غرينلاند بين مطامع ترامب وجراح الاستعمار
عدو خارجي يوحّد الخصوم

في مفارقة سياسية غير مسبوقة أدت ضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتهديداته بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند إلى نتيجة عكسية تماماً لما يطمح إليه؛ فبدلاً من سلخ الجزيرة عن التاج الدنماركي، دفعت مطامعه الضحية غرينلاند والجلاد الدنمارك إلى خندق واحد، مجمّدين عقوداً من المطالبة بالاستقلال وجراحاً غائرة من الإرث الاستعماري.
الجغرافيا السياسية تعيد ترتيب الأولويات
الاستقلال التام هو الحلم الذي يراود الأحزاب الكبرى منذ عقود في غرينلاند، الجزيرة القطبية الغنية بالموارد. إلا أن إعلان ترامب الصريح رغبته في شراء الجزيرة لكبح النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي، خلطت الأوراق بشكل جذري.
خطر وجودي جديد دفع النخبة السياسية في غرينلاند إلى اعتبار الدنمارك أفضل من المجهول الأميركي. إذ وضعت الأحزاب خلافاتها جانباً وشكلت ائتلافاً واسعاً واستبعدت مشروع الاستقلال من أولوياتها، فقد صرح رئيس الوزراء “ينس فريدريك نيلسن” بوضوح أنه في حال التخيير، فإن حكومته ستختار الدنمارك بلا تردد.
ومع ارتفاع وتيرة التهديدات الأمريكية، بات المسؤولون الدنماركيون والغرينلانديون فريقا واحدا في اللقاءات الدولية، وآخرها الاجتماعات مع مسؤولي إدارة ترامب (نائب الرئيس فانس ووزير الخارجية روبيو) ومع قيادة الناتو.
جراح تحت الرماد
هذا التقارب الدبلوماسي الحالي يخفي تحته طبقات سميكة من الألم التاريخي. فالعلاقة بين كوبنهاغن ونوك (عاصمة غرينلاند) ليست مجرد علاقة إدارية، بل هي تاريخ طويل من الهيمنة بدأ منذ القرن الثامن عشر، ومر بمحطات مؤلمة لا يزال المجتمع الغرينلاندي يدفع ثمنها
ففي العام 1951 سجلت واحدة من أحلك الصفحات في العلاقة بين البلدين حيث انتزعت الدنمارك 22 طفلاً غرينلاندياً من عائلاتهم ضمن تجربة اجتماعية تهدف لخلق “نخبة” تتحدث الدنماركية. ومُنع هؤلاء الأطفال من التحدث بلغتهم الأم، مما تسبب في شرخ نفسي وهوياتي عميق.
وفي العام 1953 تحولت غرينلاند من مستعمرة إلى إقليم دنماركي يمثل جزءا من المملكة، وصاحبت هذا التحول سياسات دمج قسري تهدف لمحو الهوية المحلية لصالح الثقافة الدنماركية.
وفي مسعى للتحكم الديموغرافي مارست السلطات الصحية الدنماركية في غرينلاند سياسة تحديد نسل صارمة، خضعت خلالها آلاف النساء والفتيات المراهقات لعمليات تعقيم قسرية على امتداد ثلاثة عقود، ورغم الاعتذار الرسمي مؤخراً، ما تزال الذاكرة الجمعية مثقلة بهذا الانتهاك الجسدي
مارست سلطت الدنمارك الوصاية الاجتماعية على غرينلاند لفترات طويلة تمثل ذلك في تقييم “القدرة النفسية” للأمهات الغرينلانديات وسحب الأطفال منهن بناءً على معايير دنماركية بحتة.
هدنة في وجه العاصفة
يرى المراقبون، مثل الباحث “أولريك برام غاد” والباحثة “أستريد أندرسن”، أن الموقف الأوروبي الداعم للدنمارك سهّل على الغرينلانديين اتخاذ قرار التريث. فوجود ظهير أوروبي يجعل العلاقة مع المستعمر السابق “أقل ضغطاً” مقارنة بالهيمنة الأميركية المباشرة، فبرغم “علاقة الهيمنة والظلم” التاريخية كما تصفها أندرسن، فإن “الخصم المشترك” المتمثل في طموحات ترامب الاستحواذية، جعل من الدنمارك -مؤقتاً- الحليف الأكثر أماناً لحماية هوية الجزيرة القطبية.




