الفاهم بوكدوس:اتفاق أمريكي–إيراني: هل ينهي الحرب أم يعيد ترتيب موازين القوة؟

قد يبدو أي اتفاق ينهي العدوان الصهيو- أمريكي على وإيران، في ظاهره، خطوة نحو خفض التوتر وفتح الباب أمام تسوية إقليمية أوسع. لكن قراءة موازين القوة التي أفرزتها الحرب قد تقود إلى استنتاج مختلف: فالسلام الذي يأتي بعد حرب تغيّرت فيها قواعد القوة لا يعيد بالضرورة الأطراف إلى مواقعها السابقة، بل قد يكرّس نتائج الحرب سياسياً واستراتيجياً.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن تتحول إيران، في حال خرجت من المواجهة باتفاق يقرّ عملياً بالموقع الذي فرضته في الميدان، إلى قوة إقليمية أكثر استقلالاً وقدرة على الحركة، وربما إلى طرف يصعب على واشنطن تجاهله أو تجاوزه في إدارة ملفات المنطقة. وليس المقصود بالضرورة أن تصبح إيران «حليفاً» لترامب بالمعنى التقليدي، وإنما أن تتحول إلى شريك أمر واقع في ترتيبات إقليمية جديدة، تُدار فيها المنطقة على أساس الاعتراف بثقلها العسكري والسياسي.
وهنا تكمن المفارقة بالنسبة إلى دول الخليج.
فقد وجدت نفسها، خلال سنوات طويلة، في موقع يعتمد بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأمريكية، بينما انخرط بعضها سياسياً واستراتيجياً في ترتيبات إقليمية جعلت أمنها مرتبطاً بصورة متزايدة بالمشروع الأمريكي–الصهيوني في المنطقة.
فإذا انتهت الحرب بتسوية تعزز موقع إيران، فقد تجد هذه الدول نفسها أمام معادلة أكثر صعوبة: إيران تخرج من الحرب وهي تملك أوراق قوة جديدة، فيما تدخل دول الخليج مرحلة يتعين عليها فيها إعادة تعريف موقعها الأمني والاستراتيجي.
ولا يتعلق الأمر هنا بإدانة خيارات هذه الدول أو تبرئة إيران من سياساتها، وإنما بقراءة باردة للنتائج المحتملة، فالسياسة الدولية لا تكافئ دائماً من يملك الموارد الأكبر، وإنما تكافئ، في لحظات التحول، من يستطيع تحويل موارده إلى أوراق تفاوض وقوة مستقلة.
وقد يكون الاتفاق العسكري السعودي–الباكستاني–التركي، في هذا السياق، أحد المؤشرات التي تستحق التوقف عندها. فمن الممكن أن يعكس، من بين عوامل أخرى، توجساً خليجياً من مرحلة ما بعد الحرب ومن احتمال تغير معادلة الردع الإقليمية، والحاجة إلى تنويع مصادر القوة والحماية وعدم ترك الأمن الإقليمي رهينة لعلاقة واحدة مع واشنطن.
وماذا عن «محور المقاومة» بعد الحرب؟
ان إعادة ترتيب موازين القوة لن تتوقف عند إيران ودول الخليج. فالحرب، إذا انتهت باتفاق، ستفرض أيضاً سؤالاً أكثر تعقيداً يتعلق بمستقبل محور المقاومة وشبكة القوى التي بنت إيران معها، على مدى سنوات، منظومة نفوذ وردع ممتدة من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن.
وقد يكون من الخطأ افتراض أن أي اتفاق أمريكي–إيراني سيعني تلقائياً نهاية هذا المحور. فهذه القوى ليست مجرد أدوات عسكرية تابعة لطهران يمكن إيقافها بقرار سياسي واحد، بل تحولت، بدرجات مختلفة، إلى قوى محلية لها حساباتها وبيئاتها الاجتماعية والسياسية ومصالحها الخاصة. ولذلك فإن مستقبل المحور سيتحدد بقدر ما سيتحدد بمضمون الاتفاق نفسه، بقدرة هذه القوى على إعادة تعريف أدوارها في مرحلة ما بعد الحرب.
وقد نشهد، في المقابل، انتقالاً من مرحلة «محور المقاومة» بوصفه منظومة مواجهة عسكرية مفتوحة إلى شبكة نفوذ وردع أكثر مرونة وأقل مركزية. فقد تتغير الأدوات، وتتراجع بعض الأدوار العسكرية المباشرة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختفاء النفوذ الإيراني أو نهاية فكرة الردع الإقليمي.
والأهم أن أي اتفاق لا يعالج جذور الصراع، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وموقع الكيان الصهيوني في النظام الإقليمي، قد يجعل من الصعب إغلاق ملف «المقاومة» نهائياً. فالتحول من الحرب إلى التفاوض لا يلغي بالضرورة أسباب نشوء القوى المسلحة، وإنما قد يدفعها إلى إعادة التموضع.
ومن هنا يمكن أن تصبح المرحلة التالية للحرب أكثر تعقيداً من الحرب نفسها. فإذا نجحت إيران في الاحتفاظ بشبكة علاقاتها الإقليمية، وفي الوقت ذاته انتزاع اعتراف أمريكي بدورها كقوة إقليمية، فإنها ستكون قد انتقلت من موقع الدولة المحاصرة إلى موقع القوة التي يصعب بناء نظام إقليمي جديد من دونها.
أما إذا حاول الاتفاق أن يفرض على إيران تفكيك هذه الشبكة أو التخلي عن حلفائها مقابل تسوية مع واشنطن، فقد يدخل الإقليم في مرحلة أخرى من التوتر، لأن الأطراف الموجودة على الأرض لن تكون بالضرورة مستعدة لتحويل نفسها إلى مجرد أوراق تفاوض.
الخليج أمام لحظة مراجعة
تبدو دول الخليج أمام سؤال استراتيجي حقيقي: هل تستمر في التعامل مع أمنها من خلال المظلة الأمريكية وحدها، أم تبدأ في بناء توازنات متعددة تتيح لها هامشاً أكبر من الاستقلال؟
قد يكون التقارب السعودي–الباكستاني–التركي، إذا تأكدت دلالاته، جزء من هذا التفكير. فالدول التي تشعر بأن موازين القوة قد تتغير لا تنتظر عادة حتى تكتمل التحولات، وإنما تبدأ مبكراً في بناء بدائل أمنية وسياسية،وهنا تحديداً تظهر المفارقة التي قد تنتج عن الحرب: قد تكون إيران قد دفعت ثمناً عسكرياً وسياسياً كبيراً، لكنها تكون قد خرجت، في المقابل، بقدرة أكبر على فرض نفسها في معادلة المنطقة؛ بينما تجد دول كانت تراهن على الحماية الأمريكية نفسها أمام ضرورة البحث عن استقلال استراتيجي لم تكن تعتبره أولوية من قبل.




