تونس تسرع الانتقال الطاقي وسط ضغوط الإمدادات ورهان الربط مع أوروبا

تمضي تونس بوتيرة متسارعة نحو تعزيز إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، في مسعى لتقليص اعتمادها المتزايد على واردات الغاز الطبيعي واحتواء عجز الطاقة، مستفيدة من توسع مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وزيادة استثمارات القطاع الخاص في إنتاج الكهرباء.
ومنذ عام 2015، بدأت تونس في إرساء إطار قانوني ينظم إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، قبل أن تطلق أول طلبات العروض الخاصة بالمشاريع الكبرى سنة 2019، ضمن توجه رسمي لفتح القطاع أمام المستثمرين المحليين والأجانب.
وترتكز المنظومة الحالية على ثلاثة أنظمة رئيسية تشمل اللزمات (الامتيازات) المخصصة للمشاريع الكبرى، ونظام التراخيص للمشاريع محدودة القدرة، إضافة إلى نظام الاستهلاك الذاتي الذي يتيح للمؤسسات والأفراد بإنتاج الكهرباء لتلبية احتياجاتهم مع إمكانية توريد الفائض إلى الشبكة الوطنية.
وقال الخبير الدولي في الطاقة سامي بن رجب لرويترز إن مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج إنتاج الكهرباء ارتفعت من نحو واحد أو اثنين بالمئة فقط في عام 2020 إلى حوالي ستة بالمئة بنهاية 2025، معتبرا أن تونس “حققت تقدما لافتا رغم الصعوبات الإدارية والتمويلية والتقلبات العالمية”.
وأضاف أن البلاد “نجحت خلال أقل من خمس سنوات في مضاعفة قدرتها الإنتاجية من الطاقات المتجددة ثلاث مرات، رغم تداعيات جائحة كوفيد-19 وارتفاع أسعار الطاقة عالميا”.
وتشير بيانات وزارة الصناعة والمناجم والطاقة إلى أن القدرة الكهربائية المركزة من الطاقات المتجددة بلغت نحو 1074 ميجاوات حتى فبفيفري2026 “موزعة بين مشاريع شمسية وريحية وأنظمة إنتاج ذاتي في القطاعين السكني والصناعي”.
* الطاقة الشمسية تقود التحول
تقود الطاقة الشمسية الجزء الأكبر من هذا التحول، خاصة مع التوسع المتزايد في تركيب الألواح الشمسية فوق أسطح المنازل والمؤسسات الصناعية والفلاحية.وبحسب الأرقام الرسمية، تم تركيب حوالي 444 ميجاوات من الأنظمة الشمسية في القطاع السكني، إلى جانب 113 ميجاوات لفائدة المؤسسات الصناعية والفلاحية على شبكات الجهد المتوسط والعالي.
ومن بين أبرز المشاريع التي دخلت حيز الإنتاج محطة القيروان للطاقة الشمسية بقدرة 100 ميجاوات، إضافة إلى مشاريع في توزر جنوب البلاد و سيدي بوزيد وسط البلاد بطاقة تناهز 60 ميجاوات لكل مشروع.
ويرى خبراء أن تونس اختارت مسارا مختلفا نسبيا عن جيرانها في شمال أفريقيا، إذ ركزت بدرجة أكبر على تشجيع الإنتاج الذاتي وإشراك الأفراد والمؤسسات في الانتقال الطاقي، مقابل اعتماد نماذج أكثر مركزية في دول أخرى.
* دعوات لتذليل العقبات أمام المستثمرين
في ظل تفاقم عجز الطاقة والضغط المتزايد على المالية العامة، دعا خبراء ومستثمرون إلى إزالة العراقيل الإدارية وتوسيع الحوافز المالية لتشجيع الاستثمار في القطاع.
وقال يحيى كشو عضو المجمع المهني للطاقات المتجددة في الكونفدرالية التونسية لمؤسسات المواطنة التونسية (كونكت)، وهي منظمة تمثل شركات القطاع الخاص في تونس، إن تونس تمتلك إمكانات كبيرة تؤهلها لتحقيق قفزة نوعية في مجال الطاقة النظيفة، مشيرا إلى أن استراتيجية الدولة تستهدف رفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى 35 بالمئة من إنتاج الكهرباء بحلول عام 2030.
وأضاف أن هذه النسبة قد تصل إلى 50 بالمئة إذا تم تسريع الإصلاحات وتوسيع آليات التمويل، داعيا إلى زيادة القروض المخصصة لتركيب أنظمة الطاقة الشمسية في المنازل والمحال والمؤسسات.
وأشاد كشو بالحوافز التي أقرتها الدولة لتشجيع الاستثمار، خاصة نظام التراخيص الذي يسمح للمستثمرين بتركيب محطات شمسية وبيع الكهرباء المنتجة إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز.
* مقارنة مغاربية تكشف الفوارق
رغم هذا التقدم، لا تزال تونس متأخرة عن المغرب الذي يعد رائدا إقليميا في مجال الطاقة المتجددة بفضل استراتيجية أطلقها منذ 2009 واستثمارات ضخمة في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وتبلغ القدرة المركبة للطاقات المتجددة في المغرب حوالي 5400 ميجاوات، مع مساهمة تناهز 40 بالمئة من مزيج إنتاج الكهرباء، خاصة بفضل المشاريع العملاقة مثل مجمع نور للطاقة الشمسية.
أما الجزائر، فرغم امتلاكها إمكانيات شمسية كبيرة، لا تزال تعتمد بشكل شبه كامل على الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء، مع مساهمة محدودة للطاقة المتجددة تقل عن ثلاثة بالمئة.
ويقول محللون إن النموذج التونسي يتميز بسرعة انتشار الأنظمة الشمسية الصغيرة والمتوسطة، مما ساعد على تحقيق نتائج أسرع نسبيا رغم محدودية التمويل الحكومي مقارنة بجيرانها.* رهان على الربط مع أوروبابالتوازي مع تطوير الإنتاج المحلي، تراهن تونس على مشروع (إلميد) للربط الكهربائي مع أوروبا والذي تبلغ قدرته نحو 600 ميجاوات باعتباره أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية في قطاع الطاقة خلال السنوات المقبلة.
وقال بن رجب إن المشروع سيمثل أول ربط مباشر عبر التيار المستمر بين أفريقيا وأوروبا، موضحا أنه سيسمح بتبادل فائض الكهرباء بحسب فترات ذروة الاستهلاك، خاصة خلال الصيف في تونس والشتاء في أوروبا.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطا متزايدة بسبب تراجع الاستقلال الطاقي، الذي انخفض إلى نحو 36 بالمئة فقط بحلول فيفري 2026، ما يعني اعتماد تونس على الواردات لتلبية حوالي 64 بالمئة من احتياجاتها الطاقية.
وتعتمد تونس بشكل رئيسي على الغاز الجزائري لإنتاج الكهرباء، ما يجعل أسعار الطاقة العالمية وتقلبات الإمدادات عاملا مؤثرا بشكل مباشر على المالية العامة وعجز الميزان التجاري.
ويعتبر نظام “اللزمات” أو الامتيازات أحد الحلول التي تعتمدها الدولة لتقليص الأعباء الاستثمارية، إذ يتولى المستثمرون من القطاع الخاص تمويل المشاريع وتنفيذها، بينما تشتري الشركة التونسية للكهرباء والغاز الكهرباء المنتجة بموجب عقود طويلة الأجل.
وصادق البرلمان التونسي مؤخرا على جولة جديدة من اللزمات، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرا على استمرار اهتمام المستثمرين الأجانب بقطاع الطاقة المتجددة في تونس رغم التحديات الاقتصادية والسياسية.
ويقول خبراء إن نجاح تونس في بلوغ هدفها المتمثل في رفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى 35 بالمئة بحلول 2030 سيظل رهنا بقدرتها على تسريع تنفيذ المشاريع الكبرى، وتطوير شبكات النقل والتخزين، إلى جانب تبسيط الإجراءات الإدارية لجذب المزيد من الاستثمارات في القطاع.
رويترز




