الفاهم بوكدوس:حين يتكلم الشارع : هل تتشكل ملامح نهوض اجتماعي جديد في تونس؟

لم يعد ممكناً قراءة التحركات الاجتماعية والمهنية في تونس خلال سنة 2026 باعتبارها احتجاجات قطاعية متفرقة، منفصلة عن بعضها البعض.
فتصاعد التحركات في عدد من الجهات، سواء تلك التي يخوضها أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل، أو الفئات الهشة المطالبة بحقوقها الاجتماعية والاقتصادية، أو القطاعات النقابية والمهنية المدافعة عن حقوقها المكتسبة وظروف عملها، بالتوازي مع التحركات الحقوقية والاحتجاجات البيئية، يعيد طرح سؤال العلاقة بين السلطة والمجتمع، وحدود قدرة المؤسسات القائمة على استيعاب المطالب الاجتماعية وتأطير الصراع حولها.
ويكتسب هذا المسار دلالة إضافية مع تشكّل الإطار التنسيقي للمنظمات الوطنية ومكونات المجتمع المدني، وتنظيمه مظاهرة وطنية يوم 17 أكتوبر تحت شعار «شغل، حرية، كرامة وطنية»، في استعادة واضحة لشعار ارتبط بمحطات مفصلية في تاريخ الاحتجاج التونسي. فالمبادرة تعكس محاولة لإيجاد أرضية مشتركة بين قوى نقابية وحقوقية ومدنية، في سياق تتزايد فيه المطالب الاجتماعية والمهنية وتتراجع فيه الثقة في قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لانتظارات قطاعات واسعة من التونسيين.
ما يتكشف اليوم ليس مجرد ارتفاع في عدد الاحتجاجات، بل احتمال تشكّل لحظة اجتماعية تتقاطع فيها أزمات التشغيل والهشاشة الاقتصادية والحقوق المهنية والحريات وتدهور الخدمات العامة والتفاوت الجهوي. وهي أزمات، رغم اختلاف أسبابها والفئات المتضررة منها، تلتقي عند شعور متنامٍ بأن الاستجابات الرسمية لا تتناسب مع حجم الصعوبات، وأن قنوات الحوار والتفاوض التي تم انهاءها لم تعد قادرة على إنتاج حلول
ولا تتوقف أهمية هذه اللحظة عند حدود الضغط على السلطة أو إعادة ترتيب العلاقة معها، بل تمتد إلى سؤال أكثر عمقاً: هل تستطيع القوى الاجتماعية والمدنية تحويل التقاطع بين المطالب إلى مشروع جماعي يضع مصالح التونسيين في مركز العمل العام، ويتجاوز الاستقطاب السياسي التقليدي نحو بناء أفق اجتماعي وديمقراطي مختلف؟

من المطالب القطاعية إلى القلق الاجتماعي المشترك:
تحتل تحركات أصحاب الشهائد العليا المعطلين عن العمل موقعاً بارزاً في المشهد الاحتجاجي، بالنظر إلى اتساعها الجهوي واستمرار المطالبة بالتشغيل وتفعيل الآليات القانونية المخصصة لمعالجة البطالة طويلة الأمد. لكنها ليست سوى أحد تعبيرات أزمة اجتماعية أوسع تشمل فئات متعددة تعاني الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وعاملين يواجهون تدهور القدرة الشرائية أو هشاشة ظروف العمل، وقطاعات نقابية ومهنية تتحرك دفاعاً عن حقوقها ومطالبها، إلى جانب فئات تطالب بتحسين الخدمات العمومية وضمان الحق في الصحة والبيئة السليمة والماء،والكهرباء.
فأزمة التشغيل لا تختزل في بطالة خريجي الجامعات، وإن كانت من أكثر تجلياتها وضوحاً. هناك أيضاً عمال يعانون هشاشة التشغيل وضعف الأجور، وفئات تعمل في ظروف غير مستقرة أو تنتظر تسوية وضعياتها المهنية، وأسر ترهقها كلفة المعيشة وتراجع قدرتها على النفاذ إلى الخدمات الأساسية، فضلاً عن فئات اجتماعية تواجه التهميش والإقصاء وتجد صعوبة في إيصال مطالبها إلى مراكز القرار.
وتتحرك القطاعات النقابية والمهنية بدورها في سياق يتصل بالدفاع عن الحقوق المكتسبة، وتحسين الأجور وظروف العمل، واحترام الاتفاقيات والتعهدات، وحماية المرافق العمومية. ولا يمكن فصل هذه المطالب عن السياق الاقتصادي والاجتماعي العام، مثلما لا يمكن اختزالها في نزاعات مهنية معزولة عن الخيارات المتعلقة بالإنفاق العمومي والتشغيل والتنمية وتوزيع الموارد.

وتتجاوز دلالة هذه التحركات، مجتمعة، المطالبة بتسويات قطاعية أو إجراءات ظرفية. فهي تكشف عن اتساع الفجوة بين انتظارات المجتمع وما يلمسه المواطنون من استجابات فعلية، وعن صعوبة استمرار الأوضاع القائمة بالنسبة إلى فئات لم تعد ترى في الانتظار حلاً، أو في الوعود ضمانة لتحسن ظروفها.
فحين تتزامن مطالب التشغيل مع الدفاع عن الأجور والحقوق المهنية، وتتقاطع مع احتجاجات الفئات الهشة والمطالبين بتحسين الخدمات العامة وحماية البيئة، فإن المسألة لا تعود متعلقة بقطاع واحد أو فئة بعينها. بل تصبح مرتبطة بمدى قدرة السلطة على ضمان الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتوفير شروط العيش الكريم، وتحقيق قدر من العدالة في توزيع الفرص والخدمات بين الجهات والفئات.
بهذا المعنى، لا تكمن أهمية اللحظة الراهنة في تزامن التحركات وحده، بل في تقاطع أسبابها. فالأزمة الاجتماعية لا تتعلق بالتشغيل فقط، مثلما لا تختزل أزمة الحريات في الملفات القضائية أو التضييق على التعبير. إنها تتعلق أيضاً بقدرة المجتمع على التأثير في السياسات التي تمس حياته، وبمدى وجود مؤسسات وقنوات قادرة على تحويل المطالب إلى تفاوض وقرارات وحلول قابلة للقياس.
الإطار التنسيقي: محاولة لاستعادة المبادرة الجماعية وتجاوز الاستقطاب
يمثل تشكّل الإطار التنسيقي للمنظمات الوطنية ومكونات المجتمع المدني وتنظيمه مظاهرة 17 أكتوبر 2026 محطة تستحق التوقف عندها، لأنه يعيد طرح سؤال ظل مؤجلاً في الحياة العامة التونسية: هل يمكن أن يتحول التنسيق بين القوى النقابية والمهنية والحقوقية والمدنية من مجرد رد فعل على الأزمة إلى بداية لبناء تصور اجتماعي وسياسي مختلف؟
فالإطار، الذي انطلق بمشاركة الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين بتونس والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ثم اتسعت دائرة التشاور والعمل المشترك لتشمل منظمات ومكونات مدنية ومهنية أخرى، لم يحصر اهتمامه في ملف سياسي أو مطلبي واحد، بل ربط بين تراجع الحقوق والحريات وبين الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تثقل حياة التونسيين. كما أعلن التوجه نحو برنامج مشترك للتحركات والمبادرات، بما يفتح المجال أمام الانتقال من تقارب المواقف إلى تنسيق أكثر استمرارية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في طبيعة المساحة التي يمكن أن تفتحها. فهي تجمع أطرافاً تختلف في وظائفها ومرجعياتها وأدوات عملها، لكنها تلتقي حول ملفات تتجاوز الحدود التقليدية بين النقابي والحقوقي والمدني. فالدفاع عن حقوق العمال والحقوق المهنية يتقاطع مع الدفاع عن الحريات، مثلما تتصل المطالب الاجتماعية بالحق في الخدمات العمومية والعدالة الجهوية والكرامة الإنسانية.
إن اجتماع هذه المكونات لا يلغي اختلافاتها، ولا يعني بالضرورة تطابق تصوراتها السياسية، لكنه يتيح إمكانية بناء مساحة مشتركة حول الحقوق الاجتماعية والديمقراطية، بعيداً عن اشتراط التوافق على كل القضايا والخلافات. وهذه نقطة أساسية، لأن استعادة المبادرة الجماعية لا تتطلب صهر المنظمات في إطار واحد أو إلغاء استقلاليتها، بل إيجاد أرضية عملية للتنسيق تحترم خصوصياتها وتسمح لها بالتحرك حول أهداف مشتركة.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى الإطار التنسيقي باعتباره مجرد صيغة لتوحيد الاحتجاج أو تجميع القوى المناهضة للسلطة او الناقدة لها، فالأهمية الأعمق تكمن في قدرته المحتملة على فتح نقاش يتجاوز ثنائية السلطة والمعارضة، ويسأل عما يمكن أن تقدمه القوى الاجتماعية والمدنية للتونسيين، وما السياسات التي تدافع عنها، وما البدائل التي يمكن أن تطرحها لمعالجة الأزمات القائمة.
هنا تحديداً يكتسب الحديث عن «الخط الاجتماعي الثالث» معناه. فهو لا يعني بالضرورة إنشاء اصطفاف سياسي جديد في مواجهة الاصطفافات القائمة، بل بناء مقاربة تنطلق من مصالح المجتمع وحقوقه، وتجعل التشغيل والعدالة الاجتماعية والحريات والخدمات العمومية والمساءلة الديمقراطية عناصر مترابطة في مشروع واحد.
غير أن هذا الاحتمال يظل مشروطاً بقدرة الإطار على تجاوز منطق رد الفعل، وتطوير برنامج مشترك لا يكتفي بتشخيص الأزمة، بل يحدد المطالب والأولويات والآليات العملية للتغيير. كما يتطلب الانفتاح على الفئات الهشة والجهات المهمشة والتحركات القطاعية، حتى لا يظل التنسيق محصوراً في المنظمات الوطنية، بل يتحول إلى مساحة تلتقي فيها المطالب الاجتماعية المتعددة دون اختزالها أو مصادرة استقلاليتها.
إضعاف الوساطة لا يلغي المطالب بل يغيّر أشكال التعبير عنها:
لفهم هذا المشهد، لا بد من العودة إلى وظيفة الأجسام الوسيطة في أي نظام سياسي واجتماعي. فالنقابات والمنظمات المهنية والحقوقية والجمعيات والمؤسسات الإعلامية لا تؤدي دوراً تمثيلياً فحسب، بل تتيح أيضاً تنظيم المطالب، وتوفير المعلومات، وفتح قنوات التفاوض، وتحويل النزاعات الاجتماعية إلى ملفات قابلة للمعالجة المؤسسية.
وحين تتعرض هذه الأجسام للتجريف او التصحير او للتهميش أو التضييق لا تختفي المطالب التي تمثلها، بل تتراجع فرص معالجتها عبر الحوار والتفاوض و ينتج عن ذلك انتقال متزايد إلى أشكال التعبير المباشر، من الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات والمسيرات إلى التحركات الجهوية المتزامنة، التي تحاول من خلالها الفئات المتضررة فرض حضورها على جدول أعمال السلطة.
ولا يعني ذلك أن كل احتجاج هو نتيجة مباشرة لإضعاف الوساطة، أو أن جميع التحركات تنطلق من خلفية سياسية واحدة. فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية لها أسبابها المادية، كما أن لكل قطاع خصوصياته. لكن تراجع الثقة في جدوى القنوات المؤسسية، حين يتزامن مع تعثر الحلول وغياب الحوار، يمكن أن يعمّق الإحساس بانسداد الأفق ويزيد من جاذبية الاحتجاج باعتباره الوسيلة الأكثر مباشرة لإيصال المطالب.
وفي تونس، تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل التوترات المتصلة بحرية العمل النقابي والمدني والإعلامي، وبحدود التعبير عن المطالب الاجتماعية والسياسية. فالمجتمع الذي لا يجد مؤسساته التمثيلية قادرة على التفاوض الفعلي، ولا يجد في السياسات العمومية إجابات مقنعة عن مشكلاته اليومية، يصبح أكثر ميلاً إلى التعبير المباشر عن غضبه.
لكن تشكّل الإطار التنسيقي يطرح، في المقابل، احتمالاً آخر: أن يؤدي تزايد الضغوط الاجتماعية وتراجع الثقة في الاستجابات الرسمية إلى دفع المنظمات إلى إعادة بناء التنسيق فيما بينها، واستعادة دورها التمثيلي من خلال توسيع دائرة القضايا التي تتبناها وربط الملفات المهنية والحقوقية بالمطالب الاجتماعية العامة،وهذا ما يجعل العلاقة بين الاحتجاج والوساطة أكثر تعقيداً من مجرد التعارض بينهما. فالشارع قد يعبّر عن أزمة التمثيل، لكنه يستطيع أيضاً أن يدفع نحو تجديده. والتحركات الجهوية والقطاعية قد تبدأ بصورة مستقلة، لكنها يمكن أن تجد في التنظيمات الاجتماعية والمدنية شريكاً يساهم في تحويل المطالب إلى قوة تفاوضية قادرة على تحقيق نتائج ملموسة.
ومن هنا، فإن السؤال ليس ما إذا كان الشارع سيعوّض المؤسسات بصورة نهائية، بل ما إذا كانت السلطة ستتعامل مع الاحتجاجات باعتبارها مؤشراً يستوجب مراجعة السياسات وفتح الحوار، أم باعتبارها مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. كما أن السؤال يهم القوى الاجتماعية نفسها: هل ستكتفي بإدارة موجات الاحتجاج، أم ستعمل على استعادة دور الوساطة من خلال تمثيل أكثر فاعلية، وبرامج أوضح، وآليات مساءلة داخلية تعزز ثقة المجتمع بها؟
من الجهات إلى العاصمة: دلالات انتشار الاحتجاج:
تكشف التحركات المتواصلة في مختلف جهات البلاد عن بعد آخر في الأزمة. فإلى جانب تحركات أصحاب الشهائد العليا المعطلين عن العمل، تبرز تحركات فئات اجتماعية هشة تطالب بتحسين أوضاعها وتسوية وضعياتها، وتحركات نقابية ومهنية تتصل بالأجور وظروف العمل والحقوق المكتسبة، فضلاً عن احتجاجات محلية مرتبطة بالخدمات العمومية والبيئة والحق في الصحة والتنمية والماء والكهرباء.
ولا تكمن أهمية هذا الانتشار في عدد الجهات أو القطاعات وحده، بل في ما يكشفه من اتساع القاعدة الاجتماعية للمطالب وصعوبة اختزالها في أزمة محلية أو في احتجاج مجموعة محدودة. كما يعيد إلى الواجهة مسألة التفاوت الجهوي، وضعف فرص التشغيل والاستثمار، وتراجع قدرة الخدمات العامة على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
ويعكس انتقال بعض التحركات من الوقفات الجهوية إلى المسيرات ومحاولات إيصال المطالب مباشرة إلى مؤسسات القرار تصاعد الضغط على السلطة في ظل استمرار الانتظار وعدم تحقق النتائج المأمولة. وحين لا يجد المحتجون استجابة واضحة على المستوى المحلي أو القطاعي، يصبح اللجوء إلى العاصمة تعبيراً عن محاولة نقل الأزمة إلى المستوى الذي يملك القرار السياسي والإداري.
وهنا تتحول المطالب المتعددة إلى اختبار لقدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها. فالقوانين التي لا تترجم إلى فرص فعلية، والاتفاقيات التي يتم تعطيل تنفيذها، والوعود التي لا تنتهي إلى نتائج، والانتظار الذي يمتد سنوات، كلها عوامل تعمّق فقدان الثقة وتدفع نحو أشكال أكثر إصراراً من الاحتجاج.
وتتقاطع هذه الديناميكية مع أزمات أخرى، من الدفاع عن الحقوق المهنية والحريات إلى التدهور البيئي وتراجع الخدمات العامة. ففي قابس، على سبيل المثال، يتجاوز الاحتجاج البيئي حدود المطالبة بمعالجة مصادر التلوث، ليطرح سؤالاً جوهرياً بشأن الحق في الصحة والبيئة السليمة، ومسؤولية الدولة عن حماية السكان، وحدود تقديم الاعتبارات الاقتصادية والصناعية على سلامة المواطنين.
وتظهر هذه الملفات كيف يمكن أن يتحول مطلب قطاعي أو جهوي إلى قضية عامة. فالمطالبة بالتشغيل تطرح أسئلة التنمية وتوزيع الثروة، والمطالبة بتسوية الوضعيات المهنية تطرح أسئلة العدالة والإنصاف، والدفاع عن الحق في الصحة والخدمات العمومية يطرح أسئلة توزيع الموارد والمسؤولية الاجتماعية للسلطة، فيما يطرح الدفاع عن حرية الصحافة والتنظيم والتظاهر مسألة قدرة المجتمع على مراقبة السياسات والمطالبة بالمحاسبة.
ولا يعني هذا التقاطع أن البلاد دخلت بالفعل في موجة احتجاجية موحدة، أو أن جميع هذه التحركات تتحرك ضمن تنسيق مشترك، لكنه يشير إلى أن المطالب الاجتماعية باتت تتحرك ضمن سياق أوسع من انعدام الثقة. فالملفات تختلف، وكذلك الفئات والوسائل، لكن بعضها يلتقي عند مساءلة السياسات العامة وقدرة السلطة على ضمان الحقوق الأساسية.
ومن هنا، فإن انتشار الاحتجاجات لا يعكس فقط تعدد الأزمات، بل يكشف أيضاً عن حاجة متزايدة إلى مقاربة شاملة لا تتعامل مع كل ملف بمعزل عن الآخر. فالمعالجة المجزأة قد تؤجل التوتر أو تخفف حدته مؤقتاً، لكنها لا تعالج بالضرورة الأسباب التي تعيد إنتاجه.
هل نحن أمام نهوض اجتماعي جديد؟
إن اجتماع هذه المؤشرات يفتح المجال أمام فرضية تشكّل نهوض اجتماعي جديد، لكنه لا يكفي وحده للجزم بأن البلاد تتجه حتماً إلى موجة موحدة أو انفجار اجتماعي شامل. فالتزامن بين التحركات، على أهميته، لا يعني بالضرورة وجود تنسيق فعلي بينها، كما أن تقاطع بعض المطالب لا يلغي اختلاف الأولويات والقدرات التنظيمية والرهانات السياسية لكل فئة.
ومع ذلك، فإن عناصر تستحق المتابعة أصبحت واضحة: اتساع رقعة الاحتجاج الجهوي، وتعدد الفئات المتضررة والقطاعات المحتجة، واستمرار أزمة التشغيل والهشاشة الاجتماعية، وتراجع الثقة في الاستجابات الرسمية، وظهور إطار تنسيقي يجمع عدداً من المنظمات الوطنية ومكونات المجتمع المدني حول مبادرات مشتركة للدفاع عن الحقوق والحريات.
وقد يشكل هذا التقاطع بداية استعادة تدريجية للمبادرة الجماعية، لا بالضرورة عبر قيادة مركزية واحدة، بل من خلال تفاعل التحركات المستقلة وتبادل الخبرات وتطوير أشكال جديدة من التضامن، لكن نجاح هذا المسار لن يتحدد فقط بقدرة القوى الاجتماعية على التعبئة، بل كذلك بقدرتها على الإجابة عن سؤال البديل.
فليس كافياً أن تتفق القوى النقابية والحقوقية والمدنية على رفض التدهور الاجتماعي وتراجع الحريات بل المطلوب أيضاً فتح نقاش جدي حول السياسات التي يمكن أن تعالج البطالة والهشاشة، وتحمي الأجور والحقوق المهنية، وتحد من التفاوت الجهوي، وتضمن الخدمات العمومية، وتعيد الاعتبار للمساءلة والمشاركة الشعبية.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين توحيد الاحتجاج وتطوير مشروع اجتماعي. فتوحيد الاحتجاج قد ينجح في فرض ملفات معينة على جدول الأعمال، لكنه يظل محدود الأثر إذا لم يتبعه تصور واضح للأهداف والوسائل والبدائل. أما المشروع الاجتماعي فيتطلب بناء توافقات عملية حول الأولويات، وتحديد مسؤوليات السلطة ، وصياغة مطالب قابلة للمتابعة، وربط كل ذلك بالدفاع عن الحريات والضمانات الديمقراطية التي تسمح للمجتمع بمراقبة التنفيذ ومحاسبة المسؤولين.
والمعيار الأساسي لأي مشروع اجتماعي ينبغي أن يكون مدى استجابة السياسات لحقوق المواطنين ومصالحهم، ومدى احترامها للحريات والعدالة والمساواة أمام القانون.بهذا المعنى، لا يمثل «الخط الاجتماعي الثالث » منطقة رمادية بين مواقف سياسية متعارضة، بل يمكن أن يكون محاولة لإعادة ترتيب النقاش العام انطلاقاً من الأسئلة التي تهم حياة التونسيين: كيف نضمن الشغل اللائق؟ كيف نحمي القدرة الشرائية والخدمات العمومية؟ كيف نحقق تنمية أكثر عدلاً بين الجهات؟ كيف نحمي الفئات الهشة من الإقصاء؟ كيف نضمن حرية التنظيم والتعبير والصحافة؟ وكيف نجعل المؤسسات خاضعة للمساءلة وقادرة على الاستجابة للمواطنين؟
غير أن هذا الاحتمال يظل مشروطاً بقدرة الإطار التنسيقي على تجاوز منطق رد الفعل، والمحافظة على استقلالية مكوناته، والانفتاح على الفئات الشابة والجهات المهمشة والمجموعات التي لا تجد نفسها بالضرورة ممثلة بصورة كافية في الأطر التقليدية. كما يتطلب تجنب تحويل التنسيق إلى مجرد منصة لإصدار البيانات أو تنظيم تحركات ظرفية، والعمل بدلاً من ذلك على تطوير آليات متابعة وتقييم وتواصل مع القواعد الاجتماعية التي يستند إليها.
وفي المقابل، تظل هناك مخاطر حقيقية: أن تستنزف التحركات في انتظار حلول جزئية، أو أن تتشتت بفعل اختلاف الأولويات، أو أن تتعرض للتضييق بما يضعف قدرتها على الاستمرار. كما أن غياب نتائج ملموسة قد يعمّق الإحباط، خصوصاً لدى الفئات التي استهلكت سنوات طويلة في المطالبة بحقوق أساسية دون أن ترى تغييراً يوازي حجم انتظاراتها.
لذلك، لا ينبغي قياس أهمية المرحلة بعدد المظاهرات وحده، بل بقدرتها على إنتاج ديناميكية اجتماعية جديدة، وعلى تحويل الغضب المتفرق إلى مطالب واضحة وأشكال تنظيم وتضامن قادرة على الاستمرار والتأثير، وعلى الانتقال من الدفاع عن الحقوق إلى بناء تصور واقعي للسياسات التي تضمنها.
حين يصبح الشارع مرآة لأزمة السلطة:
إن ما يجري في تونس خلال سنة 2026 يعيد إلى الواجهة معادلة أساسية: لا يمكن إلغاء الحاجة إلى الوساطة الاجتماعية والسياسية بمجرد إضعاف المؤسسات التي تمارسها، ولا يمكن معالجة المطالب الشعبية بتقليص المساحات التي تسمح بالتعبير عنها. فالمطالب المتعلقة بالتشغيل والكرامة والحقوق والحريات لا تختفي حين تغلق أمامها قنوات الحوار، بل قد تتخذ أشكالاً أخرى من الاحتجاج، أكثر انتشاراً وأقل قابلية للاحتواء عبر الآليات التقليدية.
لكن اللحظة الراهنة تطرح سؤالاً إضافياً يتجاوز أزمة الوساطة نفسها: هل يستطيع المجتمع أن يعيد تنظيم قواه بما يسمح له بالتأثير في الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، لا بالاكتفاء بالاعتراض على نتائجها؟ وهل يمكن أن يتحول التنسيق بين المنظمات الوطنية ومكونات المجتمع المدني إلى فضاء لإنتاج بدائل عملية، وليس فقط إلى آلية لتجميع المواقف الاحتجاجية؟
تكتسب مظاهرة 17 أكتوبر الماضي من هذه الزاوية دلالة تتجاوز حجم المشاركة فيها أو الشعارات التي رفعتها. فهي تمثل محاولة لإعادة وصل ما تفرّق من المطالب الاجتماعية والمهنية والحقوقية، واستعادة فكرة أن معركة الشغل لا تنفصل عن الحرية، وأن الكرامة الوطنية لا تتحقق دون كرامة اجتماعية وعدالة بين الجهات وقدرة فعلية للمواطنين على التأثير في السياسات التي تحدد حياتهم.
كما أن هذه المبادرة تتيح فرصة لإعادة بناء العلاقة بين العمل النقابي والدفاع الحقوقي والنضال الاجتماعي، بعيداً عن الفصل المصطنع بين الحريات من جهة والمطالب المعيشية من جهة أخرى، فالديمقراطية التي لا توفر شروط الحياة الكريمة تظل ناقصة اجتماعياً، والسياسات الاجتماعية التي لا تحترم حرية التنظيم والتعبير والمساءلة تظل عرضة لإعادة إنتاج التهميش وغياب المشاركة.
ومع ذلك، فإن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد المظاهرة: هل تستطيع القوى الاجتماعية تحويل هذا التقاطع إلى تنسيق مستمر؟ وهل يمكن أن تتطور الاحتجاجات الجهوية والقطاعية إلى قوة اجتماعية قادرة على فرض الحوار وانتزاع حلول ملموسة؟ وهل سينجح الإطار التنسيقي في الانتقال من تشخيص الأزمة إلى بلورة برنامج اجتماعي وديمقراطي يضع مصالح التونسيين فوق الحسابات الفئوية والاستقطابات التقليدية؟ وهل تدرك السلطة أن استقرار البلاد لا يتحقق بتقليص مساحات التعبير، بل بمعالجة الأسباب التي تدفع فئات مختلفة من المجتمع إلى الشارع؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان تزامن الاحتجاجات سيظل لحظة عابرة من التعبير عن الغضب، أم سيتحول إلى بداية مسار أوسع لاستعادة المبادرة الاجتماعية، فحين تتعدد الأصوات التي تطالب بالشغل والحقوق والكرامة، وحين تتحرك الفئات الهشة والقطاعات النقابية والمهنية والمنظمات الحقوقية والمدنية في سياق تتقاطع فيه المطالب، فإن الأمر يتجاوز مجرد الاحتجاج على السلطة إلى طرح سؤال من يحمي مصالح المجتمع، وكيف يمكن أن يصبح المجتمع نفسه قوة فاعلة في صياغة مستقبله.
ان الخطر الأكبر لا يكمن في أن يتكلم الشارع، بل في أن تستمر السلطة في التصرف كما لو أنها لا تسمعه. أما الرهان الحقيقي، فلا يتمثل فقط في إسماع الصوت، بل في تحويل تعدد الأصوات إلى قوة اجتماعية منظمة، قادرة على الدفاع عن الحقوق وفرض الحوار وفتح أفق جديد للديمقراطية والعدالة الاجتماعية.




