لحظة تاريخية.. ترمب يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض

في مشهد بدا قبل سنوات ضرباً من الخيال، صافح الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره السوري أحمد الشرع في قصر الدرعية بالرياض، فاتحاً باباً كان مغلقاً منذ أكثر من عقد. 

وفي قاعة مزيّنة برايات ثلاث: السعودية، الولايات المتحدة، وسوريا، جلس ترمب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والشرع. ومن أنقرة، انضم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر الهاتف.

وحضر الاجتماع وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني.

ويأتي هذا الاجتماع بعد إعلان مفاجئ من الرئيس ترمب عن إنهاء العقوبات التي فُرضت على سوريا على مدى أكثر من عقد، وهي الخطوة التي رحب بها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووصفها “كبداية جديدة في مسار إعادة الإعمار”، وقال: “الآن بدأ العمل نحو سوريا العظيمة”، بحسب تغريدة على منصة “x”.

وقالت كارولين ليفيت، مساعدة الرئيس والسكرتير الصحفي للبيت الأبيض، إن الرئيس ترمب حث الرئيس الشرع على اغتنام “فرصة عظيمة لتحقيق إنجاز تاريخي في بلاده”؛ في حين  أعرب الرئيس الشرع عن أمله في أن تكون سوريا حلقة وصل أساسية في تسهيل التجارة بين الشرق والغرب، ودعا الشركات الأميركية إلى الاستثمار في النفط والغاز في سوريا.

رفع العقوبات الأميركية عن سوريا

يُنظر إلى لقاء ترمب والشرع على أنه تتويج لمسار من التحولات الجيوسياسية في المنطقة، لا سيما في ظل الدعم الإقليمي المتزايد لسوريا الجديدة، ورغبة العديد من الدول في إعادة دمجها في النظام الإقليمي والدولي.

ومن المتوقع أن تُفتح قنوات جديدة للتعاون بين البلدين، تشمل إعادة الإعمار، ومكافحة الإرهاب، والتنسيق الأمني، وهو ما قد يُعيد رسم ملامح التوازنات في الشرق الأوسط.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن عزمه “رفع كل العقوبات عن سوريا”، بعد محادثات مع ولي العهد السعودي، أمس الثلاثاء في الرياض، مُضيفاً في كلمته خلال منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، أنه مستعد لتلبية كل ما يطلبه الأمير محمد بن سلمان. واصفاً ولي العهد السعودي بأنه “يمثل أفضل دولة في العالم”.

تتصدر السعودية الدول المُطالبة بإسقاط العقوبات التي فُرضت على سوريا منذ العام 2011، حتى يمكن ترميم الاقتصاد السوري المتداعي جراء الحرب، واستضافت المملكة في فبفري  الماضي طاولة مستديرة لهذا الغرض أُقيمت على هامش مؤتمر العلا السنوي الأول للاقتصادات الناشئة، كان من نتائجها إصدار بيان مشترك الشهر الماضي بين المملكة والبنك وصندوق النقد الدوليين يؤكد الالتزام بدعم جهود السلطات السورية من أجل التعافي والتنمية، “وإعادة بناء المؤسسات، وتطوير القدرات، والإصلاحات السياسية، وتطوير استراتيجية وطنية للتعافي الاقتصادي”.

بعد لقاء السعودية.. كيف يتعامل الشرع مع مطالب ترامب الخمسة؟

الرئيس السوري أحمد الشرع ـ أرشيفية/رويترز.
الرئيس السوري أحمد الشرع ـ أرشيفية/رويترز.

عندما نشرت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، بيانا على منصة “أكس” حدّدت فيه خمس نقاط أساسية حث الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الرئيس السوري أحمد الشرع على تنفيذها، لم يكن ذلك مجرد بادرة دبلوماسية، بل خارطة طريق لعودة سوريا إلى النظام الدولي.

بعد سنوات من الحرب والعزلة والتدخلات الخارجية في سوريا، يقف الرئيس الشرع أمام مفترق طرق تاريخي. رفع العقوبات الأميركية، بدعم من السعودية وتركيا، يفتح الباب لتحول سياسي جذري. لكن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي لإعادة بناء سوريا. ما سيفعله الشرع الآن هو ما سيحدد مستقبل البلاد.

بحسب بيان ليفيت، حث ترامب نظيره السوري على حسم خمسة ملفات أساسية:

الملف الأول: الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام والاعتراف بإسرائيل. وهو ما سيكون خطوة تقلب الموازين في الشرق الأوسط، إذ تصبح سوريا أول دولة من “دول المواجهة” التقليدية التي تطبّع علاقاتها مع إسرائيل، وتوقع اتفاقية سلام. وهذا ليس ملفا بسيطا في سوريا،

الملف الثاني: طرد الإرهابيين الأجانب، وهم على الغالب المقاتلين الأجانب، الذين قاتلوا إلى جانب الشرع، والمتهمين بارتكاب مجازر وجرائم حرب في سوريا. وهؤلاء المقاتلون، الذين انخرطوا في صفوف المعارضة منذ عام 2011، يحملون تجارب قتالية متنوعة وارتباطات أيديولوجية متعددة، معظمها تصنفها الولايات المتحدة إرهابية، وقد جرى دمج كثيرين منهم في الجيش السوري.

هذا الملف يعتبر معقدا بالنسبة إلى الرئيس السوري.

في تصريحات سابقة، أكد الشرع، أن المقاتلين الأجانب الذين ساهموا في الإطاحة بنظام الأسد “يستحقون المكافأة”.
وأوضح، في لقاء مع صحفيين منتصف  جانفي  الماضي، أن جرائم نظام الأسد أدت إلى الاعتماد على مقاتلين أجانب يستحقون المكافأة على مساندة الشعب السوري، بعدما شاركوا في الثورة وساهموا في إسقاط النظام، ملمحاً إلى إمكانية منحهم الجنسية السورية.

وأضاف: “جاؤوا من جميع أنحاء العالم الإسلامي إلى سوريا، من منطلق التعاطف مع السوريين، وعددهم حالياً ليس كبيراً جداً، وجميعهم وافقوا على الامتثال لتوجيهاتنا وسياستنا، وهم لا يشكلون خطراً على الدول الأخرى، ويستحقون أن نكافئهم على جهودهم”. وأكد أنه ستتم معالجة أوضاعهم وتسويتها وفقاً للقانون.

اليوم يواجه الشرع تحدياً في ترحيل هؤلاء المقاتلين مع ما يحمله هذا الأمر من احتمالات الاصطدام معهم داخلياً.

الملف الثالث الساخن، هو ترحيل المسلحين الفلسطينيين الذين تصنفهم الولايات المتحدة على لوائح الإرهاب، خصوصاً حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي”. ولطالما استضافت سوريا، في عهد الرئيسين حافظ وبشار الأسد فصائل فلسطينية مسلحة ذات صلات عميقة بإيران. وبالفعل بدأ الشرع بتطبيق خطوات في هذا المجال منذ نهاية أفريل الماضي حينما قامت القوات الأمنية السورية باعتقال قياديين بارزين من حركة “الجهاد الإسلامي”.

الملفان الرابع والخامس مرتبطان بتنظيم داعش الإرهابي. في الملف الرابع المطلوب من الشرع، بحسب المتحدثة باسم البيت الأبيض، التعاون مع الولايات المتحدة لمنع عودة نشاط داعش في سوريا، والعمل على عدم تحول سوريا مجددا أرضاً خصبة لنمو التنظيمات المتطرفة.

ويرتبط الملف الخامس بإدارة معتقلات داعش في شمال سوريا. هذه السجون تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تتولى إدارتها والاشراف على آلاف المعتقلين من عناصر التنظيم الإرهابي.

يطلب ترامب بوضوح من الشرع تولي هذا الملف وتحمل مسؤوليته من الدولة السورية المركزية، وهو ما قد ينعكس أيضاً على العلاقة المتوترة أصلاً بين الشرع و”قسد”.

ومن خلال دعوته الشركات الأميركية للاستثمار في النفط والغاز السوري، وتأكيده على التزامه باتفاق فض الاشتباك لعام 1974 مع إسرائيل، يُطلق الرئيس الشرع نهجاً جديداً للسياسات السورية التي اتسمت بمعاداة الغرب والانخراط في محور إيران في زمن الرئيس المخلوع بشار الأسد. لكن الخطاب وحده لا يكفي. كل واحدة من الخطوات الخمس التي حددها البيت الأبيض هي متطلبات أساسية تتسم بالجدية لدى إدارة ترامب، وهي ليست مجرد مقترحات.

سيكون الشرع أمام امتحان تطبيق هذه الخطوات في الشهور المقبلة على طريق عودة سوريا إلى المجتمع الدولي بعد رفع العقوبات. إذا فشل الشرع بذلك، فإن سوريا على الأرجح مهددة بالعودة إلى العزلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى