ماذا يجري في بنت جبيل اللبنانية؟

يريد الجيش الإسرائيلي أن يضع بنت جبيل لقمة سائغة في فم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبل ساعات من انطلاق المفاوضات مع اللبنانيين، ويريد حزب الله أن يجعل من البلدة، التي تُصنَّف ضمن معاقله، شوكة في الحلق الإسرائيلي الذي وجد، مرارا، صعوبة في ابتلاع الجنوب.ووفقا لصحيفة يديعوت أحرونوت التي ذكرت، يوم الأحد، أن سلاح الجو الإسرائيلي يلقي عشرات الذخائر الثقيلة على بنت جبيل، تقضي التوجيهات للقوات البرية بمحاصرة البلدة، والعمل من مسافة بعيدة باستخدام كمية كبيرة من الذخائر، واستغلال التفوق التكنولوجي.
رمزية المكان
وفي هذا السياق، يقول مدير مكتب الجزيرة في لبنان مازن إبراهيم، إن الجيش الإسرائيلي يسعى لأن يقدم بنت جبيل إنجازا رمزيا لنتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، كخطوة كبيرة على طريق إعادة إحياء ما يُعرف بالشريط الحدودي في عمق الأراضي اللبنانية.
لكنّ رمزية البلدة ليست البعد الوحيد في الميدان، بل هناك أيضا مطالب نتنياهو وشروطه التي استبق بها انطلاق مفاوضات واشنطن بالقول، يوم  السبت، إنه لن يوافق على أي مفاوضات إلا بنزع سلاح حزب الله والتوصل إلى اتفاق سلام “يصمد لأجيال”.
ويضع نتنياهو شروطه في ميدان تغيرت فيه ملامح الصراع، بعد اغتيال قيادات إيران وحزب الله في حربين قريبتين زمانيا، مُستقويا باستجابة أمريكية غير مسبوقة للرغبات الإسرائيلية، أو لرغبات نتنياهو تحديدا، ومتسلحا بما يدعيه رئيس الوزراء الإسرائيلي من أن لبنان طلب مرارا فتح قنوات تفاوض مباشرة “بسبب القوة التي أظهرتها إسرائيل”.
وبالعودة إلى الواقع الميداني الذي يتمحور في هذه الساعات حول بنت جبيل والخيام في جنوب لبنان، تكشف تحليلات الخبراء والمراقبين، أن الاستهدافات الإسرائيلية لهاتين البلدتين، وبلدات ومدن أخرى في الجنوب، تأخذ منحى تصاعديا، بغارات مكثفة على مناطق النبطية وزفتا وكفر رمان، قبل أن تصل إلى العديسة والطيبة ومحيط بنت جبيل.
أهمية خاصة
ووفق الخبراء، فإن بنت جبيل تواجه كثافة نيرانية إسرائيلية تعكس أهميتها الخاصة في الحسابات العسكرية للاحتلال، خصوصا مع إدخال الجيش الإسرائيلي فرقة المدرعات 162 إلى المعركة، الأمر الذي يعد مؤشرا واضحا على سعي إسرائيل للحسم، نظرا لكونها من أبرز تشكيلات النخبة القتالية.
ويقول الخبير العسكري والإستراتيجي العقيد نضال أبو زيد، إن هذه الفرقة التي تُعرف بـ”الصلب والنار”، تُستخدم عادة في المعارك الحاسمة، ويشكل اللواء المدرع 401 رأس الحربة فيها، وهو اللواء الذي سبق أن خاض معارك في غزة وتكبد خسائر أمام المقاومة هناك.ويضيف أبو زيد أن  الجيش الإسرائيلي يسعى إلى تطويق بنت جبيل عبر محاور عدة، من بينها التقدم من مارون الراس نحو عيتا الشعب وعيناتا، بالتوازي مع تحركات من يارون باتجاه عين إبل، معتبرا أن الهدف من هذه التحركات حصار البلدة من الجهة الشرقية، لعزلها عن محيطها وإجبار مقاتلي الحزب على الانسحاب.770 مترا
لكنّ حزب الله، الذي أدان إعلان الرئاسة اللبنانية -مساء الجمعة الماضي- الاتفاق مع إسرائيل على إجراء مفاوضات، لا يقف متفرجا في البلدة التي تكتسب أهمية من موقعها الجغرافي وارتفاعها الذي يصل إلى نحو 770 مترا، بل يخوض معارك في محيطها، ويقصف تجمعات للاحتلال، مستخدما الصواريخ وقذائف المدفعية.
وتأتي هذه التطورات في ظل هجمات إسرائيلية متواصلة على لبنان منذ 2 مارس الماضي شملت مناطق في قلب العاصمة بيروت، وأسفرت عما لا يقل عن 2020 قتيلا، و6436 جريحا.Hezbollah fighters raise their fists and shout slogans during the funeral of their senior commander Ali Dibs who was killed by an Israeli airstrike Wednesday night, in Nabatiyeh town, south Lebanon, Friday, Feb. 16, 2024. Israel's military said it killed a senior commander with the militant Hezbollah group's elite Radwan Force, Ali Dibs, who it says played a role in an attack inside Israel last year that unnerved Israelis, as well as other attacks directed at Israel over the past four months. (AP Photo/Mohammed Zaatari)مقاتلون من حزب الله اللبناني (أسوشيتد برس)
وبالرغم من أن التقارير الغربية تتحدث عن طلب أمريكي “صارم” على لسان الرئيس دونالد ترمب، من نتنياهو لتخفيف هجماته على لبنان، للحفاظ على وقف نار هش مع إيران، عبر مكالمة بين الرجلين “أقصر من المعتاد”، فإن نتنياهو وجيشه يبدوان أكثر حماسة لمواصلة الهجمات على مدن عدة بلبنان، وفي الجنوب تحديدا، وفي بنت جبيل على وجه الخصوص.
وربما يعزز حماس رئيس الوزراء الإسرائيلي وجيشه، ونهمهما الهجومي، تعثر المفاوضات الأمريكية الإيرانية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، ورغبة نتنياهو وجيشه الجامحة في استباق مفاوضات واشنطن مع لبنان بقدّ بنت جبيل من جنوبه، إثراء لأوراق القوة التفاوضية التي يذهب بها إلى أقوى عواصم العالم بعدما لانت، تماما، لنزعاته الهجومية.
هل تنجح “بنت جبيل” في قلب معادلة الاجتياح؟ 
بدأت عملية اجتياح بنت جبيل التي تشهد على مواجهات ملحمية وحرب عصابات وسط محاولات اسرائيلية للسيطرة على المدينة التي تصفها تل أبيب بأنها معقل الحزب في جنوب لبنان.
وفي اخر التطورات، أعلن الجيش الإسرائيلي أن قوات الفرقة 98 باشرت الهجوم على المدينة بعد استكمال تطويقها، وسط اصرار اسرائيلي لاحتلالها لما تمثله من رمزية كبيرة بالنسبة للحزب وبيئته.
فما آخر تفاصيل المعركة هناك؟
بحسب التقديرات الإسرائيلية فإن معركة بنت جبيل لن تحسم قبل أسبوع من الآن، مع اعتماد تكتيك التقدم البطيء لتقليل الخسائر، ولكن ماذا يعني سقوط بنت جبيل؟
بنت جبيل من موقع إلى رمز
ورغم أن بنت جبيل لا تمتلك ميزات طوبوغرافية حاسمة بالمعنى العسكري الصرف، فإن وزنها يتأتّى من مكانتها الرمزية المتراكمة. ويقول مصدر متابع لتطورات الميدان الجنوبي «منذ خطاب الأمين العام الأسبق (لحزب الله) حسن نصر الله عام 2000، إلى نقطة مرجعية في السردية السياسية للصراع، حين وُصفت إسرائيل بأنها أوهن من بيت العنكبوت».
ويضيف المصدر: «منذ ذلك الحين، لم تعد المدينة مجرد مساحة جغرافية، بل أصبحت علامة في الوعي السياسي؛ ما يجعل أي معركة فيها تتجاوز حدودها الميدانية. وهو ما يفسّر توصيف رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير للمعركة المرتبطة بها بأنها أساسية».
في هذا الإطار، تتحوّل المواجهة، حسب المصدر، «معركةً على المعنى: مَن يسيطر على بنت جبيل، لا يسيطر على موقع فحسب، بل على رمز يُعاد توظيفه في بناء السرديات».
تكثيف للتاريخ
في قراءة تتجاوز اللحظة الراهنة، يقول أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية منذر محمود جابر  إنّ بنت جبيل «ليست مجرّد بلدة حدودية، بل موقع رمزي – جغرافي مركزي يختصر تاريخ الجنوب اللبناني وتداخله العضوي مع تاريخ الشمال الفلسطيني، ويتموضع على خط تماس دائم مع التحولات الإقليمية»، مشدداً على أنّ بنت جبيل «كانت طرفاً في كلّ حدث سياسي تقريباً»، وأنّ حضورها «بدأ منذ سنوات العشرينات واستمرّ عبر مختلف المراحل».
ويوضح جابر أنّ «أهمية الموقع لا تُختزل بوقوعها على الشريط الحدودي الممتد من الناقورة إلى العرقوب، بل في كونها عقدة تفاعل تاريخي بين الداخل اللبناني وامتداده الفلسطيني»، لافتاً إلى أنّه «نشأت في وعي أهلها كمدينة تقابل صفد والناصرة، وتشكل نقطة وسطاً بين مدن الداخل والساحل».
أحداث 1936
ويضيف جابر أنّ «خصوصية الموقع الجغرافي هذه ترافقت مع دور سياسي مبكر؛ إذ كانت طرفاً في أحداث ومحطات مفصلية، ولا سيما في أحداث عام 1936 التي عصفت على جانبي الحدود اللبنانية – الفلسطينيّة، لأسباب خاصة بكل منهما. ففي الجانب الفلسطيني كانت هناك حركة الشيخ عز الدين القسام، وفي الجانب اللبناني كانت هناك صراعات ما بين مزارعي التبغ و(مقاطعجيي المحلّة)؛ وهذا ما أوجد تحالفاً بين الفلسطينيين وأهالي بنت جبيل، جعل من بنت جبيل قاعدة تدريب وتذخير لقوّات (القسّام)، وجعل من بنت جبيل مركز اجتماع للقيادات الجنوبية في مواجهة قوات الانتداب، بعد أن رفعت (حركة بنت جبيل الاجتماعية) مطالب سياسية تطالب بزوال الانتداب الفرنسي. وهذا ما ساعد على بروز قيادات جديدة (الوزير علي بزي والشاعر موسى الزين شرارة والدكتور أنيس إيراني)، وفي تكريس بعض القيادات القديمة التي استمرت الأوضاع المستجدة في صالحها (أحمد الأسعد وعادل عسيران)».
المسار العروبي والتحولات السياسية
ويرى الدكتور جابر أنّ هذا المسار العروبي «تكامل مع مواقف جامحة إبان الهجوم الثلاثي سنة 1956، ثم في أحداث 1958 (الاحتجاجات ضد حكم الرئيس السابق كميل شمعون)، حيث انخرط الأهالي مباشرة في حراكها. كما واصل التيار العروبي صعوده بعد حرب 1967؛ الأمر الذي انعكس على هوية المدينة السياسية، مع ارتباطها بشخصيات وتيارات قومية عربية».
ويشير إلى أنّ «رمزية بنت جبيل تعمّقت لأنها لم تكن هامشية في أي مرحلة، بل كانت دائماً في صلب أحداثها، خصوصاً في احتضان خطوط الإمداد خلال الثورة الفلسطينية، وتحوّلها قاعدة دعم وممرّاً بشرياً وسياسياً، وصولاً إلى استوائها ساحة مواجهة مباشرة مع الاعتداءات الإسرائيلية منذ أواخر الستينات».
ويلفت إلى أنّ «البلدة تمثّل نموذجاً مكثفاً لتحولات المجتمع الحدودي»، موضحاً أنّها «انتقلت من فضاء اقتصادي مفتوح على فلسطين، حيث كانت كراجات عكا وحيفا ويافا جزءاً من يومياتها، إلى واقع الانقطاع بعد 1948؛ ما أحدث انقلاباً عميقاً في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية وبدّل موقعها ووظيفتها».
البعد الإداري والدلالات السياسية
ويشدّد جابر على أنّ «أحد أبرز أوجه أهميتها اليوم يكمن أيضاً في بعدها الإداري»، موضحاً أنّها «مركز قضاء يمثل فيه الشيعة أغلبية ديموغرافية»، عادَّاً أنّ هذا الواقع «لا يمكن أن يمرّ من دون دلالات سياسية، بل يفسّر جانباً من الاستثمار في موقعها». وأضاف «أنّ هذه الرمزية انعكست في محطات مفصلية، وحتّمت على السلطات السياسيّة عدّها مهمة، في إشارة إلى أن أول اجتماع لمجلس النواب بعد التحرير عام 2000 كان في بنت جبيل، كما أنّ الأمين العام الأسبق لـ(حزب الله) حسن نصر الله أعلن (خطاب النصر) من ملعبها».
ويرى أنّ «بنت جبيل تختصر معادلة الجنوب: موقع يفرض الاشتباك بحكم الجغرافيا، وذاكرة تُراكم المعنى عبر التاريخ، ورمزية تجعلها أكثر من بلدة… بل مرآةً لصراع السيادة والانتماء في لبنان»، مشدداً على أنّها «مركز قضاء كبير جرى تكريس حضوره عبر عقود من التراكم السياسي والتاريخي».
في المحصلة يبقى السؤال الكبير: هل ينجح الجيش الإسرائيلي بإسقاط بنت جبيل، أو أن الحزب سيقلب المعادلة في عاصمة التحرير؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى