تونس تطالب بإعادة التفاوض مع الاتحاد الأوروبي على اتفاق الهجرة

دعا الرئيس التونسي قيس سعيد إلى إعادة النظر في الشراكة الشاملة بين تونس والاتحاد الأوروبي، معربًا عن استياء متزايد تجاه ما تعتبره السلطات التونسية صفقة غير متكافئة تركّز على ملف الهجرة. تأتي هذه الدعوات في ظل تصاعد الضغوط الداخلية والجيوسياسية على البلاد.
في مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الاثنين 23 مارس، شدد سعيد على ضرورة أن يصبح الاتفاق “أكثر توازنًا وعدلاً وإنصافًا”، وفق بيان صادر عن الرئاسة التونسية ونُشر في منصة “آراب ويكلي”.
في 2023، تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم أكثر من مليار يورو لتونس لدعم الاقتصاد وإدارة الحدود، بهدف الحد من الهجرة غير النظامية من شمال إفريقيا.
ومع ذلك، انتقدت جهات مثل اللجنة الدولية لحقوق الإنسان (ICJ) الأثر الفعلي لهذه الأموال، مشيرة إلى انتهاكات حقوق المهاجرين وانعدام الشفافية في إدارة الاتفاق.
حالة تونس من أجل اتفاق “أكثر عدلاً”تعكس تصريحات سعيد الأخيرة لرئيس فرنسا إيمانويل ماكرون جوهر الرواية التونسية القائلة بأن اتفاق الاتحاد الأوروبي غير عادل وغير متوازن. بدأ الإطار الرسمي كاتفاقية تعاون في عام 1995، وتم تطويره في 2012، ثم توسع إلى “مذكرة تفاهم” في 2023 تتعلق بالهجرة والتجارة والطاقة وقد ربط لفترة طويلة بقاء الاقتصاد التونسي ببروكسل.
يبقى الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لتونس، حيث يستحوذ على حوالي 70٪ من صادراتها، ومع ذلك يشكو المسؤولون التونسيون من أن تدفقات الاستثمار الأجنبي والدعم التنموي لم تتناسب مع هذا الاعتماد التجاري الأحادي الجانب.
يسعى سعيد الآن لإعادة النظر في الاتفاق صراحة كأداة لاسترداد ما يسميه “الأموال المسروقة” المحتجزة في الخارج، ولتحويل العلاقة من ديناميكية “زبون” إلى شراكة أكثر تبادلية.
ويشير محللون سياسيون مثل السياسي التونسي منذر ثابت، ويُوصف بأنه ليبرالي ورئيس سابق لحزب تونس الاجتماعي الليبرالي PSL إلى أن تبعية تونس هي تبعية هيكلية. فهي تُعامل كسوق للسلع الأوروبية ومنطقة عازلة للهجرة، بدلاً من أن تُعتبر وجهة للاستثمار الجاد والطويل الأمد.

الهجرة كورقة مساومة
وعد اتفاق الهجرة بين الاتحاد الأوروبي وتونس لعام 2023 بتقديم مساعدات فورية تتراوح بين 100 و105 ملايين يورو مخصصة لعمليات حرس الحدود وخفر السواحل، بالإضافة إلى نحو مليار يورو في دعم أوسع للاقتصاد الكلي والطاقة والقطاعات المختلفة، مقابل تشديد الرقابة على المغادرات غير النظامية وعمليات الإعادة.
وتزعم المفوضية الأوروبية أن الاتفاق ساعد في خفض الوصول غير النظامي من تونس إلى إيطاليا بنحو 80٪ تقريبًا، معتبرة ذلك دليلًا على أن الإطار “يعمل”.
رغم ذلك أطلقت السلطات التونسية حملة قمع شديدة ضد المهاجرين والمجموعات المدنية التي تدافع عنهم.
وتوثّق تقارير متكررة من منظمة العفو الدولية ومنظمات غير حكومية أخرى حالات دفع قسري للمهاجرين، وإلقائهم في الصحراء، وعنف عنصري ضد الأفارقة من جنوب الصحراء الكبرى.غالبًا ما يصف المسؤولون التونسيون وصول المهاجرين كجزء من “خطة إجرامية” لتغيير التركيبة السكانية للبلاد، بما يتماشى مع خطاب سعيد لعام 2023 المعروف بـ “نظرية الاستبدال”.
وفي نفس المناخ، علّقت تونس عمل منظمات مثل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وجمعية النساء الديمقراطيات، والتي لعبت دورًا محوريًا في مراقبة انتهاكات المهاجرين وتوثيق عمليات اعتراضهم في البحر.
إسكات البيانات والأصوات
مع تزايد التساؤلات حول اتفاق الاتحاد الأوروبي، يبدو أن الحكومات على جانبي البحر المتوسط تشدد قبضتها على المعلومات.
في عام 2026، يبدو أن البحر المتوسط في طريقه ليصبح واحدًا من أخطر الأعوام للمهاجرين، حيث سجلت المنظمة الدولية للهجرة (IOM) التابعة للأمم المتحدة ما لا يقل عن 682 مفقودًا حتى منتصف مارس، مع تقديرات بوجود عدد أكبر من “حوادث السفن غير الموثقة” بسبب نقص البيانات وتقارير غامضة.

كانت السلطات التونسية، التي كانت حريصة سابقًا على نشر أرقام الاعتراضات لإظهار ضبطها لشركائها الأوروبيين، قد توقفت عن مشاركة البيانات المنتظمة حول اعتراض المهاجرين في منتصف 2025.
وقد اقترح ممثلون عن المجتمع المدني أن هذا ليس مجرد إجراء أمني، بل هو تكتيك سياسي لتجنب مواجهة التناقض بين دور تونس كـ “حارس حدود” وسردها الرسمي بأنها ليست وكيلًا لأوروبا.
وتظهر شفافية محدودة مشابهة في إيطاليا ومالطا، وفق بعض العاملين في المنظمات غير الحكومية، الذين يشيرون إلى أن بيانات خفر السواحل عن عمليات الإنقاذ والإحصاءات الشهرية لضحايا المهاجرين أصبحت أقل وصولًا للجمهور.
تجعل هذه “استراتيجية الصمت”، كما يسميها الباحث الإيطالي في الهجرة ماتيو فيلا، من الصعب مساءلة الدول عن الأرواح المفقودة في البحر، ومواجهة سرد سعيد الذي يصور تونس على أنها مجرد ضحية لنظام اقتصادي عالمي منحاز ضد دول الجنوب العالمي.
تقلّص مساحة المعارضةتوضح إدانة الناشطة المناهضة للعنصرية سعدية مصباح مؤخرًا مدى حملة الحكومة التونسية الأوسع ضد الأصوات الناقدة.

ويذكر ان رئيسة جمعية “منامتي” لمناهضة العنصرية، سعدية مصباح حُكم عليها بالسجن ثماني سنوات بتهم غسل الأموال والإثراء غير المشروع، في إطار حملة القمع التي بدأت عام 2024 بتعليق نشاط جمعيات حقوق المهاجرين واعتقال عدد من النشطاء. ويقول محاموها إن الحكم سياسي، ويهدف إلى إظهار أن “عمل المجتمع المدني مشبوه” تحت النظام الحالي.
![صورة أرشيفية مستخدمة للتوضيح: أفاد مهاجرون في تونس، معظمهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء، بوقوع حالات خطيرة من انتهاكات حقوق الإنسان في تقرير حديث صادر عن منظمة العفو الدولية.] | Photo: Hasan Mrad/ZUMAPRESS/picture alliance](https://gw.infomigrants.net/media/resize/my_image_big/e26c08f2ea79fc8c2af7239387a82846261face7.jpg)
حذرت منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوقية أخرى من أن ما تصفه بـ “مناخ القمع”، إلى جانب الدعم المالي الأوروبي لإدارة الهجرة،
قد يجعل القادة الأوروبيين شركاء ضمنيًا في الانتهاكات المنهجية التي تُنفذ في هذا البلد الشمالي الإفريقي.
تأتي شراكة الاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة مع تونس المتزايدة سلطويتها تحت حكم قيس سعيد في تناقض صارخ مع التزام الاتحاد المعلن بحقوق الإنسان وسيادة القانون، وهو التناقض الذي بدأ بعض المشرعين الأوروبيين والمنظمات غير الحكومية الطعن فيه علنًا.
ما قد يعنيه إعادة التفاوضإذا نجحت تونس في فرض إعادة تفاوض جادة، فستكون هناك أربع قضايا رئيسية على الطاولة:
-
من المتوقع أن تطالب تونس بصياغة أوضح وأكثر توازنًا للاستثمار والدعم التنموي، والسعي لأن تُعامل أقل كـ “منطقة عازلة” وأكثر كشريك اقتصادي يمتلك فرص نمو حقيقية.
-
من المرجح أن يسعى سعيد لاستخدام ملف الهجرة كورقة ضغط، مطالبًا بمزيد من مسؤولية الاتحاد الأوروبي بشأن عمليات الإعادة، ومعالجة طلبات اللجوء، والدعم الإنساني، مع محاولة الاستفادة أيضًا من المطالبات السابقة والمستقبلية المتعلقة بـ “الأصول المسروقة”.
-
سيطالب الضغط الداخلي — من نواب مثل فاطمة مسدي وجماعات المجتمع المدني على الأرجح بنشر النص الكامل للاتفاق الأوروبي كإجراء احترازي ضد ما يُنظر إليه على أنه تسوية “سرية” تتعلق بالهجرة والترتيبات الأمنية.
-
ستضغط المؤسسات المهنية ومنظمات الشتات التونسي على الاعتراف بشكل أكبر وتوفير الحماية لحوالي 1.5 مليون تونسي يعيشون في الخارج، بمن فيهم الأطباء والمهندسون الذين يسهم هجرتهم في استنزاف نظام الصحة الوطني الذي يعاني بالفعل من ضغط شديد.

معضلة الاتحاد الأوروبي
بالنسبة لبروكسل، هناك إغراء في اعتبار تونس نقطة محورية في مكافحة الهجرة غير النظامية ومنصة لاستيراد الطاقة الخضراء الرخيصة. لكن إذا تم تجريد الشراكة من شروط حقوق الإنسان والشفافية، فإنها قد تتحول إلى نموذج لـ “التفويض السلطوي” الذي يقوض قيم الاتحاد الأوروبي نفسها ويعزز الرواية القمعية لسعيد، كما يشدد عدد من المعلقين الحقوقيين.

مع سعي قادة تونس والاتحاد الأوروبي لوضع إطار جديد للشرعية الدولية وسط نظام عالمي غير مستقر للغاية، سيكون الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قادرًا على دعم الاحتياجات الاقتصادية لتونس دون التضحية بحقوق المهاجرين والنشطاء والمجتمع المدني نفسه، الذي أعطى معنى للانتفاضة عام 2011، الانتفاضة التي أطلقت ما يُعرف بالربيع العربي في المنطقة، لكنها أصبحت اليوم مرادفة للحروب والنزاعات وحركات النزوح التي أعقبتها.





