في ذكرى وفاة الجنرال عبد الحميد الشيخ: سيرة رجل مستقيم

في ذكرى وفاة الجنرال عبد الحميد الشيخ، 8نوفمبر 1999 حاولنا اعادة رسم ملامح رجل كان من ابرز قيادات الجيش الوطني ثم شغل مناصب مدنية سيادية في الدولة بعد 7نوفمبر 1987
وقد عدنا بالاساس لمقال بالفرنسية بقلم فرحات عثمان بمجلة ليدرز
في التكريم الذي قُدّم هنا لفقيدنا الغالي عبد الحميد الشيخ، أشار زميلي السابق وصديقي العزيز رؤوف بن رجب، مستحضراً مهمة الفقيد الراحل في باريس، إلى أنه «أُقيل من منصبه دون سبب»، موضحاً قبل ذلك مباشرة أن «… صدقه ووطنيته وتمسكه بالمؤسسات أكثر من الأشخاص هي التي أوقعت به».
وبما أنني كنت تحت إمرة السي عبد الحميد الشيخ من مارس 1992 إلى نهاية عام 1995، فبإمكاني أن أقدم توضيحاً دقيقاً حول سبب إقالته من منصبه سفيرا لتونس في باريس ، بالإضافة إلى شهادتي الشخصية التي تؤكد ما صرح به السيد بن رجب حين قال: «في الوقت الذي كان فيه الخطاب الرسمي يدعي أن “كل شيء يسير على أفضل ما يرام في أفضل العوالم”، كان هو يقول إننا لا نزال في بداية الطريق وأن كل شيء يمكن أن يرتد إلى الوراء إذا لم ننتبه».
ظروف لقائنا
كنت في ذلك الوقت أعمل كمتعاقد محلي في القنصلية العامة التونسية بباريس. وبصفتي دبلوماسياً محترفاً عُيّنت في القنصلية العامة عام 1984، فقد طلبت إحالة على الاستيداع (إجازة بدون مرتب) لأسباب دراسية من أجل إنهاء أطروحة دكتوراه دولة كانت قيد الإعداد؛ إذ كان طموحي منذ التحاقي بوزارة الشؤون الخارجية هو الجمع بين البحث العلمي والعمل الإداري المتقن.
وقد دفعت جودة هذا العمل بالقنصل العام إلى التمسك بخدماتي، مقترحاً عليّ الاستمرار في خدمة الإدارة خلال فترة استيداعي بموجب عقد كعامل محلي. وهو ما تم بالفعل.
عند وصوله إلى السفارة في فيفري 1991، لم يلبث سي عبد الحميد أن استصدر من الإدارة المركزية قراراً بإعادة تعييني للعمل إلى جانبه، بعد تعليق فترة استيداعي وإلغاء العقد المحلي في القنصلية العامة.
وهكذا، وبعودتي إلى سلكي الأصلي، عُيّنت مستشاراً اجتماعيّاً بالسفارة مكلفاً بوحدة حقوق الإنسان.
وكانت هذه الوحدة قد أُنشئت للتو إثر تدهور الأوضاع على هذا الصعيد في تونس؛ حيث رُئي من الضروري التصدي للحملة التي كانت تستهدف بلادنا.
وعندما استدعاني للعمل معه، كان السفير يعلم أنه يمكنه الاعتماد على وطنيتي وقلمي للدفاع عن تونس التي كانت تتعرض للانتقاد.
هذا ما قاله لي عندما استقبلني في مكتبه. وأتذكر أنني أجبته، مع مراعاة اللباقة الإدارية، بأنني لو كنت قد طلبت الاستيداع للدراسة فذلك لأنني كنت أفكر في الالتحاق بالجامعة بعد أن عجزت عن التوفيق بين البحث العلمي والعمل الإداري.
وأود أن أشير هنا إلى أنني كنت قد ناقشت بالفعل في تونس، أثناء عملي بالإدارة المركزية، دكتوراه الحلقة الثالثة في العلوم السياسية، والتي خُصصت أطروحتها لعلاقات تونس مع أوروبا الشرقية، وهو بحث أشادت به الإدارة وشكّل لها مادة مرجعية مباشرة.
دبلوماسي بلا لغة خشب
وقد فوجئت حينها بنبرة السفير الذي لم يتكلف الصيغ الدبلوماسية، وقال لي دون مواربة: «أنا أعرفك منذ أن كنتُ في تونس (كان وزيراً للشؤون الخارجية ) وأعلم أنك تناضل من أجل قيم الديمقراطية. واعلم أنني أول من يشجعك على ذلك، لأنني رأيت أنك تفعل ذلك في إطار الانضباط واحترام واجب التحفظ المنوط بعهدتك، والذي احترمته حتى الآن رغم أنك تصرفت دائماً كـ “إلكترون حر”. وهذا بالتحديد ما أقدره، لأنه في مهنتي، سواء في الدبلوماسية أو في الفن العسكري، نحن بحاجة إلى إلكترونات حرة؛ إنها كالنافذة التي تسمح بمرور الهواء والنور».
هذه العبارات — وهي عباراته تقريباً — التي وجهها إليّ منذ زمن بعيد، ظلت تتردد في ذهني لأنني لم أكن أتوقعها. ولا كنت أتوقع ذلك الاتفاق الضمني الذي تم بيننا في ذلك اليوم، ومفاده أنه في التعامل مع الرسائل الكثيرة التي تصل إلى السفارة والتي كان يتعين عليّ الرد عليها، كان بإمكاني (وهذا ما اقترحتُه) بل وكان واجباً عليّ (وهذا ما اقترحه هو) الاعتراف بما كان ثابتاً وحقيقياً، مع التأكيد على أن الديمقراطيات نفسها لا تسلم من التجاوزات والأخطاء، مع التزام السلطات في تونس بتفاديها، باعتبار أن جهود الديمقراطية هي إرادة سياسية معلنة.
وهذا يؤكد ما قاله عنه رؤوف بن رجب: «في الوقت الذي كان فيه الخطاب الرسمي يدعي أن “كل شيء على ما يرام”، كان هو يقول إننا لا نزال في بداية الطريق وأن كل شيء يمكن أن يرتد إلى الوراء إذا لم ننتبه».
وقد لمستُ مدى جديته بمناسبة المراسلات التي كنت أعدها رداً على مساعي منظمات حقوق الإنسان التي كانت تجمعني بها علاقات وثيقة سهّلتها صفتي كمستشار اجتماعي. بل إننا في ذلك الوقت رأينا معارضين يتصلون بالسفارة للاستفسار عن ملفاتهم؛ وهو أمر لم يكن يجرؤ أحد على تخيله من قبل!
لست بحاجة هنا إلى تأكيد ما قاله زميلي بن رجب عن الخصال الشخصية للسي عبد الحميد، بأنه كان «رجلاً مستقيماً، دمث الخلق، متاحاً دائماً، قائداً يعرف كيف يفوض الصلاحيات ويستمع لمرؤوسيه ويدعمهم.
كان منشطاً لفريق العمل، يصغي ويحسم دائماً في الاتجاه الصحيح دون أن يخشى يوماً تحمل تبعات قراراته.
وعلى عكس ما قد يظنه البعض عن عسكري سابق (بأنه صارم وقاسٍ)، فقد كان رجل حوار، منفتحاً وذا تسامح كبير». وأود فقط أن أضيف أن كونه عسكرياً — عسكرياً بحق — هو ربما ما جعل منه رجل كلمة وموقف كما كان.
سبب إقالته من باريس
وأصل الآن إلى سبب رحيله. فلكونه رجل كلمة وموقف، في اليوم الذي توفرت لدي فيه الأدلة الدامغة على أن النظام كان مسؤولاً بالفعل عن وفاة أحد المعارضين في السجن تحت التعذيب، لم يعترض على الرسالة التي أعددتها رداً على الاحتجاجات التي لم تتأخر في غمر السفارة.
لقد أجبتُ بأن السلطات التونسية تأسف لهذه التجاوزات الشنيعة وستفعل كل ما في وسعها لضمان عدم تكرارها. وقع على إجابتي، وكان للمراسلة الرسمية الصادرة عن السفير وقع القنبلة: السلطات التونسية تعترف بوفاة معارض داخل سجونها! بل إننا استقبلنا في تلك المناسبة وفوداً من بعض هذه المنظمات غير الحكومية، وأكد السفير أمامهم، وبحضوري، ودون أن يرمش له جفن، ما جاء في رسالته التي أعددتها بمعرفتي.
وبطبيعة الحال، لم يرق هذا الأمر للمراجع العليا، وبدأوا يطالبون برأسي؛ فتم استدعائي إلى الإدارة المركزية كإجراء عقابي.
ولما رفضت هذا القرار، فكرت في الاستقالة؛ وحينها أدركت إلى أي مدى يمكن لهذا العسكري أن يذهب في الدفاع عن قيمه.
لقد نصحني بعدم الاستقالة، وأصر على أن أطلب إحالة جديدة على الاستيداع، طالباً مني ترك الوقت يمر وأن الأمور ستتغير.
وعندما جادلتُه بأن الإدارة لن تقبل أبداً طلباً جديداً للاستيداع من جانبي، قال لي إنه سيتولى الأمر بنفسه.
وتولى الأمر بالفعل، وحصل على موافقة شفهية من الإدارة المركزية؛ بل إن طلب الاستيداع أُرسل رسمياً بموجب جدول إرسال من السفارة.
وهل يجدر بي أن أقول هنا إن السي عبد الحميد حاول قبل ذلك الإبقاء عليّ في منصبي، مغدقاً الثناء على خدماتي؟ وبفعله هذا، لابد أنه كان يعلم أن رصيده لدى “القصر” قد بدأ ينفد، إذ قال لي بمناسبة ذلك التجاذب الذي خاضه دفاعاً عني: «أعلم أنني سأذهب إلى هلاكي بسببك، ولكنني أدعمك رغماً عن كل شيء، لأنني تبنيت قضيتك، فأنت مفيد للإدارة!».
وكانت هذه آخر الكلمات التي سمعتها منه، حيث آثرت ألا أزعجه أكثر من ذلك، وعزمت على ترك الأقدار تفعل فعلها.
كان ذلك في عام 1996، واستُدعي (أُقيل) بعد فترة وجيزة على إثر هذه القضية. أما في ما يخصني، ولعجزها عن التراجع عن الموافقة الشفهية التي أُعطيت للسفير، فقد عمدت الإدارة إلى إخفاء طلب الاستيداع ولجأت إلى حيلة وتدليس موصوف في الإجراءات لاعتباري في حالة انقطاع وهمي عن العمل.
وقد أتيحت لي الفرصة لرؤية السي عبد الحميد مجدداً أثناء إقامته بالمستشفى في باريس للعلاج من الورم الذي انتقل به إلى جوار ربه. ورغم مرضه، استقبلني بدماثته المعهودة، قائلاً لي بنبرة من الدعابة التي لا تخلو من الحقيقة: «أرأيت ما جعلتني أتحمله!».
حين توفي عبد الحميد الشيخ كان يترأس اللجنة المنظمة لألعاب البحر الأبيض المتوسط 2001،
ولد في تونس العاصمة بحي “المطوية” بين نهج ترنجة وباب الخضراء، وكان يفخر بالحديث عن منشئه البسيط ومدينة أجداده “المطوية”، تلك الواحة البحرية الجميلة التابعة لولاية قابس.
مع استقلال تونس عام 1956، قطع دراسته في الحقوق ليكون ضمن أول بعثة تونسية أُرسلت للتكوين في المدرسة العسكرية العريقة “سان سير” (Saint Cyr) بفرنسا، والتي شكلت النواة الأولى لضباط الجيش التونسي الفتي. تابع بعد ذلك تكوينه في الولايات المتحدة الأمريكية في “كلية القيادة والأركان العامة” (Command and General Staff College)،
ثم عاد مجدداً إلى فرنسا ليلتحق بالمدرسة العليا للحرب. شارك في بعثة القبعات الزرق التونسية تحت راية الأمم المتحدة في الكونغو عام 1960. وفي جويلية 1961، شارك الملازم عبد الحميد الشيخ في حرب بنزرت ضمن هيئة الأركان التكتيكية إلى جانب قادته الكبار، أمثال المقدم علي قرطاس، والرائدين محمد صالح المقدم ومحمد البجاوي، من بين آخرين.
تدرج في جميع الرتب العسكرية في الجيش التونسي إلى أن أصبح رئيساً للأركان العامة. وكان أصغر ضابط سامٍ تمت ترقيته إلى أعلى رتبة عسكرية، وهي رتبة جنرال جيش (Général de corps d’armée).




