الرجل الذي أضاء بصوته الكلمات
عامر بوعزة يكتب عن البخاري بن صالح

فقدت إذاعة المنستير أحد اجمل اصواتها برحيل البخاري بن صالح فجر يوم الأحد 4 ماي 2025، المنتج الإذاعي “البخاري بن صالح ” بعد صراع مع المرض.
عمل الفقيد البُخاري بن صالح لأربعة عُقود في إذاعة المنستير، أنتج خلالها عديد البرامج الناجحة، كـ” تحية رمضان” و”كلمات مضيئة ” و”صيد الفوائد” و”بُخاريات”، وَوثّق بصوْته الفريد، ابتهالات دينية وأدعية وأشعار، وغيرها، كما
قدّم الفقيد البُخاري بن صالح برنامج ” كلمات من نور” على إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم، كما سجّل كتابا ب700 صفحة كُلّها أدعية و ذلك لإحدى القنوات التركية،
وقد كتب الصحافي التونسي البارز عامر بوعزة، الذي عرف الفقيد طيلة سنوات عملهما في اذاعة المنستير، مقالا مؤثرا تكريما لروح البخاري بن صالح، ننشره تعميما للفائدة

فاجأني سي البخاري يوما بطلب غريب، قال: أتمنى أن أقرأ ما ستكتبه عني بعد وفاتي..
لم يكن سي البخاري من الأشخاص الذين يكتمون إعجابهم بما يطالعون أو يتقشفون في قول الكلام الجميل، وكنا يومها في مكتبي بالإذاعة صبيحة يوم سبت عادي مثل عشرات الأيام التي مرت بنا وعشناها دون أن يخطر ببالنا أنها ستصبح في زمن آخر ذكرى جميلة مشوقة.
التقطت يومها ذلك الإطراء الأنيق، وأزحت بيدي غيمة الحزن الثقيلة التي حلت بيننا لدقائق بقولي: بعد عمر طويل ان شاء الله. كانت تلك طريقته في امتداح ما أكتب، وكانت تلك طريقتي في تجاهل شبح الموت الذي يرفرف حولنا دون أن نراه ويختار في كل مرة فريسته بعناية فارس مدرب خبير. قلت له في الهاتف عندما أعاد نفس الطلب بعد أن بدأ رحلة العلاج الكيمياوي، وكانت تفصلنا المسافات وتجمعنا الذكريات: إن شاء الله بعد عمر طويل. ولم أكن أدري في تلك اللحظة أن العمر يستهزئ بنا، فلم تبق إلا شهور قليلة على موعد الرحيل، لكنني بمناسبة عيد ميلاد الإذاعة كتبت لسي البخاري النص الذي طلبه والذي لن يمكنني أن أكتب أجمل منه لأنني كتبته له لا عنه، وكنت أتخيله وهو يقرأ والدموع تنهمر من عينيه…
ارتبط البخاري بن صالح في ذاكرتي وفي ذاكرة كل من عرفوه بالأناقة، كان أنيقا في كل شيء، في مظهره وسلوكه ورفعة أخلاقه وذوقه والأغاني التي يرصع بها برامجه والأدعية التي يستفتح بها صباحات الإذاعة ويستيقظ على خريرها الناس، أو تلك الفقرات التي ينتظرها المستمعون بشغف قبيل الغروب في رمضان، كان سي البخاري متدينا بلا شطط، ملتزما بلا إسراف، يحب الحياة كما يحب الله، وتغرورق عيناه عندما يستمع إلى كمنجة حزينة أو شعر صوفي أو بيتين عن الأم عثر عليهما في مكتبة بيته العامرة بشتى صنوف الأدب، وعندما كان يجلس في مقهاه الذي يقع في مدخل مدينة سوسة العتيقة بين أحضان رباطها الأغلبي، وقرب جامعها الكبير يأتي السواح ليشربوا القهوة على أنغام الموسيقار الإيراني فريد فرجاد، وسمفونيات ريمسكي كورساكوف.
وكان سي البخاري صديق الجميع في الإذاعة وفي كل مكان، كان نسيج وحده في مكان لا ينافسه فيه أحد، فصوته الرائع هبة من السماء، وثقافته الأدبية نحتها بعصامية فذة على مدى سنوات طويلة، واقترنت نبرات صوته المميزة بالإذاعة حتى صارت بصمة مميزة لها، والآن بعد مضي قطار السنوات إلى أبعد مما يُرى، لا يمكن تخيل البخاري إلا وهو محفوف بالأصدقاء، نجاة الغرياني، شادية جعيدان، توفيق الخذيري، عواطف حميدة، محمد البدوي، رضا عزيز، الهادي مشلية، الجيلاني البدوي، عبد العزيز شبيل، ورثاؤه بمثابة الوقوف على طلل الأيام الخوالي وما أجمل تلك الصباحات المشمسة التي كان سي البخاري يلتقي فيها مع عبد العزيز فتح الله في أروقة الإذاعة أو أحد مكاتبها، ويسترسلان في ذكر مناقب أم كلثوم وأجمل ما لحن لها السنباطي.
رحم الله سي البخاري، رحل جسدا وسيبقى صوته حاضرا بقوة، يشدنا في كل آونة وحين إلى زمن جميل مضى مسرعا دون أن يعبأ بنا ونحن نتمسك بتلابيبه ونرجوه أن يتمهل قليلا، زمن لا شيب فيه، أقل جنونا وأكثر شعرا وحبا وموسيقى…




