عامر بوعزة يكتب عن البلد الحزين

في خاتمة كتابه «المجتمع التونسي في العصر الخوارزمي» يخلص الدكتور الصادق الحمامي إلى القول بأن الثورة التونسية جسّدت وعود التكنولوجيا الرقمية بإظهارها في المخيال الجماعي إمكانية إسقاط نظام سلطوي وإحداث تغيير سياسي بواسطة الهواتف الذكية والشبكات الاجتماعية، إلا أن الأحداث التالية خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي جاءت متعارضة مع هذا الأفق الطوباوي، يستدلّ على ذلك بتوظيف الجماعات المتطرّفة أيضا هذه التكنولوجيا في الدعاية والتجنيد، وظهور حملات رقمية تشبه الهلوسات الجماعية.

 

الكتاب خطير، وضروري لأنه يطرح بأسلوب علمي قائم على الوضوح والصرامة المنهجية قصّتنا مع شبكات التواصل الاجتماعي وهي قصّة مُضلّلة، تقع في منطقة معتمة يكتنفها الغموض، لا أدلّ على ذلك من أن رئيس الجمهورية يؤكد دائما أن الدولة لا تدار بالفايسبوك بينما كل المؤشرات حوله تقول العكس.
لا ينكر أحد الدور الذي قامت به الشبكات الاجتماعية في تأجيج الغليان الشعبي نهايات العام 2010 وتأليب الرأي العام ضد نظام بن علي بشكل حاسم، لكن لم ننتبه فيما بعد إلى الخوارزميات وهي تحكم قبضتها، وتلعب أدوارا مصيرية حاسمة في مجريات الانتقال السياسي وصولا إلى انتخابات العام 2019 وصعود قيس سعيد إلى سدّة الحكم بمساندة مجموعات مغلقة لا يعرف حتى الآن من كان يحرّكها وراء الستار.
هيمنة الرقمي على الرأي العام واستسلام الجموع لإرادة الخوارزميات ومن يحركونها خلقت ما يسميه الصادق الحمامي «التاريخ الدستوبي للرقمي وللثورة التونسية»، والغريب أنها هيمنة على الرأي والقرار ولا تتخطى ذلك لتتغلغل في الإدارة والمرافق العامة، فالتونسيون وفق إحصاءات رسمية هم من أكثر الشعوب إقبالا على صفحات التواصل الاجتماعي بأنواعها، وأكثرها استهلاكا للفايسبوك بينما حياتهم اليومية تخلو من أي مظاهر عملية وخدمية للتكنولوجيا!
والغالبية العظمى منهم لا يستخدمون الهواتف الجوالة إلا لهذا الغرض بينما يواصلون قضاء كل شؤونهم بالطرق التقليدية.
تستوقفنا في خاتمة الكتاب فقرة رائعة يقول فيها الكاتب إن مفهوم الأوتوبيا يرتبط بالمثالية ويحيل إلى ما هو مرتبط بالحلم، وإلى ما قد لا يتحقق في الواقع أبدا، أما مفهوم «الدستوبيا» الذي ظهر في القرن الثامن عشر ويقصد به «البلد الحزين» فيحيل إلى صورة تتعارض مع «الأوتوبيا» لعالم يسوده القمع والفوضى، واستنادا إلى الباحث غريغوري كلايس فإن العلاقة بين المفهومين ليست مجرد تعارض بسيط، بل هي علاقة جدلية «إذ كثيرا ما تتحول المشاريع الطوباوية حين تنزل في الواقع إلى أشكال من الديستوبيا».
كل مظاهر الانحطاط التي تصلنا أيضا (يا للمفارقة) عبر الفايسبوك ذاته تؤكد حالة الديستوبيا التي نعيش: الاحتفال بعيد الجمهورية أمام المسرح البلدي، صورة الراقصات في افتتاح بطولة افريقية أمام مدرجات خالية ومسؤولين (كأن على رؤوسهم الطير)، مرورا بصورة التاكسي الغارق في نفق، وصولا إلى تلك (المرقازة) اليتيمة التي ظهرت في فيديو عن مشاركة بلادنا في تظاهرة عالمية للأغذية في باريس،
كل شيء من حولنا صار يرشح بالقذارة والقبح وفقر في التصور والخيال ومحدودية قصوى في تذوق الجمال.
كل شيء من حولنا لا يشبهنا، لا يشبه البلد الذي نشأنا فيه على عقيدة التفوق، كل شيء أمامنا يمثل اللاكفاءة، وهيمنة الجهل والجهلة وسيطرة الرعاع، كل شيء ينتمي إلى هذه الدستوبيا الفظيعة التي تأسست على كم هائل من الأحلام الطوباوية، إذا تأملناها اليوم بعين الواقعية اكتشفنا أنها لا تعدو أن تكون مجرد هلوسات ذهانية خدعت الجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى