الفاهم بوكدوس:الشقيف قلعة تسكن الذاكرة العربية

حين أُعلن مجدداً عن إحكام السيطرة الصهيونية على قلعة الشقيف، لم يكن الخبر مجرد تطور عسكري جديد في جنوب لبنان، بل استدعاءً لذاكرة تاريخية مثقلة بالرموز والدلالات. فهذه القلعة التي تتربع على تلة صخرية شاهقة مشرفة على نهر الليطاني وسهول الجنوب والجليل الأعلى، لم تعد منذ زمن بعيد مجرد موقع استراتيجي تتحكم أهميته بخرائط الجيوش وخططها العسكرية، بل تحولت إلى أحد أبرز الرموز التي تختزل تاريخ الصراع العربي الصهيوني وما انطوى عليه من مواجهات وتضحيات وصمود.

 

وتفرض الشقيف نفسها على الذاكرة العربية كلما عاد اسمها إلى واجهة الأحداث، لأن صورتها ارتبطت قبل كل شيء بملحمة جوان 1982، عندما اجتاحت القوات الصهيونية لبنان في محاولة لإخضاع المقاومة الفلسطينية وإنهاء وجودها العسكري. آنذاك وجدت القلعة نفسها في قلب واحدة من أكثر معارك الاجتياح شراسة ورمزية. فالموقع الذي كان يضم عدداً محدوداً من المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين تحول إلى حصن للمقاومة في مواجهة قوة عسكرية تمتلك تفوقاً ساحقاً في العدد والعدة والنار.ورغم القصف الجوي والمدفعي الكثيف والهجمات المتلاحقة التي شاركت فيها وحدات النخبة الإحتلالية ، تمكن المدافعون عن القلعة من الصمود لساعات طويلة تحولت في الوعي العربي إلى زمن أسطوري.

لم تكن أهمية المعركة في نتائجها العسكرية المباشرة بقدر ما كانت في الرسالة التي حملتها؛ فقد أثبتت أن الإرادة البشرية قادرة على تحدي أكثر موازين القوى اختلالاً، وأن المقاومة يمكن أن تترك أثراً يتجاوز حدود المكان والزمان حتى عندما تنتهي المعركة ميدانياً لصالح الطرف الأقوى.
ومن هنا اكتسبت قلعة الشقيف مكانتها الخاصة في الوجدان العربي، فقد تحولت من موقع عسكري إلى رمز ثقافي وأدبي، واستقرت في ذاكرة الشعراء والكتاب باعتبارها صورة مكثفة للصمود والكرامة والتشبث بالأرض.
ولعل القليل من المعارك العربية الحديثة استطاع أن يلهم الأدباء والمبدعين كما فعلت الشقيف، إذ وجد فيها الشعراء تجسيداً حياً للبطولة في أنقى صورها؛ بطولة لا تقاس بالانتصار العسكري وحده، بل بالقدرة على الصمود في مواجهة المستحيل.
وقد كان الشاعر الكبير نزار قباني من أبرز الذين خلدوا ملحمة الشقيف في قصيدته الشهيرة “رسالة إلى حارس قلعة الشقيف”، حيث خاطب المقاتلين الذين دافعوا عن القلعة بوصفهم حراس الكرامة العربية في زمن الانكسارات. وفي تلك القصيدة ارتفعت الشقيف من مجرد قلعة حجرية إلى رمز أخلاقي وإنساني يعبر عن قدرة الإنسان العربي على المقاومة مهما اشتدت الظروف.

كما حضرت القلعة بقوة في شعر سميح القاسم الذي رأى في صمودها امتداداً لتجربة الفلسطيني في مواجهة الاقتلاع والنفي والاحتلال.
أما محمود درويش فقد استحضر الجنوب اللبناني وقلعة الشقيف ضمن رؤيته الشعرية الأوسع للمقاومة بوصفها دفاعاً عن الكرامة والوجود والذاكرة. وفي نصوصه بدت القلعة علامة على التداخل العميق بين القضية الفلسطينية والمصير اللبناني في مواجهة الاحتلال.
ولم يقتصر حضور الشقيف على الشعر وحده، بل امتد إلى الكتابة التاريخية والتوثيقية، فقد سعى عدد من الباحثين والمقاتلين السابقين إلى حفظ تفاصيل المعركة من الضياع وإعادة بناء روايتها من منظور المشاركين فيها.
ومن بين هؤلاء الكاتب والقائد معين الطاهر الذي وثق شهادات المعركة ووقائعها في أعماله التوثيقية، وكذلك واصف عريقات الذي تناولها بوصفها واحدة من أبرز صفحات البطولة في تاريخ المقاومة الفلسطينية واللبنانية المعاصر. كما حضرت الشقيف في أعمال شعراء وكتاب آخرين، من بينهم حسن شهاب الدين، الذين رأوا فيها رمزاً لتحدي الاحتلال والإصرار على الدفاع عن الأرض.
ولا تكمن أهمية هذا الحضور الأدبي في مجرد الاحتفاء بحدث تاريخي، بل في الدور الذي لعبه الأدب في تحويل المعركة إلى ذاكرة جماعية. فالحروب تنتهي عادة بانتهاء القتال، لكن الشعر والرواية والشهادة التاريخية تمنحها حياة جديدة داخل الوجدان الشعبي.
ولولا ما كتبه الشعراء والكتاب عن الشقيف، لبقيت مجرد واقعة عسكرية في سجلات التاريخ. أما الأدب فقد أعاد صياغتها بوصفها رمزاً للبطولة الإنسانية، ونقلها من نطاق الحدث العابر إلى فضاء الأسطورة الوطنية.
لهذا السبب ظل اسم الشقيف حاضراً في الثقافة العربية حتى بعد مرور عقود على المعركة. فكل جيل جديد يقرأ عنها لا يتعرف فقط إلى تفاصيل مواجهة عسكرية، بل يكتشف نموذجاً للمقاومة والصمود. وهكذا أسهم الشعراء والأدباء في تثبيت القلعة داخل الوعي العربي باعتبارها أحد أبرز رموز الصراع العربي الصهيوني، ومكاناً تلاقت فيه الجغرافيا بالتاريخ، والبطولة بالذاكرة، والحجر بالكلمة.

 

واليوم، كلما عاد اسم القلعة إلى الأخبار، تعود معها تلك الصور التي رسختها القصائد والكتب والشهادات: مقاتلون محاصرون فوق صخرة شاهقة، يواجهون قوة عسكرية كبرى بإرادة لا تنكسر. ولذلك لم تعد الشقيف مجرد قلعة في جنوب لبنان، بل أصبحت رمزاً ثقافياً وحضارياً يعبر عن فكرة الصمود نفسها، وعن قدرة الذاكرة العربية على تحويل اللحظات الاستثنائية من التاريخ إلى جزء دائم من وجدان الأمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى