ليبيا: اقتحام «مؤسسة النفط» في العاصمة بورط الدبيبة

وضع النائب العام الليبي، الصديق الصور، حكومة «الوحدة» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في مرمى انتقادات الخصوم، بعدما أثبتت النيابة صحة واقعة اقتحام مبنى «المؤسسة الوطنية للنفط» بالعاصمة، وأمرت باحتجاز 3 مشتبه بهم.

وكانت حكومة شرق ليبيا، برئاسة أسامة حمّاد، التي تحظى بثقة البرلمان الليبي  ودعم القوات المسلحة بقيادة المشير حفتر  قد كشفت عن تعرض مؤسسة النفط، الواقعة تحت سيطرة حكومة «الوحدة»، لعمليات اقتحام من قبل مسلحين نهاية الأسبوع الماضي، لكن المكلف بتسيير مجلس إدارة المؤسسة، حسين صافار، سارع بنفي الواقعة، قائلاً: «هذه الادعاءات عارية تماماً عن الصحة».

وأضافت حكومة بنغازيّ   أنها ربما تتخذ قرارا بنقل مقر المؤسسة الوطنية للنفط التي تقع في طرابلس، إلى إحدى “المدن الآمنة” مثل مدينة راس لانوف أو البريقة الخاضعتين لسيطرتها.

وقال مجلس النواب، إن ثلاث مركبات عسكرية رباعية الدفع، مجهزة بأسلحة متوسطة، وتحمل شارات “قوة التدخل السريع والسيطرة”، التابعة لمجلس الوزراء، بالإضافة إلى ملصقات تشير إلى ارتباطها بحكومة الدبيبة المنتهية ولايتها، نفذت هجوماً  على مقر المؤسسة. وأضاف أن هذا الاعتداء العدائي تسبب في حالة من الذعر بين العاملين في المؤسسة، حيث أُجبروا على البقاء في مكاتبهم وسط أجواء من التوتر، في حين اقتحم المسلحون الطابق الخامس الذي يضم مكتب رئيس مجلس الإدارة، وبقوا فيه لمدة ساعة ونصف الساعة بغرض تحقيق أهداف مجهولة لا تمت بصلة لمصلحة المؤسسة أو للدولة.

وفي ضوء هذا التطور الذي وصفه بالخطير، طالب مجلس النواب النيابة العامة بفتح تحقيق فوري وشامل لكشف ملابسات هذا الاعتداء، واستدعاء كافة الشهود والموظفين للإدلاء بشهاداتهم، كما نادى بمراجعة وضع مقر المؤسسة الوطنية للنفط ونقله إلى مدينة أكثر استقراراً، حفاظاً على سلامة العاملين وضمان حماية هذا المورد الحيوي للاقتصاد الوطني من أيّ تدخلات مسلحة.

◙ مصدر مطلع يقول إن العناصر التي هاجمت مقر المؤسسة الوطنية للنفط قادمة لدعم القوات الموالية للدبيبة

وأكد مجلس النواب على ضرورة أن يتحمل المجتمع الدولي، وخاصة الدول المؤثرة في مجلس الأمن وبعثة الأمم المتحدة، مسؤولياتهم تجاه دعم المساعي الرامية لتشكيل حكومة مؤقتة موحدة، تكون نبراساً للعدل، وتعمل على إخراج الوطن من ظلمات المعاناة التي سببها وجود حكومة منتهية الولاية وذات سمعة سيئة.

وعبّر المجلس عن استنكاره الشديد للوضع الأمني المتردي في العاصمة طرابلس، حيث أصبحت التجاوزات غير القانونية والاعتداءات السافرة على المؤسسات الوطنية والممتلكات الخاصة أمراً متكرراً وخطيراً، لافتا إلى أن المؤسسة الوطنية للنفط تمثل الشريان الاقتصادي الحيوي لليبيين، وأن هذا الاعتداء يُعد عملاً مستهجناً يعكس استهتاراً واضحاً بسيادة الدولة وهيبتها.

وطالب مجلس النواب النائب العام باتخاذ الإجراءات القانونية الصارمة، وملاحقة كافة المسؤولين عن هذا الهجوم غير المبرر، وضمان محاسبة كلّ من خطط له أو شارك فيه، لمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات التي تهدد الأمن القومي واستقرار العاصمة، مشيرا إلى أن قطاع النفط يمثل سيادة وطنية ومصلحة عامة لجميع الليبيين، ما يحتم تعزيز سلطة القانون والتصدي لأيّ محاولات للعبث بالمقدرات الوطنية، ولا يجوز تطبيق القانون بشكل انتقائي، إذ أن ذلك يُضعف مساعي بناء دولة المؤسسات والقانون.

وبحسب مصدر مطلع، فإن العناصر التي هاجمت مقر المؤسسة الوطنية للنفط قادمة من مدينة مصراتة لدعم القوات الموالية للدبيبة، وكان هدفها من الاقتحام إجبار إدارة المؤسسة على تمكينها من مبالغ مالية وعقود مجزية تحت ضغط السلاح. وأعربت الحكومة المنبثقة عن مجلس النواب والتي تباشر مهامها من بنغازي، عن إدانتها واستنكارها لقيام مجموعة مسلحة غير نظامية بالاعتداء السافر على مقر المؤسسة الوطنية للنفط بالعاصمة طرابلس وعلى مكتب رئيس مجلس إدارتها وتهديد وترهيب موظفيها.

وأكدت الحكومة  التي برأسها أسامة حماد، عدم استغرابها من قيام المجموعة المسلحة بإجبار موظفي مؤسسة النفط على إصدار بيان ينفي حصول واقعة الاعتداء التي حصلت على مرأى ومسمع الموظفين وعدد من المواطنين وذلك في ظل حالة الفوضى العارمة التي تمر بها العاصمة طرابلس وانتشار السلاح لدى مجموعات غير نظامية ترهب به مؤسسات الدولة، مشيرة إلى حالات اعتداء مماثلة من مجموعات مسلحة غير نظامية حدثت في أيام وفترات سابقة طالت مصرف ليبيا المركزي وميناء طرابلس البحري.

كما لفتت إلى حالة الصمت المريب من قبل البعثة الأممية والمبعوث الأميركي الخاص لدى ليبيا تجاه هذه الحادثة الخطيرة وطالبتهم بتحمل مسؤولياتهم تجاه ما ستؤول إليه الأوضاع من تهديدات مباشرة لقطاع النفط في ليبيا، وأكدت أنها قد تضطر إلى اتخاذ إجراءات وتدابير احترازية من بينها إعلان حالة القوة القاهرة على الحقول والموانئ النفطية، أو نقل مقر المؤسسة الوطنية للنفط مؤقتاً إلى إحدى المدن الليبية الآمنة، مشيرة إلى أنها لن تقبل أيّ تدخل من البعثة الأممية ضد هذه القرارات الضرورية والحاسمة، داعية مكتب النائب العام بفتح تحقيق موسع في واقعة الاعتداء على المؤسسة الوطنية للنفط، واتخاذ ما يلزم من إجراءات لملاحقة وضبط المعتدين وتقديمهم للقضاء في أسرع وقت ممكن.

في 2024 فقدت ليبيا أكثر من نصف إنتاجها النفطي خلال شهر واحد من التوقف عن الإنتاج

وفي اوت  2024، فقدت ليبيا أكثر من نصف إنتاجها النفطي، وهو ما يعادل نحو 700 ألف برميل يوميا، وتوقفت الصادرات في عدة موانئ، إذ هددت المواجهة بين الفصائل السياسية المتناحرة بشأن البنك المركزي بإنهاء سلام نسبي دام لنحو أربعة أعوام.

واستمرت عمليات توقف الإنتاج لأكثر من شهر، استؤنف الإنتاج بعدها بدءا من أوائل  أكتوبر.

وبحسب المؤسسة الوطنية للنفط، بلغ إنتاج ليبيا من النفط  1.3 مليون برميل يوميا في آخر 24 ساعة.

الدبيبة مستقبلاً تيتيه في لقاء سابق (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة مستقبلاً تيتيه في لقاء سابق (حكومة «الوحدة»)

وأعلن النائب العام الليبي مساء الخميس، اعتقال 3 مشتبه بهم، لاتهامهم باقتحام مقر «المؤسسة الوطنية للنفط»، وذلك بعد يوم من تهديد حكومة حماد، المكلفة من مجلس النواب، بإعلان حالة «القوة القاهرة» على حقول وموانٍ نفطية، بعد واقعة الهجوم على مقر المؤسسة.

ويرى متابعون أن توصّل التحقيقات، التي أجرتها النيابة، إلى وجود اقتحام فعلي للمؤسسة المشرفة على النفط الذي يعد مصدر «قوت الليبيين» يزيد من أزمة الدبيبة، الذي يطالبه محتجون في طرابلس بالاستقالة، في ظل تصاعد أجواء «العصيان المدني» بالعاصمة.

ولا تحظى حكومة حماد في بنغازي (شرق) باعتراف دولي، لكن معظم حقول النفط تخضع لسيطرة القائد العام لـ«الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر. كما تبسط حكومة حماد نفوذها على مناطق واسعة من ليبيا  في كامل الشرق وجل  الجنوب الليبي  وتجاحها في القضاء على الميليشيات المسلحة وفرض قوة اجهزة الدولة القانونية

وسبق أن بررت «المؤسسة الوطنية للنفط»، في بيان لها، اقتحام مقرها، بقولها إن ما جرى «لا يتعدى خلافاً شخصياً محدوداً وقع في منطقة الاستقبال»، لكن حكومة حمّاد هددت أيضاً بنقل مقر المؤسسة مؤقتاً إلى «مدن آمنة»، مثل رأس لانوف والبريقة، وكلتاهما تخضع لسيطرتها.

وقال النائب العام في بيان، إن النيابة العامة «نظرت في إثبات اقتحام مقر المؤسسة… وباشرت استجواب المقبوض عليهم عقب تسلمهم من وزارة الدفاع، فأمرت بحبس المتهمين، وطالبت وزارة الدفاع وجهات الضبط إجراء ضبط بقية المساهمين في الواقعة».

 

إنتاج النفط الليبي تعطل مراراً خلال أكثر من 10 سنوات من الفوضى (أ.ف.ب)
إنتاج النفط الليبي تعطل مراراً خلال أكثر من 10 سنوات من الفوضى (أ.ف.ب)

وتعطل إنتاج النفط الليبي مراراً خلال أكثر من 10 سنوات من الفوضى، بدأت في 2014 عندما انقسمت البلاد بين سلطتين متناحرتين في الشرق والغرب، بعد انتفاضة دعمها حلف شمال الأطلسي، وأطاحت بحكم الرئيس الراحل معمر القذافي في 2011.

ودافعت وزارة الدفاع بغرب ليبيا عن نفسها بعد إفادة النيابة العامة، وقالت إنها «تابعت بشكل مباشر وميداني الحادثة، التي وقعت عند مدخل المؤسسة الوطنية للنفط، واتخذت الإجراءات الفورية بالتنسيق مع النيابة»، وأوضحت أنها سارعت إلى «تسليم العناصر المعنية إلى الجهات القضائية المختصة»، كما أكدت «التزامها حماية المرافق السيادية، ودعم سلطة القانون».

 

جانب من الاحتجاجات المطالبة برحيل الدبيبة وحكومته في العاصمة طرابلس (إ.ب.أ)
جانب من الاحتجاجات المطالبة برحيل الدبيبة وحكومته في العاصمة طرابلس (إ.ب.أ)

ويواجه الدبيبة منذ نحو 3 أسابيع، مظاهرات شبه يومية في طرابلس، قصد دفع حكومته إلى الاستقالة، واحتجاجات تطالب بعزله ومحاكمته. ولذلك ينظر لاقتحام مؤسسة النفط على أنها خطوة ستدعم تهديد حكومة حمّاد بنقل مقر المؤسسة خارج العاصمة، مما يزيد من أزمات الدبيبة وحكومته.

وفي شأن آخر، ثمّن الدبيبة «جهود النائب العام وتشكيله لجنتي تحقيق في الشكاوى والمظالم المرتبطة بالمجموعات الخارجة عن القانون، وفي الوقائع الأخيرة التي شهدتها العاصمة».

ورأى الدبيبة في بيان أصدره مكتبه الجمعة، أن «هذه الخطوة تمثل دعامة أساسية لتعزيز سيادة القانون، وتؤكد جدية مؤسسات الدولة في التصدي للانتهاكات ومساءلة مرتكبيها»، معتبراً أن التحقيقات التي تجريها النيابة راهناً «مكمّلة للعملية الأمنية والعسكرية الدقيقة، التي نفذتها وزارتا الدفاع والداخلية في منطقة أبو سليم؛ والتي حققت أهدافها في استعادة النظام، وفرض هيبة الدولة، وكشف حقيقة أحداث اليوم التالي للعملية؛ وما ترتب عليها من محاولات إحداث الفوضى، وقطع الطرق، والاعتداءات بجميع أشكالها».

وانتهى الدبيبة إلى أن «تكامل الجهود بين السلطات القضائية والتنفيذية أساس متين لتعزيز الاستقرار، وبناء مؤسسات دولة القانون، التي ينشدها كل الليبيين».

وكان النائب العام قد أصدر قراراً يقضي بتشكيل لجنة تتولى التحقيق في البلاغات والشكاوى المرفوعة ضد منسوبي جهازي «الأمن المركزي» و«دعم الاستقرار»، والوحدات الأمنية المرتبطة بهما، وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان المنسوبة إليهم.

 

جانب من الأدلة التي تم العثور عليها في «المقبرة الجماعية» (اللواء 444 قتال التابع للدبيبة)
جانب من الأدلة التي تم العثور عليها في «المقبرة الجماعية» (اللواء 444 قتال التابع للدبيبة)

 

و«جهاز دعم الاستقرار» هو ميليشيا كان يترأسه عبد الغني الككلي، الشهير بـ«غنيوة»، الذي قتل في معسكر التكبالي، مقر «اللواء 444 قتال»، في عملية وصفتها «حكومة الوحدة» بـ«الأمنية المعقدة».

ومنذ مقتل الككلي، والأجهزة الأمنية التابعة لحكومة «الوحدة» تكشف بمقرّ نفوذه في منطقة أبو سليم عن «جرائم قتل وخطف، بالإضافة إلى مقبرة جماعية قالت إنها عثرت عليها»، يرجح أنها تضم مواطنين أُبلغ عن اختفائهم.

فيما عرضت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة» ما سمّته «اعترافات» مصوّرة لمتهم يلقب بـ«الفاكو»، وهو من ميليشيا «دعم الاستقرار»، يقرّ فيها بـ«التورط في ارتكاب جرائم قتل» 19 ليبياً، من بينهم 14 شاباً من منطقة المشاشية، كانت تتسم قبل ذلك بالغموض.

كما أصدر النائب العام قراراً بتشكيل لجنة تضطلع بتحقيق تعرض متظاهرين ورجال الأمن خلال المظاهرات في مدينة طرابلس لإصابات، وسرقات أموال أفراد ومنشآت خاصة وعامة؛ أثناء الاضطراب الذي شهدته المدينة هذا الشهر، بما في ذلك ما أُسنِد من هذه الواقعات إلى منسوبي الجهات الأمنية وغيرهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى