في الانتخابات الامريكية الرئاسية الاخيرة، عندما انفرد ترامب بالعجوز بايدن، الذي فشل في مجاراة نسق البلطجي الاهوج وقتها، كان الحزب الديمقراطي في أسوأ حالاته، تفكّك وصدام داخلي و وهن واضح في مواجهة التيار الشعبوي الجمهوري..
لم تكن ضحكة كاميلا هاريس الصاخبة تكفي لمنع الهزيمة المدّوية!!لكن عندما تكون حزبا حقيقيا، وحزب مؤسسات قادرة على استيعاب الخلافات والاختلافات وفي ديمقراطية حقيقية تسمح بالتنافس وتكشف فيها السياسية عن وجهها الحقيقي،بنسختيه الابشع والاجمل، تكون الهزيمة الانتخابية أشبه ب “حادث سير” بسيط.. يعطّلك قليلا ولكنه لن يمنع تقدمك !
في عهدة ترامب الاولى، نجح الديمقراطيون ايضا في ابتلاع هزيمة هيلاري كلينتون امام “الأهوج” وعادوا في انتخابات التجديد النصفي لانتزاع، مجلس النواب وعاش ترامب وقتها اياما سوداء مع رئيسة المجلس “نانسي بيلوسي”..
” نانسي المجنونة” كما كان يناديها ترامب والتي لم تردد في تمزيق خطابه الرسمي في مجلس الشيوخ على الهواء مباشرة !!
وهذه المرة ايضا يعود الديمقراطيون بعد هزيمة وامام نفس الخصم السياسي ولكن بأكثر قوة وعنفوان وبسيطرة شبه كلية على الكونغرس بغرفتيه..
عودة صنع ضجيجها وصيتها شخصيات احتضنها في بداياتها “التيار التقدمي” الذي كان صغيرا ومعزولا داخل حتى الحزب الديمقراطي نفسه.. ولم يكن احد ينتبه لوجودها او الادق يستخف بوجودها قبل “طوفان السابع”..
ذلك التيار الذي يحمل اصحابه، افكارا كانت الى وقت قريب تبدو هشة وغير مؤثرة داخل مجتمع ليبرالي وحزب محكوم تؤمن المؤسسة التقليدية داخله و كبار رجالاته ورموز بقوة نفوذ اللوبيات والمال السياسي في صنع المسيرة السياسية.

قد يكون الاستثناء في ذلك والى حد معين السيناتور “بيرني ساندرز، المستقل عن الديمقراطيين والاب الروحي لتيار التقدمي الذي بدأ يكتسح مساحات كبيرة داخل الحزب في السنوات الاخيرة مدفوعا بشباب براغماتي يحلم بعدالة اجتماعية وبرعاية صحية للجميع ويفكّر في البؤساء بالازقة الخلفية للواجهات اللامعة ولا يؤمن كثيرا بمقولات آم سميث ولا بنظريات “ميلتون فريدمان” حول التضخّم و ادوار البنك المركزية..
وينحاز دون مراوغة الى القضايا الانسانية ولا يخشى “اللوبي القذر” عند الحديث على ضرورة انصاف اصحاب الارض والقضية.
هذا الجناح اليساري المتمرّد حتى على ادبيات الديمقراطيين التقليدية و المتبني للقضايا الاجتماعية التي تهم الامريكيبن في أمريكا أخرى.. لا نعلم عنها شيئا..
امريكا اخرى تختفي خلف ضجيج بورصة وال ستريت و ناطحات السحاب و اضواء العدسات على “ممر نجوم” في هوليود وخطايا لاس فيغاس وقصص رعاة البقر في تكساس و التفوّق الامريكي في دور السينما، وجنون ترامب البلطجي و الحاخامات الذي يجثمون بكل ثقلهم على صنع قرار امريكي الخاضع للأساطير التلمودية.
امريكا تلك التي لا نعلم عنها شيئا والتي تعاني فيها الجاليات المهاجرة والفقراء تحتاج الدعم اكثر من اسرائيل التي تستنزف الامريكان بنفقاتها، ذلك ما يعلنه صراحة التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي ونجح من خلاله في ان يخلق لنفسه قاعدة شعبية عريضة في الشارع الامريكي باتت تخيف الحزب الديمقراطي في شقه التقليدي والحزب الجمهوري على حد سواء.

“انه يكره اسرائيل، انه يكره اليهود”
اول “شتيمة” وجهها ترامب لعبد الرحمان السيد بعد فوزه في الانتخابات التمهيدية!
قبل ان يصبح اليوم السيناتور عبد الرحمان محمد السيد..
كانت نفس الشتيمة التي وجهها لزهران ممداني عند فوزه..
ولكن الواضح الآن هذا الوصم تجاوزه الزمن ولم يعد له تأثير على اصوات الناخبين.. وان الكيان المجرم فقد احترامه عند الناخب الامريكي.
في 2018 نافس بقوة عبد الرحمان السيد على منصب حاكم ولاية ميشيغان، لكنه فشل في الفوز، رغم الدعم القوي الذي وجده من الآباء الروحيين للتيار التقدّمي داخل الحزب الديمقراطي، السيناتور بيرني ساندرز و AOC المشاكسة و القوية !!
ربما ما كان ينقص الطبيب وعالم الاوبئة عبد الرحمان السيد، ابن المهاجر المصري، ليحقق الفوز امام منافسته الديمقراطية انذاك ويفرض كلمته من خارج المؤسسة التقليدية للحزب الديمقراطي ذاته..هو القضية الاخلاقية الكبرى التي يتبناها ويدافع عنها !!
واليوم بعد ان دخل مجلس الشيوخ الامريكي ليصبح اول سيناتور مسلم داخل الكونغرس، رغم الحملة الشرسة ضده والتي قادها رأسا ترامب..
فوز السيد ليس مجرد فوز انتخابي بل هو هزيمة تاريخية لماكينات تقليدية تحكمت طويلا في المشهد الانتخابي الامريكي، هزيمة لذلك الوحش المالي والسياسي والاعلامي ” أيباك” اللوبي الصهيوني، الاشرس والاخطر في الولايات المتحدة والذي ظلّ منذ منتصف خمسينات القرن، يصوغ مشهدا انتخابيا “ديمقراطيا” على مزاجه ووفق رؤيته داخل الولايات المتحدة..
واضطر مؤخرا تحت تأثير الموجة الزرقاء لتراجع التكتيكي وتغيير اسلوبه في دعم المرشحين دون وضع اسمه تحت بند المصاريف في الحملات الانتخابية.
عندما خاضت ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز او AOC كما يختصر اسمها انتخابات الكونغرس اول مرة وواجهت احد اكبر حيتان الانتخابات وقتها “جو كرولي” وهي الفتاة المهاجرة من بورتوريكو التي قامت بحملتها الانتخابية أثناء عملها كنادلة، قالت جملة تداولها لاعلام الامريكي وقتها كثيرا:
“لا يمكنك هزيمة رأس المال الكبير برأس مال أكبر، عليك أن تهزمهم في لعبة مختلفة تماما”
وهذا ما حدث مع عبد الرحمان السيد، هزم منافسته في لعبة مختلفة تماما..
لعبة مدفوعة بأثر الفراشة الذي لا يُرى..الفراشة، ذلك الكائن الذي يبدو هشّا جدا لسطحيين، قد تتسبب دفعة هواء صغيرة بجناحيها في تشكل الغيوم و الاعاصير لاحقا!
واثر الفراشة صنعه زهران الممداني عندما فاز بمنصب العمدة في تلك الولاية ” التوراتية” حيث يسيطر عليها في المال والاعمال والسياسية أكبر لوبي صهيوني في الولايات المتحدة.. وحطم غرور مليارديرية المدينة.
والأثر الذي لا يزول صنعه “السابع” من اكتوبر عندما جعل من غزة والانحياز للحق الفلسطيني ضدّ التوحش و ذلك الكيان “الاسبرطي” العنيف، قضية كل احرار العالم.. القضية الاخلاقية التي تصنع الفارق..
ربما الاغلبية لا ترى ما يحدث الا المهتمين .. لكن ما يحدث في الداخل السياسي الامريكي، لافت وغير مسبوق.. ليس في علاقة بتنافس الحزبين التقليدي ولكن في علاقة بتغيير المزاج الانتخابي نفسه
أقرأ التالي
2026-01-21
مركب بلا ربّان
2026-01-15
الولايات المتحدة الأمريكية وإيران
2026-01-22
في هرم الدّولة والسّلطان، وشيخوخة النّظام قبل الأوان
2026-01-18
لا أحد انتبه للمعجزة في بكفيّا، مَن بعدُ يهمّه!
2026-02-19
محمّد بوغلاّب: عام، ملّي خرجت م الحبس الصغير لحبس أكبر
زر الذهاب إلى الأعلى