بسام بونني:”لو كان الاستبداد رجلًا، لقال: أنا الشّرّ وأبي الظّلم وابني الفقر وبنتي البطالة ووطني الخراب وعشيرتي الجهالة”

أعترف أنّه لم تكن لي الشّجاعة الكافية لإنهاء شهادة الصّديق Kamel Cherni في بودكاست “أثير”، وذلك لسببين رئيسيّين: الأوّل، أنّي خبرتُ كمال منذ ربع قرن، وقد روى لي الكثير من فصول محنته على مراحل، وخشيت أن أكتشف أكثر ممّا أسرّه لي.
ثانيا، كمال حسّاس كطفل، مثل معظم المنحدرين من الطّبيعة الجبليّة الكافيّة المُعتّقة، الّتي لا يُضاهي قسوتها سوى جمالها. فخفتُ عليه من ضحكة سمجة لمن لا يُقدّر مِحن الآخرين، خاصّة أنّنا في مجتمع ينزلق أكثر فأكثر نحو الشّتم والسّباب والشّماتة والتّشفّي.

أعتقد جازمًا أنّ أكبر كارثة حلّت بتونس، غداة رحيل بن عليّ، تمثّلت في ملفّ العدالة الانتقاليّة. طبعا، اختصر كثيرون المسافات وحمّلوا المسؤوليّة لرئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، الصّديقة سهام بن سدرين، حصرًا دون غيرها، لغاية في نفس يعقوب، في كثير من الأحيان، والحال أنّه لو رأس بن عليّ نفسه الهيئة لوجد البعض ما يُمكن أن يحول دون أيّ محاسبة أو عدالة.
تعرّض الإسلاميّون إلى مظالم شتّى وأرى أنّ أقسى ما أصابهم، بعد محرقة التّسعينيّات، هو شعار “بقدّاش كيلو النّضال؟”، تلك الجملة البغيضة الّتي اغتالت الكثير من الإسلاميّين معنويّا، هذا إلى جانب أكذوبة التّعويضات.
صحيح أنّ حركة النّهضة لم تُطمئن المجتمع التّونسيّ على أنّها تخلّت نهائيًّا عن أكثر أطروحاتها تشدّدًا، في لُعبة التّوزان بين الظّهور في صورة الدّيمقراطيّ المحافظ حتّى لا تخسر خزّانا انتخابيّا، أقصى يمينها، وإكراهات الانتقال السّياسيّ. لكن، في المقابل، لا يمكن التّغاضي على حقيقة أنّ قطاعًا لا يُستهان به من التّونسيّين لم يطمئن بدوره الإسلاميّين بأنّ زمن القتل تحت التّعذيب والملاحقات والمنفى قد ولّى وانتهى. فبقيت العلاقة خالية من أيّ ثِقة متبادَلة.
أمّا المعتقلون اليساريّون والقوميّون فقد حوّلهم كثيرون – والإعلام وصناعة السّينما والمسلسلات لعبوا دورًا في ذلك، سواء عن قصد أو عن غير قصد – إلى سرديّة فولكلوريّة، تتلّخص في نمط في الهندام ومذكّرات مشوّقة وقرّر البعض، مكان أصحاب المحنة أنفسهم، أنّهم غفروا لجلّاديهم، والحال أنّ كثيرًا منهم لم يُغادر السّجن أصلًا، لا من حيث الصّحّة النّفسيّة ولا الجسديّة، ولم يطو الصّفحة حتّى في علاقة بما حمله من رسائل وأحلام لأكثر من نصف قرن.
ليس من الصّادم إزاء كلّ ذلك أن نشاهد انحدارًا أخلاقيًّا لم يشهد المجتمع مثيلًا له. فمع جيل جديد من المعتقلين – إلى جانب المعتقلين القدامى المستجدّين – والمنفيّين، تتعاظم تعبيرات النّزعة الانتقاميّة، انطلاقًا من أعلى هرم السّلطة إلى أحدث المنضمّين إلى قواعد مريديه.
لم يُغادر كمال الشّارني محنته ولم تُغادره. لكنّي أعلم جيّدًا أنّ الأمر ليس كلّه شرًّا، على الأقلّ مثلما يعيش هو نفسه تلك المحنة. فذاك المُحرّك الوحيد الّذي يجعله يصمد أمام كلّ الرّياح العاتية والارتدادات ويمضي قُدمًا على درب اختاره منذ عقود. وهو ليس استثناء، بالمناسبة! وفي ذلك، الكثير من العزاء ممّن لا يزال – مثلي على الأقلّ – يرى في المحن طريقًا خاضه آلاف التّونسيّين بكلّ شرف ولم يحيدوا عنه، رغم كلّ الفظاعات الّتي ارتكبت في حقّهم!
نتعلّم منهم دون أبويّة. نقتدي بهم دون تقديس. نطلب نصيحتهم دون خضوع. ذاك شرفٌ لنا! ذاك قدرُهم!
آه! “لو كان الاستبداد رجلًا، كما ذكر الكواكبي، وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشّرّ وأبي الظّلم وأمّي الإساءة وأخي الغدر وأختي المسكنة وعمّي الضّرّ وخالي الذّلّ وابني الفقر وبنتي البطالة ووطني الخراب وعشيرتي الجهالة”.

*بسام بوننّي، صحافي تونسي 
-تدوينة فيسبوكية للصحفي بسام بونني نغيد نشرها لاهميتها 
زر الذهاب إلى الأعلى