منذ اللحظات الأولى التي تلت الإعلان عن مقتل الفنانة التونسية ذكرى محمد في بيتها بحي الزمالك بالقاهرة العام 2003 أعلنت السلطات التونسية عن إيفاد أحد قضاة التحقيق للمشاركة في الأبحاث التي باشرتها أجهزة الأمن والقضاء المصرية.
في برنامج تلفزي مباشر كان يناقش يومها حيثيات تلك الجريمة التي هزت مصر والوطن العربي بأكمله حضرت عن الجانب التونسي ممثلةُ وكالة الاتصال الخارجي في القاهرة، وعند سؤالها إن كان إيفاد ممثل عن وزارة العدل التونسية إلى مصر يعني عدم الثقة في العدالة المصرية أجابت بالنفي، وأضافت أن ذلك هو الموقف الذي تتخذه تونس دائما إزاء مواطنيها في الخارج وليس امتيازا للرّاحلة لأنها فنانة معروفة.
أتذكر جيدا ذلك المشهد وتفاصيله حاضرة في ذهني إلى الآن بعد أكثر من عشرين عاما، فكثيرة هي الأحداث التي تضمحل تفاصيلها ولا يبقى منها في الذاكرة سوى مشهد قصير أو صورة شاحبة، ولأنه بصرف النظر عن كل ما ارتبط في الأذهان عن وكالة الاتصال الخارجي والدور الذي انتهت إليه في «تلميع صورة الرئيس» والرد على ما يواجه به من أعمال في الأوساط الحقوقية كان الموقف الرسمي يومها مثيرا للنخوة والاعتزاز.
قد يحتج البعض بالقول بأن ذلك غير صحيح وأن النظام يومها انتهز الفرصة ليدعم الصورة الإيجابية التي كان يرسمها لنفسه أمام العالم، وهذا قد يكون صحيحا لكنه قائم على منفعة متبادلة، فإذا كانت السلطة السياسية في سياق تقديمها صورة ناصعة عن نفسها للعالم تزعم أنها مسؤولة عن كل مواطن في أي مكان من العالم فهذا أمر حسن ولو معنويا! ألم يقل الشاعر (قل لي ولو كذبا كلاما ناعما قد كاد يقتلني بك التمثال!)
ونحن الآن قتلنا التمثال، قتلنا الصمت، قتلتنا الحقرة، قتلتنا اللامبالاة، يا الله، يا رب العباد، يا من نزلت علينا هذا البلاء، تونسية تقتل في مونريال ولا يصدر شيء حتى الآن! نُشر الخبرُ والسلطة صامتة، هزت الجريمة العالم لفظاعتها والسلطة جامدة كالتمثال الرخامي البارد، بلعت لسانها ولم تسترجعه، عزانا رئيس حكومة كندا ولا من مجيب! أيتها السلطة تكلمي، قولي إنك غير معنية بما حدث، قولي لرئيس حكومة كندا شكرا لكن الأمر لا يعنيني، تكلمي لنعرف أنك ما تزالين على قيد الحياة، افعلي شيئا غير الإيقاف والاحتفاظ والإيداع.
رحم الله الفقيدة وألهم أهلها الصبر والسلوان، وعظم الله أجرنا في مصيبتنا، لم نعد نَحنُّ إلى ما قبل 25 جويلية، بل أصبحنا نتحسّر على وكالة الاتصال الخارجي، يعجبكشي؟
أقرأ التالي
2026-02-16
مشروع خط الغاز نيجيريا ـ الجزائر، هل يرى النور؟
2026-01-21
مركب بلا ربّان
2026-03-03
قضية مكتب الضبط: هل ينجح العميد في اقناع عبير موسي بالتخلي عن خيار المقاطعة؟
2026-01-15
الولايات المتحدة الأمريكية وإيران
2026-01-22
في هرم الدّولة والسّلطان، وشيخوخة النّظام قبل الأوان
زر الذهاب إلى الأعلى