتلميح إلى الحمق الذي يمنعهم من بلوغ مصافّ الحكمة الرئاسية من قبيل قرصة الأذن التي سيتقبلونها بلا شكّ تحت عنوان «ضرب الحبيب مثل أكل الزبيب».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى