لماذا أصبح “نفَس” يزعج السلطة؟ ولماذا صار الحديث عن “نفَس” يتجاوز كونه مجرد تحرك أو مسيرة؟
لأن “نفَس” في فلسفته لا يبحث عن موقع له داخل المشهد السياسي بقدر ما يبحث عن مساحة يلتقي فيها المختلفون من أجل قضايا مشتركة.
“نفَس” هو فضاء يمكن أن يلتقي فيه التونسيون والتونسيات من انتماءات سياسية حزبية مختلفة، لكنهم التقوا اليوم حول أهداف مشتركة، وحول قناعة بأن الأولوية في هذه المرحلة هي مواجهة واقع العبث الذي تعيشه تونس والدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية و عن حرياتنا العامة والفردية.

في هذا الفضاء يمكن أن يلتقي الجميع، كل من يرى أن اختلافه السياسي لا يجب أن يمنعه من الوقوف إلى جانب غيره عندما يتعلق الأمر بقضايا أساسية ومشتركة.
“نفَس” تحرك مواطني ولا يفرض على نفسه أن يكون جبهة سياسية، ولا يسعى إلى أن يحل محل الأحزاب أو أن يتحدث باسمها أو باسم كل مكونات المعارضة.
كل حزب يحتفظ بهويته ومواقفه ومشروعه، وكل شخصية تحتفظ بخلفيتها وقناعاتها.
أما “نفَس” فوظيفته أن يخلق المساحة التي تسمح لنا بأن نلتقي رغم كل ذلك. ولهذا كان منذ البداية حريصا على أن يكون على نفس المسافة من الجميع. لا وصاية على أحد ولا إقصاء لأحد، ولا محاولة لفرض رؤية سياسية واحدة على الجميع.
نحن لا نطلب من أي طرف أن يتخلى عن ذاكرته أو أن يتجاوز تاريخه ومواقفه، فلكل تونسي تجربته وقراءته لما عاشته بلادنا. لكننا نؤمن أن اختلاف قراءاتنا للماضي لا يجب أن يمنعنا من الالتقاء حول ما يجمعنا اليوم، و نؤمن بأن السؤال الأهم اليوم هو ماذا سنفعل في حاضرنا العبثي؟ كيف نستعيد ديمقراطيتنا؟ كيف نحمي حرياتنا؟
كيف نضع حدا للعبث الذي أصاب مؤسسات الدولة والحياة العامة؟ كيف نعمل من أجل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وكل من سلبت حريته بسبب موقفه؟
هذه القضايا لا تخص حزبا واحدا، ولا تيارا واحدا، ولا جيلا واحدا، بل هي قضايا تونسية جامعة، ومن هنا تأتي أهمية “نفَس”…
ربما ما يزعج البعض في هذه التجربة ليس اسمها ولا الأشخاص الذين شاركوا فيها، وإنما قدرتها على أن تخلق مساحة مشتركة خارج الاصطفافات المعتادة، وأن تجعل المختلفين يلتقون في الساحة دون أن يطلب أحد منهم التخلي عن هويته أو عن مواقفه.
وقد أثبت تحرك 25 جويلية الفارط أن هذه الفكرة ممكنة.
أن تنزل شخصيات وطنية وأحزاب سياسية وناشطون ومواطنون من خلفيات مختلفة إلى نفس الساحة، لا لأنهم أصبحوا متفقين في كل شيء، وإنما لأنهم أدركوا أن هناك لحظات يصبح فيها المشترك أهم من الاختلاف.
وهذه هي الفلسفة التي نريد الحفاظ عليها.
“نفَس” باختصار ليس ملكا لأحد، ولا مشروعا ضد أحد, هو مساحة لتقاطع ساحات النضال…
وفي النهاية، “نفَس” ليست تجربة يفترض أن تستمر إلى ما لا نهاية، يوم تعود الديمقراطية إلى مؤسساتها، والحرية إلى فضائها، ويصبح الاختلاف السياسي أمرا طبيعيا لا سببا للسجن أو الإقصاء، ويستعيد كل تونسي وتونسية حقهم في المشاركة والتعبير دون خوف.
عندها لن نكون بحاجة إلى “نفَس” بالشكل الذي نعرفه اليوم.
لأن الغاية لم تكن يوما أن يعيش “نفٓس” إلى الأبد، الغاية أن تستعيد تونس نفسها.
ربيع قاسم
مواطن تونسي
أقرأ التالي
2026-01-21
مركب بلا ربّان
2026-01-15
الولايات المتحدة الأمريكية وإيران
2026-01-22
في هرم الدّولة والسّلطان، وشيخوخة النّظام قبل الأوان
2026-01-18
لا أحد انتبه للمعجزة في بكفيّا، مَن بعدُ يهمّه!
2026-04-28
القاضي المعزول حمادي الرحماني: القضاة المعزولون في مرمى التنكيل مجددا!!
زر الذهاب إلى الأعلى