الفاهم بوكدّوس:بين الخبر والسياق: ماذا تكشف قضية علي بوزوزية عن مناخ النقاش العام؟

أثار خبر إيقاف النائب بمجلس نواب الشعب علي بوزوزية موجة واسعة من التعليقات وردود الأفعال على مواقع التواصل الاجتماعي.
وكما هو الشأن في مثل هذه القضايا، انقسمت المواقف سريعًا بين من اعتبر أن خطورة الاتهامات تستوجب موقفًا حازمًا ودعمًا غير مشروط للمتضررة، وبين من دعا إلى انتظار نتائج الأبحاث القضائية وعدم استباق الأحكام.
غير أن ما يستحق التوقف عنده لا يقتصر على القضية في حد ذاتها، بل يمتد إلى الطريقة التي أصبحت تُدار بها النقاشات العمومية في الفضاء الرقمي.
فمع الانتشار الكبير لشبكات التواصل الاجتماعي، لم تعد الأخبار المتعلقة بالشخصيات العامة تُناقش في إطارها المباشر فقط، بل تتحول في ظرف ساعات إلى موضوع تعبئة واستقطاب وحملات منظمة أو شبه منظمة، يجد فيها كل طرف ما يؤكد قناعاته المسبقة ومواقفه السياسية السابقة. وهكذا يصبح الحدث أحيانًا مجرد مناسبة لإعادة إنتاج صراعات قائمة أصلًا، أكثر من كونه موضوعًا للبحث الهادئ عن الحقيقة.
وتكمن الخطورة في أن منطق الحملات يختلف جذريًا عن منطق النقاش العام السليم. فالحملات لا تبحث عادة عن الفهم أو التفسير أو الإحاطة بمختلف أبعاد المسألة، وإنما تقوم على تبسيط الوقائع واختزالها في سردية جاهزة: بطل وضحية، مذنب وبريء، خير وشر. أما الواقع، وخاصة عندما يتعلق بقضايا تتقاطع مع ماهو قانوني أو سياسي أو اجتماعي ، فإنه يكون في الغالب أكثر تركيبًا من الشعارات والأحكام السريعة التي تنتشر على المنصات الرقمية.
كما أن هذه الحملات تخلق مناخًا تصبح فيه المواقف المسبقة أهم من الوقائع نفسها.
فبدل أن ينتظر الرأي العام ما ستسفر عنه التحقيقات، تتحول مواقع التواصل إلى محاكم موازية تصدر أحكامها منذ الساعات الأولى. وبدل أن يكون النقاش حول الأدلة والإجراءات القانونية، يصبح حول الولاءات والانتماءات والاصطفافات. ومن هنا يفقد النقاش العمومي إحدى أهم وظائفه، وهي المساهمة في بناء رأي عام واعٍ وقادر على التمييز بين الخبر والرأي، وبين الوقائع والتأويلات.
وفي الحالة الراهنة، لا يمكن تجاهل السياق السياسي الذي يحيط بأي قضية تخص نائبًا أو مؤسسة برلمانية.
فقد أصبحت المؤسسة التشريعية منذ اشهر هدفًا لانتقادات واسعة، بعضها مشروع ويتعلق بالأداء السياسي والتشريعي، وبعضها تحول إلى موقف عدائي من فكرة التمثيل النيابي نفسها.
والأهم أن هذا المناخ لم يكن حكرًا على طرف سياسي واحد، بل التقت عنده، بدرجات مختلفة، مواقف أنصار السلطة ومعارضيها.
فأنصار السلطة رأوا في البرلمان، خلال مراحل معينة، عنوانًا للفشل السياسي الذي يستوجب إجراءات استثنائية لإنهائه أو الحد من نفوذه. وفي المقابل، لم تتردد أطراف من المعارضة بدورها في مهاجمة المؤسسة البرلمانية التي ترى في اظهار فشل البرلمان علامة على فشل منظومة الحكم الحالية برمتها.
والنتيجة أن صورة البرلمان بدأت تتآكل تدريجيًا في المخيال العام، وأصبح النائب في كثير من الأحيان محل شبهة مسبقة قبل النظر في أفعاله الفردية،لذلك، فإن أي قضية تخص نائبًا تجد نفسها تلقائيًا داخل هذا المخزون المتراكم من الأحكام والانطباعات السلبية، ولا يعود النقاش متعلقًا بالشخص المعني أو بالوقائع المنسوبة إليه فقط، بل يتحول بسرعة إلى مناسبة لإدانة مؤسسة بأكملها أو لتأكيد سردية سياسية جاهزة حول النواب والعمل البرلماني.
وهنا يكمن أحد أخطر آثار الحملات الرقمية، لأنها تدفع نحو التعميم وتغذي الأحكام الجماعية بدل التقييم الموضوعي للحالات الفردية.
ويزداد الأمر حساسية في ظل استمرار دعوات سياسية وإعلامية متكررة لتوسيع نطاق رفع الحصانة عن النواب وتشديد الرقابة عليهم وتقليص الامتيازات المرتبطة بمهامهم وصولا الى دعوات واسعة لحل البرلمان. وبغض النظر عن المواقف من هذه المطالب وعن الموقف من المؤسسة التشريعية والنظام السياسي الذي يؤسس لها، فإن تحويل كل قضية فردية إلى دليل قاطع على فساد مؤسسة كاملة أو عدم جدوى وظيفة دستورية معينة يظل منهجًا يفتقر إلى الدقة والإنصاف.
فالديمقراطيات لا تُبنى على تقييم المؤسسات من خلال أخطاء الأفراد، كما أنها لا تُهدم بسبب تجاوزات أشخاص مهما كانت مواقعهم، والأخطر من ذلك أن منطق الحملات المستمرة يضعف تدريجيًا إمكانية إجراء نقاش مؤسساتي هادئ وعقلاني.
فحين يصبح الفضاء العام محكومًا بردود الفعل والانفعالات اللحظية، تتراجع القدرة على مناقشة القضايا الجوهرية المتعلقة بتوازن السلطات ودور البرلمان واستقلال القضاء وآليات المحاسبة، ويحل محل النقاش المؤسساتي الرصين منطق الإثارة والاصطفاف والاستقطاب، حيث يصبح الهدف تسجيل النقاط على الخصوم لا البحث عن حلول للمشكلات العامة.
إن حماية النساء من العنف، وضمان حق الضحايا في التقاضي، واحترام القانون، كلها مبادئ لا خلاف حول أهميتها. لكن الدفاع عن هذه المبادئ لا يتعارض مع التمسك في الآن نفسه بقرينة البراءة وبحق الجميع في محاكمة عادلة، كما لا يبرر تحويل الملفات القضائية إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية أو لإعادة إنتاج حملات تستهدف اشخاصا او مؤسسات بأكملها.

 

فالدول تحتاج إلى قضاء مستقل للفصل في الوقائع، وإلى إعلام مهني لنقلها بدقة، وإلى رأي عام يقظ يراقب ويناقش دون أن يسقط في الإدانة المسبقة أو في التوظيف السياسي. أما حين تحل الحملات محل النقاش، والانفعال محل التحليل، والتعميم محل التقييم الموضوعي، فإن الخاسر في النهاية لا يكون شخصًا أو حزبًا أو مؤسسة بعينها، بل جودة الحياة العامة نفسها وقدرة المجتمع على إدارة خلافاته ضمن قواعد العقل والقانون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى