الفاهم بوكدوس:شابات الثورة أمام التحقيق: أي مكان لحرية التعبير في تونس اليوم؟

بعد ما يقارب أربع سنوات من المظاهرة السلمية المناهضة للاستفتاء على الدستور، التي انتظمت في جويلية 2022، تجد أربع شابات أنفسهن اليوم أمام التحقيقات والاستدعاءات الأمنية.
فقد تم استدعاء نورس الزغبي للتحقيق يوم 3 جوان 2026، وأسماء فاطمة المعتمري يوم 4 جوان 2026، وإيمان بن جويرة يوم 5 جوان 2026، ورحمة الخشناوي يوم 9 جوان 2026، بسبب مشاركتهن في تحرك مدني عبّر عن موقف سياسي من الاستفتاء الذي جرى بعد ذلك بأيام، يوم 25 جويلية 2022.
قد تبدو القضية للوهلة الأولى مرتبطة بواقعة محددة حدثت في سياق سياسي معين، لكنها في الحقيقة تطرح أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل الحريات العامة في تونس، وبالمكانة التي مازالت تُمنح لحرية التعبير والاحتجاج السلمي بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من الثورة.
فالشابات المعنيات بالتحقيق لسن شخصيات مجهولة أو طارئة على الفضاء العام. إنهن من جيل الثورة، ذلك الجيل الذي آمن بأن المشاركة المدنية والسياسية ليست امتيازاً تمنحه السلطة بل حقاً يمارسه المواطن.
وقد كنّ حاضرات، مثل آلاف التونسيات والتونسيين، في مختلف المبادرات والتحركات المدنية والحقوقية التي شهدتها البلاد منذ سنة 2011. ومشاركتهن في المظاهرة المذكورة لم تكن سوى امتداد لهذا الالتزام المدني، حيث عبّرن بشكل سلمي وعلني عن موقف سياسي من الاستفتاء ومن المسار الذي سبق تنظيمه.
وتؤكد الأرقام الرسمية نفسها أن الاستفتاء كان موضوع نقاش وخلاف داخل المجتمع.
فمن أصل أكثر من 9.2 ملايين ناخبة وناخب مسجلين، لم يشارك في الاقتراع سوى حوالي 2.8 مليون شخص، أي بنسبة مشاركة بلغت 30.5 بالمائة فقط. أما الشباب، الذين يمثلون إحدى أكبر الفئات العمرية في البلاد، فقد سجلوا أضعف نسب الإقبال، إذ أن مشاركتهم لم تتجاوز بين 5 و7 بالمائة من مجموع المصوتين، أي ما بين 140 ألفاً و200 ألف شاب تقريباً من أصل 2.8 مليون مشارك.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد عزوف انتخابي، بل تكشف وجود موقف سياسي واجتماعي واسع داخل فئة الشباب.
ولذلك فإن المظاهرة التي انتظمت في جويلية 2022 لم تكن حدثاً معزولاً أو استثنائياً، بل كانت تعبيراً عن رأي موجود داخل المجتمع، وعن حق مشروع في الاختلاف السياسي وفي التعبير العلني عن المواقف.
غير أن ما يمنح هذه القضية بعداً أكثر حساسية هو أنها تتعلق بنساء شابات.
فالنساء التونسيات لم يكنّ مجرد مشاركات في الثورة، بل كنّ من أبرز وجوهها ومن أكثر الفئات مساهمة في الدفاع عن الحريات والحقوق خلال السنوات اللاحقة. وقد دفعت أجيال من النساء التونسيات ثمناً طويلاً من أجل تثبيت حق المرأة في المشاركة السياسية وفي الحضور داخل الفضاء العام كمواطنة كاملة الحقوق.
لهذا السبب، فإن تتبع نساء بسبب نشاطهن المدني أو بسبب تعبيرهن السلمي عن آرائهن السياسية لا يمس فقط بحقوق الأشخاص المعنيات مباشرة، بل يبعث برسالة أوسع إلى المجتمع بأكمله. فحين ترى الشابات أن المشاركة في مظاهرة سلمية يمكن أن تتحول، بعد سنوات طويلة، إلى موضوع تحقيق ومساءلة، فإن ذلك يخلق مناخاً من التخوف والرقابة الذاتية والعزوف عن الانخراط في الشأن العام.
والأخطر من ذلك أن مثل هذه الممارسات لا تؤثر فقط على حرية التعبير، بل على حضور النساء ذاته في الحياة العامة. فالنساء يواجهن أصلاً تحديات عديدة عند خوض العمل المدني والسياسي، وعندما تصبح كلفة المشاركة أعلى من كلفة الصمت، فإن النتيجة الطبيعية هي إبعاد المزيد من النساء عن مواقع الفعل والتأثير والمبادرة.
وفي مجتمع يسعى إلى تعزيز مشاركة النساء والشباب في الحياة العامة، فإن أي رسالة قد تُفهم باعتبارها عقاباً على الانخراط المدني تمثل تراجعاً مقلقاً عن المكاسب التي تحققت عبر عقود.
إن القضية المطروحة اليوم لا تتعلق فقط بأربع شابات، بل تتعلق بصورة تونس التي اختارت بعد الثورة أن تجعل من حرية التعبير والتعددية واحترام الاختلاف أسساً للحياة العامة. كما تتعلق بحق الأجيال الجديدة، وخاصة الشابات، في أن يكنّ فاعلات في النقاش العام دون خوف من أن تتحول آراؤهن السياسية أو مشاركتهن في تحرك سلمي إلى ملفات تلاحقهن بعد سنوات.
ومن هذا المنطلق، يبدو إنهاء هذه التتبعات وغلق هذا الملف أمراً ضرورياً، ليس فقط إنصافاً للشابات المعنيات، بل أيضاً دفاعاً عن حق النساء في المشاركة الحرة في الشأن العام، وعن حق الشباب في التعبير عن مواقفهم السياسية، وعن صورة تونس التي لا يمكن أن تُبنى إلا على احترام الحريات التي كانت في جوهر ثورتها وأحد أهم أسبابها
زر الذهاب إلى الأعلى