مصر التي في خاطري

بقلم عامر بوعزة

….وأنت تخترق مساءً ميدان العتبة، وتشق الأمواج البشرية الهادرة تبدو لك كل الوجوه وجها واحدا هو وجه الرجل المصري الأسمر الذي صهدته الشمس وأعمل فيه الزمن أخاديد غائرة، هو وجه أمل دنقل وأحمد فؤاد نجم وعبد الرحمان الأبنودي وجمال عبد الناصر وعبد الحليم حافظ وأحمد زكي، ووسط هؤلاء تتوقع في كل لحظة أن يطلع المعلم نونو من بين طيات الرواية صائحا: ملعون أبو الدنيا، وتبدو لك الأشياء في منطقة وسطى بين ما كان وما ينبغي دائما أن يكون…

لقد ظلّ الأدباء والفنانون يحفرون بأظافرهم أنفاقا موصلة تحت جدران العزل الاسمنتية التي أقامتها السياسات الوطنية أنفاقا تتسرب منها أشعة الضوء لتبدّد عتمة الواقع وغربته، أنفاقا أمكننا بها أن نشعر بكثير من الزهو والخيلاء عندما وقف أحمد زويل ليتسلم جائزة نوبل أمام أنظار العالم…

والآن يتساءل بعض “حكماء هذه الأمة وعقلائها” في غمرة الدهشة المفتعلة مما يحدث عربيا كيف يحدث هذا الذي يحدث؟ وكيف تمتد يد أخ لأخيه فتدهسه كمن يفقأ بإصبعه عينيه اللتين يرى بهما الحياة؟
يتساءل هؤلاء في سذاجة من يؤدي واجب العزاء بلا رغبة، يتساءلون عن طوفان الكره هذا الذي أدخلنا زمنَ التشرذم والانبتات، زمنَ الأقليات والهويات الممسوخة، زمنَ الأورام والبثور التي تقيّحت في جسد الألم العربي، إنها النتيجة الوحيدة التي يمكن أن تفضي إليها سياسات ثقافية جعلت الفكرة القومية أضحوكة والتاريخ العربي المليء بالحلم مؤامرة، والانتماء إلى جذور مشتركة أكذوبة لا يصدقها الأطفال،
لقد كنت ترى من خلال الأيادي المتشابكة شبح شهداء الساقية وأطياف من رحلوا في حمام الشط وجنود أكتوبر واليمن والسويس وبنزرت والجزائر، وتصغي من وراء كرنفال الفضائيات وزعيقها إلى إذاعة صوت العرب وصرخة مراهقة في ريف الشمال الإفريقي يوم وفاة العندليب الأسمر، ويتراءى لك وسط الفوضى هتاف مبحوح في حناجر طلبة ثائرين يوم موت الزعيم…

إنها أغنية عظيمة تتهاوى تحت أقدام أشخاص غاضبين من لا شيء ومن كل شيء وهو المصير العربي المشترك الذي حلم به الأجداد وبذلوا في سبيله الغالي والنفيس يُزف إلى مزبلة التاريخ وقاعِ الهزيمة السحيق، إنه آخر مسمار يُـدَقُّ في نعش هذا الوطن…

ملعون أبو الــدنيا…

مقتطف من كتاب الصحفي عامر بوعزة”نظرية الموز” 
عامر بوعزة، شاعر وكاتب وصحافي تونسي “مغترب”خارج البلاد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى