تصريحات تبون: بين المس من السيادة الوطنية وتضامن الجار؟
أثار تصريح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي قال فيه: “اللي يجيب الإرهاب لتهديد تونس… نخليولو الخيمة تاع والديه”، تفاعلات واسعة في الشارع التونسي، ليس فقط بسبب مضمونه الداعم لتونس في مواجهة الإرهاب، وإنما أيضًا بسبب ما يحمله من رسائل سياسية ودبلوماسية تستحق النقاش الهادئ، بعيدًا عن الانفعال أو المزايدات أو منطق التخوين.
الفاهم بوكدوس(صحافي)
لا خلاف بين أي عاقل على أن الإرهاب عدو مشترك لتونس والجزائر، وأن أمن البلدين مترابط بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة. فالجزائر دفعت أثمانًا باهظة خلال العشرية السوداء، كما دفعت تونس ثمنًا باهظًا خلال موجة الإرهاب التي استهدفت جيشها وأمنها ومدنييها بعد سنة 2011. ومن الطبيعي، بل ومن المطلوب، أن يكون بين البلدين أعلى درجات التنسيق الاستخباراتي والأمني والعسكري في إطار الاتفاقيات الثنائية والآليات المشتركة.
لكن النقاش لا يتعلق بمبدأ التعاون ضد الإرهاب، ولا برفض التضامن الجزائري مع تونس، وإنما يتعلق بالكيفية التي يُصاغ بها هذا التضامن، وبالرسائل التي قد يحملها الخطاب السياسي عندما يصدر عن رئيس دولة، وبالحدود الدقيقة الفاصلة بين الدعم المشروع واحترام السيادة الوطنية.
ففي الأعراف الدبلوماسية، تحرص الدول عادة على التعبير عن دعمها لشركائها من خلال عبارات تؤكد احترام سيادتهم، مثل: “نقف إلى جانب تونس”، أو “ندعم كل ما تقرره السلطات التونسية”، أو “نحن مستعدون للتعاون إذا طلبت تونس ذلك”.
أما الانتقال إلى خطاب يوحي بأن أمن دولة أخرى يدخل ضمن مجال الردع المباشر لدولة ثانية، فإنه يفتح المجال أمام تأويلات سياسية متعددة، حتى وإن لم يكن ذلك هو المقصود.
وقد ازداد الجدل لأن المقطع الأول الذي تم تداوله على نطاق واسع كان مقتطعًا من سياقه، وهو ما دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن الرئيس الجزائري كان يتحدث عن تهديد إرهابي محدد يستهدف تونس، أو أنه يعلن استعداد الجزائر للتدخل لحمايتها.
لكن بعد نشر الحوار كاملاً، اتضح أن تبون كان يتحدث أساسًا عن الأمن القومي الجزائري، وأنه يعتبر استقرار تونس جزءً من منظومة حماية الجزائر نفسها، باعتبار أن الحدود الشرقية تمثل بالنسبة للجزائر عمقًا استراتيجيًا ومنفذًا حيويًا، وأن أي محاولة لإغراق تونس في الفوضى ستكون، في نظره، مقدمة لاستهداف الجزائر أيضًا.
هذا السياق يفسر جانبًا من التصريح، لكنه لا يلغي النقاش الذي أثاره. فحين يعتبر رئيس دولة أن استقرار دولة مجاورة يمثل خط الدفاع الأول عن أمن بلاده، فإن ذلك يعكس رؤية استراتيجية مفهومة في العلاقات الدولية، لكنه يفرض في المقابل مزيدًا من الحرص في اختيار العبارات حتى لا تُفهم على أنها نقل لمسؤولية حماية الدولة الأخرى أو إعلان وصاية سياسية أو أمنية عليها، ولو بصورة غير مقصودة.
وقد ذهب بعض المعلقين إلى اعتبار أن لهجة الرئيس الجزائري تعكس امتلاك الجزائر لمعطيات أمنية أو استخباراتية بشأن مخاطر محتملة تستهدف تونس، وربطوا ذلك بما راج في الأيام الأخيرة من أحاديث وإشاعات حول ترتيبات سياسية أو أمنية في المنطقة. غير أن مثل هذه القراءات، سواء كانت صحيحة أو مجرد استنتاجات، تزيد من أهمية توضيح الإطار الذي تندرج فيه مثل هذه التصريحات، لأن أي حديث يصدر عن رئيس دولة بشأن تهديدات داخل دولة أخرى يكتسب بطبيعته وزنًا سياسيًا وإعلاميًا كبيرًا، وقد يخلق انطباعات تتجاوز المقصود منه.
فإذا كانت هناك بالفعل معلومات أمنية مشتركة، فإن المكان الطبيعي لتبادلها هو قنوات التعاون الرسمية بين المؤسستين الأمنيتين والعسكريتين في البلدين، لا التصريحات العلنية. أما إذا لم تكن هناك معطيات استثنائية، فإن حدة الخطاب قد تفتح الباب أمام تأويلات لا تخدم لا تونس ولا الجزائر، وتثير تساؤلات غير ضرورية حول طبيعة التهديدات ومستوى إدراكها من قبل مؤسسات الدولة التونسية.
كما أن طريقة تقديم التصريح إعلاميًا ساهمت في تعقيد النقاش. فالمقتطف المتداول أولًا جاء في صيغة مختزلة ومونتاج سريع أوحى بأن تونس تواجه خطرًا داهمًا وأن الجزائر هي التي ستتكفل بالرد عليه، قبل أن يتبين لاحقًا أن الحديث كان جزءً من عرض أشمل يتعلق بالأمن الإقليمي وبالمصالح الاستراتيجية للجزائر. وهنا يبرز دور الإعلام في نقل التصريحات الرئاسية بدقة، لأن اجتزاءها قد يغير دلالاتها ويؤثر في الرأي العام داخل البلدين.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل ساهمت بعض التغطيات الإعلامية الجزائرية خلال الأيام الأخيرة في تغذية هذا الالتباس، من خلال تناول الشأن التونسي بلغة هجومية تجاه شخصيات سياسية تونسية، أو عبر تقارير تلفزية اتسمت بالمبالغة والتهويل قبل أن يتم سحب احداها لاحقًا. صحيح أن هذه المواد الإعلامية لا تعبر بالضرورة عن الموقف الرسمي للدولة الجزائرية، لكنها تترك أثرًا في الرأي العام، خاصة عندما تتزامن مع تصريحات سياسية حساسة، وهو ما يفرض على الإعلام في البلدين قدرًا أكبر من المسؤولية.
وتزداد أهمية هذا النقاش في الحالة التونسية، حيث أصبح مفهوم “السيادة الوطنية” خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز مرتكزات الخطاب الرسمي.
ومن هذا المنطلق، يبرز تساؤل مشروع: كيف يمكن التوفيق بين التشديد المستمر على رفض أي تدخل خارجي في الشأن التونسي، وبين الترحيب بخطابات صادرة عن مسؤولين أجانب تتضمن تعهدات تتجاوز مجرد إعلان التضامن السياسي؟
إن الدفاع عن السيادة لا يتجزأ. فإذا كان مبدأ عدم التدخل يُرفع في مواجهة جميع الدول، فإنه ينبغي أن يظل المعيار نفسه في كل الحالات، بصرف النظر عن هوية الدولة أو طبيعة العلاقات معها. فالسيادة ليست موقفًا انتقائيًا يُستدعى في خصومة ويُعطّل في أخرى، وإنما هي قاعدة قانونية وسياسية ثابتة.
لقد دافعت تونس، تاريخيًا، عن مبدأ استقلال القرار الوطني، ورفضت إقامة قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، كما تمسكت بأن حماية أمنها القومي مسؤولية مؤسساتها العسكرية والأمنية. وهذا لا يتعارض مطلقًا مع تطوير التعاون الأمني والاستخباراتي مع الجزائر أو غيرها من الدول، فالتعاون شيء، وإسناد مسؤولية حماية الأمن الوطني أو إعطاء الانطباع بذلك شيء آخر. فالتعاون يقوم على الندية والاحترام المتبادل، بينما تظل مسؤولية القرار الأمني والسياسي حكرًا على الدولة صاحبة السيادة.
كما أن القول بأن أمن الدول أصبح مترابطًا في عالم اليوم هو توصيف صحيح إلى حد بعيد، لكن الترابط الأمني لا يلغي الحدود القانونية والسياسية للسيادة. فحتى داخل التحالفات العسكرية الكبرى، تظل كل دولة مسؤولة عن إدارة أزماتها واتخاذ قرارها السيادي، ولا تحل دولة محل أخرى في إعلان الردع أو مباشرة المسؤولية عن أمنها.
وتكشف التجارب المقارنة أن الدول، حتى عندما ترتبط بتحالفات عسكرية أو أمنية وثيقة، تحرص على عدم تجاوز هذا الخط الفاصل. فعندما تعرضت فرنسا أو إسبانيا أو بلجيكا أو المملكة المتحدة لهجمات إرهابية، سارعت الدول الصديقة إلى إعلان تضامنها الكامل وتقديم المساعدة، لكنها ظلت تؤكد أن إدارة الأزمة تبقى من اختصاص سلطات الدولة المعنية، حفاظًا على مبدأ السيادة واحترامًا لاستقلال القرار الوطني.
ومن زاوية أخرى، فإن المسؤول الأول لأي دولة يبقى معنيًا، قبل كل شيء، بحماية أمن بلاده وحدودها ومعالجة التحديات التي تواجهها دولته. وهذا لا يتعارض مع إعلان التضامن مع الدول الشقيقة أو الصديقة، لكنه يجعل هذا التضامن أكثر اتساقًا مع قواعد العلاقات الدولية عندما يُقدَّم في إطار الاحترام المتبادل لسيادة كل دولة.
كما أن مثل هذه التصريحات قد تُستغل، سواء عن قصد أو دون قصد، لتغذية انطباع بأن أمن تونس مرتبط بضمانات دولة أخرى أو بإرادتها، وهو انطباع لا يخدم صورة الدولة التونسية بوصفها دولة ذات سيادة كاملة، تمتلك مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وتملك من الكفاءة والخبرة ما يؤهلها لحماية أمنها واتخاذ قراراتها باستقلالية، مع الاستفادة بطبيعة الحال من التعاون مع شركائها.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن استقلالية القرار التونسي لا ينبغي أن يُفهم على أنه موقف من الجزائر أو من عمق العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين البلدين. فالجزائر كانت ولا تزال شريكًا أساسيًا لتونس في مجالات عديدة، وخاصة في المجالين الأمني والاقتصادي، وقد أثبت التعاون بين البلدين نجاعته في مواجهة تحديات مشتركة، لكن هذا الترابط، مهما بلغت أهميته، لا يغيّر حقيقة قانونية وسياسية أساسية، وهي أن كل دولة مسؤولة عن أمنها القومي وقرارها السيادي.
إن حماية تونس من الإرهاب أو من أي تهديد خارجي ليست مسؤولية دولة أخرى، كما أن حماية الجزائر ليست مسؤولية تونس ،فمسؤولية كل دولة هي حماية أمنها القومي، مع التعاون والتنسيق وتبادل المعلومات والخبرات مع الدول الشقيقة والصديقة وفق قواعد القانون الدولي ومقتضيات حسن الجوار.
ان جوهر النقاش لا يتعلق برفض التضامن بين الدول أو التقليل من أهمية العلاقات التونسية الجزائرية، ولا بالتشكيك في خطورة الإرهاب الذي يظل تهديدًا مشتركًا للبلدين، بل بالدفاع عن مبدأ أساسي في القانون الدولي والعلاقات بين الدول، وهو الاحترام الكامل لسيادة كل دولة واستقلالية قرارها.
فالدعم الحقيقي لا يُقاس بقوة العبارات ولا بحدة الخطاب، وإنما بمدى احترام إرادة الدولة الشريكة وحقها الحصري في إدارة شؤونها الأمنية والسياسية. وكلما كانت العلاقات بين بلدين أكثر متانة، كان الحرص على هذا المبدأ أكبر، لأن الأخوة بين الدول لا تكتمل إلا حين تقترن بالندية والاحترام المتبادل، بعيدًا عن أي خطاب قد يُفهم، ولو على سبيل التأويل، بأنه ينتقص من استقلالية القرار الوطني أو يخلط بين منطق الشراكة ومنطق الوصاية.

عامر بوعزة(صحافي مغترب)
السيادة الوطنية لا تتجزأ، ولا يوجد منطق سليم يجعل تدخل الجزائر في شؤوننا مقبولا، بينما تدخل فرنسا يقيم الدنيا ولا يقعدها. و ردّ الفعل الطبيعي لأي مواطن تونسي غيور على استقلال البلاد وكرامتها، وبه نخوة وعزة نفس وأنفة هو الاستياء من تصريح الرئيس الجزائري مهما كانت نواياه حسنة.
تونس على حد علمنا (وما خفي قد يكون أعظم) لم تطلب دعما من أحد، وأي حديث عن دعم خارجي يستنقص من قدرة التونسي على حماية بلاده، ويمارس وصاية يرفضها التونسيون الأحرار (الطابور الخامس لديه حسابات أخرى) لقد كان يمكن لعبد المجيد تبون أن يصوغ موقفه بطريقة تحترم سيادة تونس وكرامتها كأن يعرب عن استعداد بلاده لتقديم المساعدة إذا ما طلب منه ذلك!
يجدر التذكير هنا بأن الجرائم الإرهابية التي ارتكبت خلال العشرية السابقة تمركزت جغرافيا في المناطق الحدودية التونسية الجزائرية وفيما كان التنسيق الأمني بين القوات الدفاعية في البلدين أمرا عاديا دون استعراض عضلات كانت هناك أصوات من داخل المشهد السياسي لدينا لا تستبعد مصلحة جارنا الغربي في إجهاض الانتقال الديمقراطي وزعزعة الاستقرار في بلادنا وهي قراءة لم يؤكدها أحد ولم يفنّدها أحد لكنها تظل قائمة.
اليوم وفي غياب أي خطر خارجي يتطلب التحالف مع دول أخرى لمواجهته فإن خطاب تبون لا يمكن إلا أن يكون تدخلا في الشأن الداخلي لدولة ذات سيادة ولئن كان يتذرع بذلك في سياق الحديث عن أمن بلاده القومي، فتلك هي الحجة التي تستخدمها الجزائر للتحكم في تونس منذ القرن 18، وكانك خياط تبع الغرزة






